تلك المرأة التي أحب

"قرَّر أن يغيّر تصرفه معها ذات مساء وقد أنهكته أسئلتها الملحة في كل عوداته من العمل، كان عليه أن يغيظها بتجاهلها وعدم الإجابة بدل كثرة اعتذاراته وبحثه في عينها وشفتيها عن بريق رضى. امتعضت من صمته وانتظرت رحيل الليل على أحر من الجمر، لترحل في أولى ساعات اليوم الموالي عن البيت... حين عاد في المساء وجد جملة وحيدة كتبت بقلم أسود على ورقة ووضعت على طاولة العشاء: "حينما تقدّر غيرتي يمكنني أن أعود".

تلك خلاصة لقصّة أحد أصدقائي كان قد تزوج حديثًا. وهي تلخّص حالة دقيقة من حالات تعدّد الشنآن التي تنشب بين الأزواج في العهد الأول من الحياة الزوجية بسبب الغيرة وحبّ التملك. إذ ينحو الزوج كما الزوجة إلى امتلاك الطرف الآخر ورهنه به، وكأنه يحاول أن يكون الهواء الذي يتنفسه والعين التي يرى بها واللسان الذي يتحدّث به. وتذكي الغيرة المتقدة بقلبيهما حدّة تلك الخلافات. ففي المجتمعات المحافظة، تُعدّ النظرة والابتسامة سلاحًا قاتلًا. أليسا هما معا تجاوبا بطريقة ما وانعكاس لخوالج الذات؟ لكن المشكل ليس في الغيرة من عدمها بل في كيفيّة تدبيرها، فالغيرة نجيع الحبّ وهواءه وغذاءه، ودفئه وحاميه من التلاشي عبر إبعاده عن الانحدار إلى البرود. وهي لازمة أيضًا لتحقيق ياء النسبة التي تلحق كلمة "زوج" "زوجة". تلك الياء التي تذيب روحين وجسدين في جسم واحد.

إن تلك المرأة التي تحاصرك بالأسئلة وتبحث في عينيك عن أجوبة، حرية بكثير من الحبّ. لا لشيء إلّا لكونك أنت كل اهتمامها وشغلها. يقولون إن الغيرة حينما تزيد عن جرعتها المسموح بها تصبح سمًّا فاتكًا كما سم أفعى المامبا السوداء، لكني أعتقد أن الغيرة إلى ذلك الحد إنما هي انعكاس لحبّ جارف للطرف الآخر، ذلك الحبّ الذي يجعلك تعتقد أن أيّ تصرف بشريّ اتجاه روحك الثانية هو بمثابة خطر داهم يجب وأده في مهمده. حبّ يوصلك إلى درجة النفور من زيارة عائلة زوجك خوفًا من أن تصافح أحد الأقارب. وقد يبدو طرحي هنا عقيمًا ومبالغًا فيه لكنها حالات واقعية في مجتمعاتنا الإسلامية.

هل كان على صديقي تغيير سلوكه ليقنع زوجته بعدم البحث في نظراته عن خلل في إجابة ما؟؟ حتمًا كان عليه ذلك. لكن ليس بتلك الطريقة الفجة التي أفقدته إيّاها أيامًا قبل صفاء ذهنها وعودتها إلى البيت. إنما كان عليه أن يتحلّى بصبر الأنبياء وحكمة الأولياء وتضرّع الفقراء. فالصبر سيجعلها في يوم ما تغيّر طريقة محاصرتها له بتلك الأسئلة التي تبدو بلا جدوى في كثير منها. لعلّها تعاتب نفسها حينما تستكين وحيدة في البيت بينما يكد هو خارجه لأجل سعادتها، لعلّها تدرك أيّ حرج وقلق تسببه له بينما يعود طالبًا للراحة وتجديد نفسه ونشاطه عبرها. ولعلّها تصل إلى تلك القناعة التي تهمس لها في أذنها همسنا لعزيز بسر ما:" هو لك وحدك، لا داعي لكل ذلك ". 

أمّا الحكمة فهي متم الأمر وكماله، وهي توصل إلى تفادي اللجاج والخصام وكثرة الثرثرة في أمر، ربما، يعتبر ساذجًا. فإن فنّ الرد من أكثر الأمور تطلبًا في الحياة الزوجية. وهي الصفة التي يفتقدها الكثير من الأزواج في التعامل فيما بينهما تدبيرًا منهما للحياة الداخلية وتسييرًا للنقاشات الأسرية التي لا تنتهي. ولا أودّ أن ألقي باللوم على طرف دون آخر، لكني أرى أن الزوجة (ربة البيت) التي تنفق جل وقتها أحيانًا في مشاهدة المسلسلات لا تستفيد مطلقًا من السيناريوهات التي يجسدها الممثلون بقدر تركيزها على المشاهد والحياة السعيدة الخادعة التي تريد السينما تمريرها. لا توجد مثالية قطعا سيدتي. وما أقصده بالتضرع هو التلطف والحنو ومجاهدة النفس بطريقة تجعل كلا الطرفين يشعر أن الأول طوع أمر الثاني.

إنني لا أنشد المثالية والكمال، فذلك موجود في كتب الفلسفة وفي أطروحات علم النفس وعلم التنمية البشرية فقط، وإنّما أحاول أن أقول إن الحلول موجودة على أقرب طاولة إلينا، وفي أول كتاب نصادفه، وفي تجارب الحياة إن لم نكن نجيد القراءة. الحلول أيُّها الأنقياء موجودة في الطبيعة؟ ألم تلاحظوا يوما كيف يتودّد أسد إلى أنثاه، وكيف يرقص طائر بطريقة محكمة أمام صغيرته إرضاء لأنوثتها؟؟

فلا تتدمّر إن كثر رنين هاتفك في كل مرّة وأتاك السؤال المعتاد: "حبيبي أين أنت؟؟ لقد تأخرت اليوم" وإنّما عليك أن تجيب بسعادة بالغة وأن تخبر نفسك أن الله وهبك من يهتم لأمرك ويتفقد حركاتك وسكونك وجنونك ويرعى إلى جانبك تلك الأحلام الذهبية.

أليست تلك الملحاحة تستحق الحياة؟؟ بلى، إنّها تلك المرأة التي أحبّ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب