تقنية كريسبر هي آخر ما وصل إليه العلم فيما يخص تحرير الجينات، وذلك عن طريق قدرة التقنية على إضافة أو إزالة أو تعديل الجينات، كأنك تستخدم «مقصًا جزيئيًا» في تسلسلات الحمض النووي، وهو الأمر الذي يمكن تطبيقه في الأمراض الوراثية، وربما الأمراض المستعصية.
وفي هذا المقال نشرح لك بطريقة مبسطة ما هي تقنية كريسبر، وما علاقتها بعلاج الأمراض الوراثية، وهل تقضي تقنية كريسبر على مرض الإيدز، وما المخاوف المرتبطة بتطبيق تقنية كريسبر، وأين وصلت نتائج تقنية كريسبر في التجارب السريرية.
ما آلية عمل تقنية كريسبر؟
تقنية كريسبر هي آخر ما وصل إليه العلم الحديث في التعامل مع الجينات وتحريرها، وبالتالي يمكن استخدامها للتحكم في أجزاء من الحمض النووي عن طريق اللصق والإضافة.
في البداية، يصمم العلماء جزءًا من الحمض النووي يكون مطابقًا تمامًا للتسلسل المراد تعديله في الجينوم. بعد ذلك، يُربط هذا الجزء بإنزيم يسمى Cas9، وهو الإنزيم الذي تقوم عليه تقنية كريسبر، ويُحقن في الخلية ليدخل في التسلسل المطابق له في الحمض النووي.
يؤدي الإنزيم Cas9 دوره في العثور على الهدف، ثم يُجري قطعًا مزدوجًا في سلسلة الحمض النووي، في تلك المرحلة، يستطيع القائمون على التجربة تعطيل الجين المستهدف أو تصحيحه بإضافة حمض نووي جديد في الخلية.
لماذا تعد تقنية كريسبر ثورة بيولوجية؟
الحقيقة أن تقنية كريسبر صنعت موجة كبيرة من ردود الأفعال، وكثيرًا من علماء البيولوجيا عدُّوها تقنية ثورية، ومنهم من أطلق عليها مصطلح «الأداة الثورية البيولوجية»، وهو الأمر الذي يعود لأسباب عدة، من أبرزها ما يلي:
- قدرة التقنية على علاج الأمراض الجينية والسرطان عن طريق عملها كمقص جزيئي لقطع الطفرات الجينية المسببة للأمراض وتعديل طفرات جينية أخرى.
- الأمر الآخر هو إمكانية استخدام تلك التقنية المدهشة في مجال الأمن الغذائي، فهي تتيح إنتاج الحيوانات ذات السمات المرغوبة والمحاصيل الخالية من الأمراض والمقاومة للجفاف والآفات.
- تتميز تقنية كريسبر بالكفاءة والدقة العالية، وتتفوق على التقنيات الأخرى التي ظهرت على مدار سنوات في مجال التعديل الوراثي، ولا تتطلب إدخال جينات غريبة على الحمض النووي، مما يجعلها أكثر قبولًا في التنفيذ.
· الأمر الأهم في تقنية كريسبر، الذي يخص الكثير من دول العالم التي لا تمتلك الإمكانيات الكبرى على المستوى المادي، هو أن تقنية كريسبر أقل تكلفة من كل تقنيات التعديل الوراثي الأخرى.
أين وصلت نتائج وأبحاث تقنية كريسبر؟
تخطو تقنية كريسبر كل يوم خطوات عملاقة في انتقالها من مجرد أداة مخبرية إلى كونها علاجًا فعليًا يُطبَّق على أرض الواقع في مجالات عدة. ومن أبرز المحطات التي مرت بها التقنية ما يلي:
- اعتماد التقنية: في عام 2023 اعتُمدت تقنية كريسبر في علاج اضطرابات الدم الوراثية، واستُخدمت بالفعل في عدد من الحالات.
- علاج أمراض العيون: في عام 2024 استُخدمت تقنية كريسبر في علاج بعض الحالات النادرة من عمى الأطفال، وحققت التقنية نجاحًا مذهلًا.
- الجيل الجديد: في عام 2025، طور العلماء جيلًا ثالثًا من تقنية كريسبر يعمل على تعديل سطح الجينات دون أن يُجري قطعًا في الحمض النووي، وهو ما يعد خطوة عملاقة لتقليل المخاطر وعلاج عدد من الأمراض.
- كفاءة التوصيل: في النصف الثاني من عام 2025، ظهر ابتكار جديد في مجال تقنية كريسبر يعتمد على استخدام جسيمات النانو الدهنية لإيصال أدوات كريسبر للخلايا بدقة عالية، وهو ما يقلل من نسبة الخطأ ويضمن النجاح بنسبة كبيرة.
- بحوث السرطان: في الشهور الأخيرة استُخدمت تقنية كريسبر في عدد من بحوث السرطان عن طريق مزجها مع الأورام وفهم سلوك الخلايا السرطانية من أجل الوصول إلى علاجات جينية مخصصة.

هل تقضي تقنية كريسبر على مرض الإيدز؟
تمثل تقنية كريسبر ثورة بيولوجية كبيرة، وتعلق بها كثير من الآمال في القضاء على أمراض عدة، وعلى رأسها مرض الإيدز، إلا أنها حتى الآن لم تقدم علاجًا نهائيًا له، رغم وصولها إلى مراحل متقدمة.
في عام 2024، بدأت بعض التجارب على إزالة فيروس الإيدز من الخلايا المصابة بواسطة تقنية كريسبر، إلا أن هذه التجارب المخبرية لم تُطبَّق إلا على الفئران، وحققت نجاحًا مذهلًا. في العام نفسه، بدأت تجارب أخرى على البشر، وأظهرت نتائج أولية جيدة، إلا أنها لم تحقق الشفاء التام لجميع المشاركين في التجارب السريرية؛ فقد عاد الفيروس مرة أخرى للظهور لدى بعضهم بعد التوقف عن تناول الأدوية التقليدية.
تتعلق المشكلة التي ظهرت في علاج مرض الإيدز عن طريق تقنية كريسبر بصعوبة الوصول الكامل إلى كل خلية مصابة في الجسم، بالإضافة إلى قدرة الفيروس نفسه على التحور بسرعة والإفلات من المقص الجزيئي. وخلاصة القول إن تقنية كريسبر لم تصل حتى الآن إلى أن تكون علاجًا نهائيًا لمرض الإيدز، إلا أنها فتحت الباب للتفكير في الشفاء الكامل في السنوات القادمة.
ما المخاوف المطروحة من استخدام تقنية كريسبر؟
رغم حالة التفاؤل الكبير من العلماء والمهتمين بمجال البحوث والعلوم الطبية والبيولوجيا بما يمكن أن تصل إليه تقنية كريسبر من علاج الأمراض الوراثية والمزمنة، فإن ثمة بعض المخاوف المطروحة من استخدام التقنية، وعلى رأسها ما يلي:
مخاوف علمية
- تتعلق المخاوف العلمية بظهور طفرات غير متوقعة أو أمراض جديدة بسبب استخدام تقنية كريسبر.
- الأمر الآخر يتعلق بتعديل الخلايا التناسلية، وهو ما قد ينتقل بدوره إلى الأجيال القادمة.
مخاوف أخلاقية
- البعض يخشى من استخدام تقنية كريسبر في تحسين الصفات البشرية، وهو ما قد يؤدي إلى عدم المساواة المجتمعية أو التمييز.
- دار أيضًا حديث حول الخوف من عدم إتاحة العلاج للجميع، وهو ما قد يزيد من الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.
- بالنسبة للتيارات المحافظة، فقد تحدثت عن سلطة الإنسان في ممارسة تعديلات ليست من حقه، وتدخُّله في الجينوم البشري على نحوٍ غير مسموح.
مخاوف بيئية وأمنية
- المخاوف البيئية التي أثارها بعض العلماء تتعلق بإمكانية تسبب تقنية كريسبر في انقراض أنواع بأكملها، وهو ما يخل بالتوازن البيئي، وقد يحدث ذلك مثلًا في حالة نشر جين معين لمقاومة نوع من الحشرات مثل البعوض.
- البعض الآخر تحدَّث عن احتمال استخدام هذه التقنية في تصنيع الفيروسات أو البكتيريا أو الأسلحة البيولوجية، وصعوبة السيطرة على الكائنات المعدلة وراثيًا في البرية.

وفي الأخير، تبرز تقنية كريسبر كإحدى أهم ثمار التقدم العلمي، وواحدة من التقنيات الثورية التي يعلق عليها الكثير من الناس آمالًا كبيرة في القضاء على أمراض وراثية مستعصية وأمراض مزمنة وحالات نادرة، وسط مخاوف هنا وهناك لم يخلُ منها أي اكتشاف جديد من قبل.
ورغم أن الطريق نحو علاج نهائي لأمراض معقدة مثل الإيدز والسرطان لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوقت والتحوير لضمان الدقة الكاملة، فإن وتيرة التطور المذهلة في أبحاث هذه التقنية تدعو إلى التفاؤل الشديد. نرجو أن نكون قد قدمنا لك وجبة علمية ممتعة ومفيدة، ويسعدنا جدًا أن تشاركنا رأيك وتوقعاتك لمستقبل الهندسة الوراثية في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.