يمثل التراث ذاكرة الأمم وهويتها التي تتكون عبر العصور، لكن هل كل الأمم ترتبط بتراثها بالطريقة نفسها؟ يتميز التراث العربي الإسلامي بخصوصية فريدة تكمن في استمراريته وتماسكه بشكل لا مثيل له، فغي حين تواجه الآداب العالمية الكبرى فجوات من الانقطاع اللغوي والثقافي تجعل من ماضيها البعيد تاريخًا يُدرس؛ يظل الأدب العربي بناءً واحدًا متصلًا، يربط الحاضر بالماضي بوشائج حية.
يستعرض هذا المقال أبعاد تميُّز الأدب العربي، مقارنًا بين حيوية التراث العربي و"متحفية" تراث الأمم الأخرى.
سر الاستمرارية في الأدب العربي مقارنة بآداب الأمم الأخرى
إن مبدأ الارتباط بالتراث أمر لا تنفرد به أمة عن أمة، فإن الشأن في التراث الإسلامي أوكد فيه من غير. وإذا كان كثير من الآداب الكبرى أو الصغرى اليوم ترتد في أصولها وانتماءاتها إلى تواريخ، بعضها أوغل في القِدم من التاريخ المكتوب لبداية التراث العربي، فإن ذلك فيها ليس له سبيل إلى التوحد والامتداد المستمر، ولا يمثل أكثر من حقبة من تاريخها، تستقل فيها كل مرحلة عما سبقها أو يليها، وذلك لما تتعرض له الآداب في مراحل انتقالها وتطورها عبر التاريخ من التحولات والتغيرات وفجوات الانقطاع، بما لا يمكن معه الحديث عن شيء من الوحدة والتجانس والتماسك على النحو الذي اختص به الأدب العربي ولغته.
ولِما يحدث من تطور مستمر وتوالد للغات، فإنه لا يكاد يوجد كيان لغوي واحد يحافظ على حيويته ومقومات وحدته أكثر من بضع مئات من السنين. وإن اللغات التي حفظت التراث القديم في حضارات الأمم الكبرى هي في مجملها لغات متحفية، تعيش منعزلة مغلقة على نطاق ضيق الانتشار والمشاركة في معطيات حضارات اليوم.
فجوات الانقطاع في الآداب الأوروبية
وأقدم الآداب الأوروبية اليوم، وإن كانت ترجع في بعض أصولها ومصادر الاستمداد فيها إلى الآداب اليونانية والرومانية، فهي لا ترتبط معها في وحدة دين ولغة ومنهج فكر. ذلك إلى فجوات الانقطاع التام عن التواصل المباشر مع القديم فيها، بين اللاتينية واليونانية، وما بين اللاتينية ولغات أوروبا الحديثة، وامتداد ذلك إلى أكثر من عشرة قرون، معظمها كان خلال العصور الوسطى المظلمة فيما بين القرن الخامس الميلادي حتى الخامس عشر، وهو الذي ابتدأت بعده مرحلة ما يسمى باللغات والآداب الحديثة في أوروبا. وكانت الدعوة إلى الرجوع إلى تلك الآداب القديمة ومحاكاتها في مطلع عصر النهضة بمثابة ثورة فكرية في ذلك الوقت، لأنها كانت تتضمن الخروج على آداب العصور ذات الطابع المسيحي.

صعوبة التواصل مع القديم: مقارنة بين امرئ القيس وشكسبير
فالأدب الإنجليزي الحديث، الذي ابتدأ تاريخه بعد نشوء اللغة الإنجليزية في مرحلتها الحديثة، وهي المرحلة الثالثة منذ ظهورها لهجة عن اللغة الأنجلوسكسونية، لا يرقى إلى أكثر من نهاية القرن السادس عشر. حتى هذه المرحلة، التي لا تبلغ أربعة قرون، تعرضت اللغة الإنجليزية خلالها لقدر كبير من التغير في مفرداتها وتراكيبها وقواعد نحوها وهجائها. كما أصاب التطور مفاهيم الفن وقيم الحياة بعامة، إلى الحد الذي أصبح فيه من غير اليسير اليوم التواصل مع كتاب أو شعراء القرن السادس عشر والسابع عشر دون اللجوء إلى الدراسات والمعاجم المعينة بالشرح والترجمة. وهي صعوبة يعانيها حتى الباحثون عند الارتداد إلى أدب كأدب شكسبير (1565–1616م) مثلًا في الإنجليزية، أو بيير رونسار (1525–1585م) في الفرنسية. ولهذا يُقدَّم أدب هؤلاء لطلاب المدارس في طبعات مبسطة ميسرة، ولا يُكتفى فيها بمجرد الشرح اللغوي.

هذا في حين أن أقل الناس حظًا من الثقافة العربية يقيم امرأ القيس من مرقده، فيُحسن التواصل معه.. ومع النابغة وطرفة والخنساء، بما لا يندّ معه عن الفهم ولا يحول دون كامل استيعابه للشكل والفحوى، إلا قدرٌ من مفردات اللغة أو تراكيب لهم لا يألفها لاختلاف طبيعة الحياة في مجتمع اليوم، أو بسبب تفاوت المستوى الفني للأسلوب، ما هو على القدر نفسه حين يتعامل طالب المرحلة الثانوية مع شعر شوقي أو أسلوب محمود شاكر. ذلك أنه ما يزال يحتفظ برصيد هذه اللغة حيًا، ويمارس نظامها في الصياغة والتراكيب، ويحيا في ظل مفاهيم الحياة وقيمها المستمدة من خصائص العروبة ومقومات الإسلام ومبادئه.
عصور الأدب العربي: بناء واحد متصل الأسس
التراث الأدبي العربي في توحده وتماسكه أشبه ما يكون ببناء رُفعت قواعده في عصر نهضة العربية:
الأساس العصر الجاهلي
رُفعت قواعد هذا البناء في العصر الجاهلي الذي كان توطئة وإرهاصًا بنزول القرآن الكريم على أمة تمتلك من أمر اللغة ووسائل التمييز الصحيح ما يتيح لها أمر فهم هذا القرآن، وإدراك قيمة محتواه من الأحكام وأسرار البيان والإعجاز.
وحين جاء الإسلام احتضن ما ارتضاه من تراث الجاهلية، وهذّب ما عاب من أمرها، رافضًا عنصر الجاهلية فيه، وتبنى الموروث اللغوي والأدبي لهذا العصر، وجعله وسيلته إلى معتنقيه. فالأدب الجاهلي هو موروث القوم الذين ظهر بينهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأدب ذو سحر خاص، وإن كان في أصله دنيويًّا، ويزداد تقدير الناس له لأنهم يجدون فيه العون على فهم الوحي نفسه.
أدب العصر الإسلامي والأموي
وتعاقبت أجيال على هذا البناء تنميه وتتعاهده بالعمارة والتجديد، وإضافة لبنات إلى البناء، فقد ظهرت واجهة عربية مبتدئة حتى نهاية العصر الأموي، تُعد امتدادًا للعصر التقليدي القديم في معمارية البناء الفني وأشكال التعبير، وإن كانت في كثير من مضامينها تحمل ملامح عصرها وبيئتها، بما غلب على شعر هذه المرحلة من اهتمامات واتجاهات. فكان أبرز ما تميز به: شعر النقائض، والهجاء السياسي والمذهبي والقبلي، وشعر الغزل بسمات بيئاته في باديته وحاضرته.

أدب العصر العباسي
ثم كانت المرحلة العباسية (عقلانية)، أممية متعددة الثقافة، غنية بالإضافات والتجديد، ما يزال الاتجاه التقليدي سائدًا فيها، وإن اتخذ في بعض جوانبه تحديثًا، لا نراه اليوم في معظمه أكثر من تقليدية ثانية يُحتذى أدبُها ولغتُها.
أدب العصر الحديث
وبدخول مرحلة العصر الوسيط، اتخذ الأدب ملامح متعددة، وسادت النزعة التقليدية لأدب الأسلاف القريبين، متأثرة بالتطورات والانحرافات التي طرأت على اتجاهات الفكر والحياة عامة، بوفرة ما ترسَّب في الوجدان من مخلفات القرون وتشبّعات المذاهب والاتجاهات، وتضاءلت بواعث الإبداع والحرص على الأصالة عند فئات في بيئات علمية وأدبية مختلفة. غير أن قدرة النقد على التصحيح تضاؤلت هي الأخرى أيضًا، إلى أن قيّض لهذه الأمة من جدد لها أمر دينها، وعاد بها إلى المسار الصحيح في مطلع عصر النهضة الحديثة.

فكان هذا العصر، أخذًا بعموم النظرة، واجهة أدبية جديدة استرفدت في تشكيلها الواقع المعيش وحركة التأثيرات الوافدة، أما طينتها فالماضي بكل تراثه، وأما لبنتها فالفكر الإسلامي بحضارته وعلومه وآدابه، ذلك لأنها حركة لا تملك إلا أن تقوم على الشروط الصحيحة للنهوض: الوعي بالحقيقة التاريخية للأمة، هويتها العربية الإسلامية، والوعي بحركة التاريخ.
خلاصة تفرد الأدب الغربي هوية متماسكة ووعي تاريخي موحد
الخلاصة أن الأدب الغربي عريق لصيق في جملته بالتراث في أطر هيكله وجوهر مضمونه، في حين انقطعت صلات أمم اليوم من غير هذه الأمة بماضيها، إلا من جزازات تُخلّ بتسلسلها الانقطاعاتُ والتحولاتُ في المعتقد واللغة والقيم والتصورات، على عكس ما قُدّر لهذه من الاحتفاظ بحملة الثوابت من قيمها في تقدير الجميل والقبيح، والمرذول والمحمود.

ومن ثم، فإن ما ينطبق على آداب أمم غربية أو شرقية من تقسيم مرحلي متمايز، تبددت أشلاؤه وانبتّت وشائجُه خلال مراحل انتقاله عبر التاريخ، لا ينطبق على أدب الأمة العربية وأمة الإسلام.
وليس بين أمم اليوم من ذوات الحضارة العريقة أمة تمتلك مثل هذه الميزة من النظر إلى التاريخ القديم، فتصل إلى صورة على الدرجة نفسها من الوضوح والصفاء والشمول التي يصل إليها العربي بنظرة إلى تاريخ أمته ومجد ملته، ذلك لأنه متوحد مع ماضيه وتراثه في وحدة عضوية تستقطب إحساس التماسك مع هذا البناء الواحد، والشركة فيه، ومقاسمته أهله أمجادهم وآمالهم وآلامهم.
هذه الأمة قد قُدّر لها -ونِعم ما قُدّر- أن ترتبط عقيدة وفكرًا وتاريخًا ونهج حياة بالماضي ترابطًا يتماسك فيه حديثُها بالقديم، وحاضرُها بالماضي، وتشد أواصرَه عُرى متينة لا انفصام لها، ذلك لأنها تحتكم في كل أمور حياتها لدنياها وآخرتها إلى الدين الإسلامي الذي جاء منظمًا وموجهًا لكل نأمة نشاط قولي أو فعلي في حياتها.
يمثل الأدب العربي نموذجًا فريدًا في العالم، فاستطاع أن يحافظ على استمرارية لغته ومبادئه ومفاهيمه الجمالية والدينية على مدى قرون، في الوقت الذي انقطعت فيه أوصال كثير من آداب الأمم، ظل الأدب العربي موصولًا بروحه الأولى، ممتدًّا بجذوره إلى العصر الجاهلي، متجدّدًا بقوة الإسلام ومفاهيمه، متلاحمًا مع قضاياه المعاصرة، وهو بذلك لا يقدّم لنا تاريخًا أدبيًا فقط، بل يقدّم بناءً حضاريًا متكاملاً، يُقرأ فيه الإنسان العربي قديمًا وحديثًا بلسان واحد، ووجدان متّصل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.