إن تقليل مصاريف الشركات الناشئة ليس إجراء يمكن اتخاذه في أوقات الأزمات، بل هو جزء أساسي من الإنفاق الإستراتيجي للشركات الناشئة وفن كيفية إدارة المصاريف للشركات. لعل أبرز التحديات التي تواجهها المشروعات الجديدة هي التكاليف العالية التي قد تكون عبئًا يمنع بدء المشروع. وبذلك تبرز أهمية البحث عن إستراتيجيات توفير المال للشركات بطرق ذكية. يقدم لك هذا المقال عددًا من الأفكار والاستراتيجيات المناسبة لأصحاب الأعمال الناشئة.
لعل أبرز التحديات والصعاب التي تواجهها الشركات والمشروعات الناشئة هي التكلفة العالية والمصارف الضرورية التي قد تكون عبئًا يمنع بدء المشروع أو تنفيذ جميع الخطط النظرية وتحويلها إلى واقع قبل بدء الحصول على مكاسب أو عوائد من العمل. إضافة إلى أنّ هذه المصروفات في البداية، وإن كانت ضرورية، فإنها تُعدّ مغامرة كبيرة في حال عدم نجاح الشركات والمؤسسات.
أهمية إستراتيجية خفض التكاليف
عند الحديث عن خفض المصروفات للشركات الناشئة، أو حتى للمشروعات القديمة، فإن الأمر يتعلق باستراتيجية تحتاج إلى كثير من المعرفة والدراية، إذ إن تقليل النفقات بشكل عشوائي قد يؤدي إلى اتخاذ عددٍ من الإجراءات السطحية التي لا تصنع فارقًا كبيرًا على المدى الطويل، وقد تضرّ بعملية الإنتاج أو الإدارة أو الدعاية أو المبيعات إذا لم ترتبط بخطة محكمة وتقوم على إستراتيجية حقيقية.

وفي ظل المنافسة العالية والصعوبات المالية الكبيرة التي تواجهها الشركات القديمة والحديثة بسبب الأزمات الاقتصادية العالمية، فإن مسألة خفض المصروفات تُعد ضرورةً يجب إدارتها بطريقة حكيمة للحصول على نتائج طيبة دون أي أضرار تتعلق بالمنتج النهائي وسمعة الشركة أو المؤسسة؛ لأن المال هو مصدر الصمود الكبير أمام الأزمات التي تواجهها الشركة، إضافة إلى كونه وقود التنمية والمنافسة المستدامة.
كذلك، فإن الموارد الموجودة في الشركة يمكن استغلالها بالطريقة الأمثل لكي تتحول إلى فرص للنمو بدلًا من البقاء في حالة عدم التشغيل، وذلك بإدارة المصروفات بحكمة ودراية من أجل الحصول على نتائج طيبة مع منح الشركة عددًا من الفرص في التجريب والتطور دون أن تتعرض لضغط مالي كبير لا سيما في بدايتها، وهو ما قد يؤدي إلى توقف العمل أو البحث عن مصادر أخرى للتمويل.
7 إستراتيجيات خفض التكاليف للمشروعات الصغيرة
من الأمور المهمة التي يجب توضيحها أيضًا بخصوص إستراتيجية الإنفاق أن الشركات الناشئة التي تنشأ على خطط ومفاهيم الإنفاق الحكيم وترشيد التكاليف، تستمر على هذه الخطط الإستراتيجية بعد ذلك وتصبح قادرة على التعامل مع الصعوبات والأزمات المالية. وترسل للمستثمرين الآخرين رسالة قوية بأنها قادرة على تحقيق نتائج كبيرة بالإمكانات الأقل، وهو ما يمنح الشركة أيضًا كثيرًا من المرونة في التعامل مع التقلبات والمتطلبات المفاجئة، ويمنحها قدرة تنافسية عالية على المدى المتوسط والمدى الطويل.
التكنولوجيا وتقليل النفقات: تبني الأتمتة
يُعَدّ استخدام التكنولوجيا من أهم الطرق الذكية التي يمكن بها تقليل المصاريف في الشركات الناشئة، وذلك بتحديد المجالات التي تسمح بأن تكون التكنولوجيا بديلًا عن العنصر البشري، إذ يمكن تقليل عدد الموظفين الذين تحتاجهم الشركة، وبذلك تقليل مصاريف التشغيل، إضافة إلى ضمان الحصول على جودة عالية، فبعض الأدوات والتطبيقات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تؤدي عددًا من الأدوار، في حين يؤدي العامل البشري دور إدخال البيانات والمراقبة.
ثم إن أتمتة المهام، وإن كانت أتمتةُ المهام أمرًا طبيعيًّا ومستخدمةً على نطاق واسع، فإنها تُعدّ ضرورة للشركات الجديدة، إذ توفّر ساعات من العمل والجهد البشري واليدوي كل يوم، وهو ما يمنح الموظفين كثيرًا من الوقت والجهد للتركيز على المهام الأخرى، كما تقلل من الأخطاء التي تُعد مصدرًا لتكلفة أخرى قد لا تحتملها الشركات الجديدة.

الاستعانة بالخدمات الخارجية (Outsourcing)
من أهم السياسات التي تعزز فكرة التخصص وتقلل من الأخطاء، وبذلك يمكن أن تكون إحدى وسائل تقليل مصروفات الشركات الناشئة، هي فكرة الاستعانة بالخدمات الخارجية، إذ يمكن للمشروع أو الشركة الناشئة أن تستعين ببعض المؤسسات أو الشركات الأخرى التي تقدم خدمات محددة، وذلك لتقليل التكاليف الإجمالية للتشغيل، إذ تبقى المؤسسة أو الشركة ذات تكلفة محدودة. ثم إن المصادر الخارجية ستكون مسؤولة تمامًا عن الخدمات أو المهام التي تقدمها، وهو ما يضمن الحصول على جودة عالية وفي مواعيد ثابتة دون تكلفة كبيرة.
حتى إذا كانت الشركة أو المؤسسة الناشئة تسعى إلى أن تستقل في صناعة المنتج أو تقديم الخدمة، وتستهدف عدم الاحتياج إلى أي مصادر خارجية، فإنها قد تتبنى هذه الإستراتيجية في البداية لتوفير النفقات، وبعد ذلك يمكنها أن تقلل من الاعتماد على المصادر الخارجية مع تطور الشركة وظهور المكاسب والاطمئنان إلى وجود عملاء، وهو ما سيجعل الشركة تتفادى أي أزمة مالية قد تهدد المشروع في البداية.
التوظيف الذكي وتوفير الموارد
لا يقتصر الأمر على الشركات التي تبحث عن وسائل ذكية لتقليل مصاريف الشركات الناشئة، بل يُعد التوظيف الذكي أحد متطلبات العمل عامة، وذلك لتوفير النفقات والحصول على الكفاءات المناسبة التي تضمن سير العمل، وهو ما يتطلب أن تكون قرارات التوظيف مبنية على مجموعة من الأسس العلمية والفنية دون الاعتماد على المشاعر والمعارف الشخصية.
لذا إذا استطاعت الشركة أن توظف أصحاب المهارات المتعددة والخبرات العميقة، فإنها ستتفادى كثيرًا من الأخطاء وستستفيد من هذه المهارات المتعددة للموظفين، وبذلك تقل النفقات والتكاليف المتعلقة باحتياج حاجةِ الشركة إلى كثير من الموظفين، وكذلك لمعالجة الأخطاء التي قد تحدث من أصحاب الخبرات الضعيفة أو عديمي المهارات.

ثم إن بعض الشركات تتجه إلى توظيف الأشخاص المستقلين المحترفين من أجل القيام بأدوار محددة في الوظائف المخصصة، وهو ما يجعل ارتباط الموظفين بالشركة مبنيًا على القيام بالمهام وأداء الأمور على أحسن صورة بتنافسية عالية من أجل الحفاظ على الوظيفة والدخل.
إضافةً إلى ذلك، يمكن للشركة أن تتعاقد مع الموظفين المحترفين بعقود مؤقتة من أجل إنجاز المهام التي تحتاجها الشركة في البداية دون أن تدفع لهم رواتب أشهر عدة، إذ يحدث تقييم وضع الشركة بعد مدة وتتخذ القرارات المناسبة دون تحمّل عبءٍ كبيرٍ لعددٍ من الموظفين بعقودٍ طويلةِ الأجل، وهو ما قد يوفر كثيرًا للشركة ويمنحها المرونة في إجراء التعديلات على الخطط والقرارات.
العمل عن بعد لتقليل المصروفات
حتى إن كانت الشركات الناشئة تحتاج إلى وجود مساحة مكتبية للعمل، فإن وجود كثير من الوظائف التي يمكن تُدرَج في خطط العمل عن بُعد، إذ يؤدي الموظفون هذه المهام بكفاءة عالية من المنزل دون الحاجة إلى مساحة مكتبية كبيرة. ويمكن عقد الاجتماعات واللقاءات المهمة عبر الإنترنت، إضافة إلى وجود مقابلات شخصية في المكتب في مواعيد محددة تضمن ضبط العمل دون وجود ضغوط كبيرة بسبب التكلفة التي يقتضيها العمل من المكتب، فيعد العمل عن بُعد للشركات الناشئة من أفضل طرق خفض التكلفة التشغيلية، فيوفر مصروفات الإيجار والفواتير والمعدات المكتبية.
وفي بعض الخطط، تقوم الشركات بمنح الموظفين أيامًا في الأسبوع للعمل من المنزل، وأوقاتًا أخرى للعمل من المكتب، وهو ما يسمح بتقليص مساحة الشركة وتخفيف عدد المكاتب والأدوات وأنظمة العمل، وهو ما يقلل التكلفة لتُعادَ توجيهُها إلى مسارات أخرى. كما أنه يمنح الشركة القدرة على تقليل الرواتب بما يتناسب مع فكرة العمل من المنزل ومن المكتب، لأن مصاريف الموظف ستقل إذا كان يعمل من المنزل، وهي ميزة كبيرة للشركات الناشئة التي ترغب في تقليل المصاريف.
ضبط الأولويات وإزالة الهدر
لا يتضمن توفير النفقات خطط البداية والقرارات التي يتم اتخاذها عند إنشاء الشركات فقط، وإنما يتطلب الأمر أن تكونَ هناك حالةٌ دائمةٌ من ضبط الأولويات وإزالة الهدر بالعمل على مراقبة البرامج والوظائف والمهام التي يقوم بها الموظفون. وفي حالة وجود أي برامج أو مهام متشابهة أو متداخلة، يحدث العمل على دمجها من أجل تقليل النفقات حتى لا تقوم الشركة بدفعِ ضعفِ التكلفة دون الحصول على فائدة حقيقية.

كذلك يتطلب الأمر مراجعة كل المهام وعلاقتها بالأولويات. فعلى سبيل المثال، لا ينبغي السماح بسفر الموظفين إلا إذا كان الأمر يحقق فائدة كبيرة تفوق المصاريف والنفقات، ولا يُمنح الموظف مزايا جديدة إلا إذا كان يقدم قيمةً مضافةً.
من ناحية أخرى، يجب أن يكون هناك بحث دائم عن الوسائل التي تقلل الإنفاق، مثل استخدام برنامج إدارة المخازن الذي يعمل على مراقبة الكميات التي تخرج وتدخل من المخازن، وهو ما يقلل من الكميات المُهدَرة ويحافظ على أداء عمل الموظفين عندما يستشعرون الرقابة الآلية.
مراجعة النفقات الدورية
من الأمور المهمة التي تمنح فرصة تقليل التكاليف هي مراجعة النفقات باستمرار والتوقف عند البنود التي استدعت زيادة النفقات في السنوات الأخيرة والعمل عليها ومقارنتها بالنتائج والمكاسب. وبذلك يمكن بمراجعة النفقات الدورية إلغاء النفقات التي تبدو غير ضرورية وتعديل بعض النفقات لكي تتوازن مع النتائج والمكاسب. ثم إن المراجعة الدورية تمنح الشركة فرصة لاكتشافِ المشكلات المالية قبل أن تتحول إلى كوارث.
وعلى سبيل المثال، فإن مراقبة الفواتير التي تدفعها الشركة بشكل ثابت قد تُظهر بعض الخلل في إدارة المصاريف، مثل فواتير الطاقة التي يستهلكها الموظفون وتحتاج إليها الشركة لإدارة الآلات وكاميرات المراقبة وغيرها. إذ يكون نمط استهلاك الشركة معروفًا، وفي حالات زيادة وتيرة الاستهلاك يجب معرفة الأسباب ومعالجتها قبل أن تستنزف تلك الفواتير أكثرَ ممّا تستحقُّ، وهو ما قد يمثل عبئًا كبيرًا على الشركة.
رفع كفاءة الموظفين كاستثمار طويل الأمد
قد يبدو أن الاستثمار في الموظفين ورفع كفاءتهم أمرًا مكلفًا للشركة، وهو ما يتعارض مع فكرة توفير النفقات في الشركات الناشئة، لكن الأمر ليس كذلك، وإنما يُعد الاستثمار في الموظفين جزءًا من تقليل نفقات الشركة، وهو خيار إستراتيجي تنتهجهُ كثيرٌ من الشركات القديمة والحديثة، لا سيما في البيئات ذات المحدودية المالية التي لا تستطيع الاستعانة بكفاءات محترفة أو شركات خارجية لأداء المهام، وبذلك تعمل على تدريب الموظفين ورفع كفاءتهم لأداء المهام المطلوبة.

كما أن ذلك يمكن تطبيقه بإستراتيجيات عدة، إذ يمكن إخضاع الموظفين لدورات تدريبية سريعة لأداء بعض المهام الضرورية التي يحتاج إليها سير العمل والوصول إلى نتائج رائعة في أوقات قصيرة دون دفع تكلفة كبيرة. ويمكن استخدام بعض المحترفين لشرح بعض الأمور للموظفين ووضعهم على الطريق الصحيح في أداء المهام المطلوبة، وهو ما يتطلب دورة تدريبية قصيرة أو عدة محاضرات غير مكلفة مقارنة بالاستعانة بالمحترفين لأداء هذه المهام أو التعاقد مع شركات خارجية.
أخطاء شائعة في خفض المصروفات يجب تجنبها
-
خفض ميزانية التسويق على نحو عشوائي: التسويق هو محرك النمو، وخفضه على نحو كبير قد يوفر المال على المدى القصير، ولكنه يقتل فرص النمو على المدى الطويل.
-
إهمال الجودة مقابل السعر الأرخص: اختيار أرخص البرامج أو أرخص الموردين قد يؤدي إلى مشاكل فنية وانقطاعات تكلفك أكثر في المستقبل.
-
عدم الاستثمار في الموظفين: إهمال تدريب الموظفين أو منحهم بيئة عمل سيئة لتوفير المال يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وارتفاع معدل دوران الموظفين، وهو أمر مكلف جدًا.
- يجب أن نتذكر أن تقليل مصاريف الشركات الناشئة ليس هو الهدف النهائي، بل هو وسيلة لتحقيق هدف أكبر: النمو المستدام. إن الإنفاق الإستراتيجي يعني توجيه الموارد المحدودة نحو الفرص التي تحقق أعلى عائد، والتخلص من كل ما يستنفذ الميزانية.
وفي نهاية مقالنا الذي تضمن عدة طرق ذكية لتقليل مصاريف الشركات الناشئة، نأمل أن نكون قد قدّمنا لك المتعة والإضافة. ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات وأن تشارك المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.