تفسير التاريخ والعلوم المساعدة

المقصود بتفسير التاريخ هو البحث عن العوامل المؤثرة في مسيرة الأحداث، وغالبًا ما تكون هذه العوامل أو الدوافع هي نفسها البواعث أو الدوافع التي تدفع الإنسان للحركة والتصرف.

فالإنسان يتحرك أو يعمل بدافع إطعام نفسه وأهله، وبدافع التفوق والزواج والسيطرة والتملك والفكرة، وقد يكون كيسًا لينًا يتحايل، وقد يكون عنيفًا عدوانيًّا يهاجم.

وهذه الدوافع الفردية، والظروف التي يواجهها الفرد، هي بواعث الجماعات نفسها أو دوافعها. فهي نفسها العناصر الكامنة وراء حركة التاريخ. فالأحداث الإنسانية عبر التاريخ يحركها الباعث الاقتصادي (البحث عن الطعام... إلخ) أو باعث السيطرة (الاستعمار) والعامل النفسي متمثلًا فيما يعتري بعض الزعماء أو الحكام من أمراض نفسية.

وعامل التفوق والهداية، يتجلى في حالة اعتناق الإنسان لأفكار مسيطرة تأخذ عليه عقله ولبه.

اقرأ أيضًا: قراءة في كتاب تاريخ الآداب الأوروبية للكاتب روبرت ديفيس

وهناك من ينظرون لتفسير التاريخ، لا على أنه بحث في العوامل المسيرة للأحداث، وإنما تأمل في طبيعة تتابع هذه الأحداث.

1- الجغرافيا وتفسير التاريخ

عادة يبدأ الباحث التاريخي بحثه بتوطئة جغرافية، يحدد فيها الحدود المكانية للمنطقة التي يؤرخ لها. ويذكر من الحقائق الجغرافية ما يخدم أغراض بحثه.

فالباحث في مجال التاريخ الإفريقي مثلًا يركز على الغطاء النباتي والمناخ والمجاري المائية؛ لما في ذلك من أثر في حركة الإنسان وسلوكه وتجمعاته وثقافته.

وهذه العوامل تؤدي دورًا مهمًّا في نتائج المعارك وتحركات الجيوش.

وفي بعض مراحل التاريخ كان الجبل والبحر والنهر عائقًا يحدد سير المعارك، وساعدت الظروف الجغرافية في احتفاظ بعض الأجناس بنقائها الجنسي النسبي.

وكان للمناخ دور في صياغة أخلاق الناس على نحو مباشر أو غير مباشر، بمعنى تأثيره في الغطاء النباتي، غابة وحشائش، وصحراء.

إن تاريخ العرب القديم مزيج من الحقيقة والخيال، وذلك قدر مقدور يشمل التواريخ القديمة للشعوب. والواقع أن الخرافات الاسكندنافية القديمة تتكشف عن شبه رائع بخرافات العرب الأقدمين.

ولقد ساعد المناخ على دفع هذه الخرافات في الاتجاه الذي اتخذته. فبينما أدى "المؤثر الدافئ" في احتكاكه بالثلج والجليد إلى خلق عمالقة الصقيع السويدية، خُلقت الجن عند العرب من نار خالصة.

وخلال مرحلة الاستعمار نشر الأوروبيون آراء سيئة عن الجنس الأسود بعد أن خربوا ما وجدوه ببلاده من دول وحضارات. وزعم بعض كُتابهم –ومنهم كثير من رجال الدين المسيحي– أن الجنس الأسود ليس من البشر، ولهذا يجوز صيده وبيعه والمتاجرة فيه.

وذهب آخرون بأن روح الإنسان الأسود سوداء أو أنه لا روح له أصلًا.

وفعلًا أُبيد السود في بعض الأقاليم مثل جنوب إفريقيا وزيمبابوي التي سُميت باسم استعماري من عتاة القائلين باستذلال الشعوب الضعيفة.

والحقيقة أن الجنس الأسود وُجد في ظروف جغرافية قاسية: وُجد في بلاد تغطيها الغابات الكثيفة وتشتد فيها الحرارة وتكثر الوحوش والحشرات... إلخ.

وفي هذه البيئة تكثر الأمراض الفتاكة التي تنقلها الحشرات وتسببها أصناف لا حصر لها من الجراثيم التي تتكاثر وتتوطن في هذه الظروف الجغرافية. وأن حرارة الجو لا تُشعر الإنسان بالحاجة إلى الملابس، ووفرة الطعام لا تحفز الذهن على النشاط، فلم يجد الإنسان صعوبة في إشباع غرائزه، فظلت الغريزة عالية نشيطة في حين لم يجد الذهن ما يدعو إلى تنشيطه وصقل ملكاته ومواهبه.

اقرأ أيضًا: تلخيص كتاب تاريخ الحضارة الإسلامية العربية

2- الاقتصاد والتاريخ

كثير من الهجرات الجماعية عبر التاريخ، لا يمكن تفسيرها إلا تفسيرًا اقتصاديًّا. وتحركات القبائل العربية عبر رمال الجزيرة كانت في كثير من الأحيان بحثًا عن الكلأ والماء. والهجرات العربية في القرن التاسع عشر عبر البحر الأحمر كانت بقصد الاستقرار.

واهتمام القوى الأوروبية هذه الأيام بمنطقتنا العربية يكمن خلفه النفط والموقع الاستراتيجي. وحركة الكشوف الجغرافية التي قادها البرتغاليون كان هدفها الأساسي الوصول لبضائع الهند.

3- علم النفس والتاريخ

ركَّز بعض الباحثين على العواطف البشرية من حب وكره، ويقظة وحلم، في تسيير أحداث التاريخ. وركَّز باحثون على أن الزعماء أو القادة يدفعون الجماهير للحركة بإثارة عواطفهم.

ومن هؤلاء الذين فشلوا في تعليلاتهم النفسية ما ذكره المؤرخون عن تأثير مسلك جوزفين، زوجة نابليون الخائنة أو التي كان يشك فيها، على قراراته.

اقرأ أيضًا: مختصر كتاب " تاريخ المعارف البشرية ".. سلسلة مترجمة فى العلم والفلسفة والأدب والأديان وغيرها

4- الأدب والتاريخ

يريد المؤرخون للتاريخ أن يكون علمًا وصفيًّا تحليليًا يتسم بالدقة الشديدة.

وإن اعتماد المؤرخ على الأعمال الأدبية يجب أن يتسم بالتحفظ الشديد، وأن يتجنب قدر الإمكان استخدام الأعمال الأدبية مرجعًا أو مصدرًا لاستقاء الوقائع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وتوجد مصادر أخرى أكثر دقة كالوثائق والمسكوكات والرنوك والآثار.

فقصائد المديح في السلاطين والملوك لا تعني بالضرورة أنهم سلاطين أو ملوك عادلون، وقصائد التشاؤم التي تُظهر الحياة سوداء ليس فيها ما يستحق أن يحيا الإنسان من أجله.

وقصائد الحماسة العالية النبرة نضالًا وجهادًا، لا تدل على روح قتالية عالية، بل إن قصائد الوطنية والبكاء على ذكرى تراب الوطن عندما تكثر، وتمثل ظاهرة قد تعني تاريخيًّا عكس ما ترويه تمامًا.

ويذهب بعض الباحثين إلى أن الأشعار الشعبية أو العامية أو النبطية تعد مصدرًا من مصادر التاريخ تزداد قيمتها إذا عدمنا مصادر أخرى. لكن أحد عيوب هذا المصدر أن المؤلفين عزفوا عن تدوينه ردحًا من الزمن لأنه ليس على اللفظ العربي.

ولقد ارتبطت حركة تدوين الشعر العامي والاحتفاء به في بعض الحالات بالحركة الهادفة إلى ضعضعة الفصحى والقضاء على سطوتها.

والواقع أن علم التاريخ بما وصل إليه من دقة وانضباط أصبح مصدرًا لكثير من الأعمال الأدبية وليس العكس، فأصبحنا نسمع عن الرواية التاريخية والمسرح التاريخي، بل والإشارات التاريخية في الشعر. والواقع أن الروائي أو كاتب المسرح يفعل في هذه الحالة شيئًا شبيهًا بما يفعله المؤرخ مع اختلاف في طبيعة عمل كل منهما.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة