تــــــــــــــــــــوافق


تبقى مسألة التّوافق الفكريّ، والرّوحيّ، والعاطفيّ مع شريك الحياة مسألة عالقة، لا تعرف الاستقرار، ولا تستطيع الإقامة على حال، ما دام الانسجام لم يجد أرضاً مشتركة يُحتوى عليها!

هذا التّذبذب والتّنافر القائم يُفقد العلاقة رونقها، ويبقى استمرارها تحصيلاً حاصلاً واجباً أو مهمة قرر الطرفان إتمامها، لا سيّما إن كان هناك من الأسباب ما يدفع بذلك الاتجاه!

والإشكال الأكبر في العلاقات العالقة أنّ أطرافها يشبهون بشكل ما المرتبطين، وبشكل آخر المنفصلين، يتقاطعون مع كلا الطّرفين، فمثلاً هناك تكاتف وتعاضد حال وقوع الأزمات، وهناك اعتماد وتبادل مسؤوليات ولو على أضيق صورة كما المرتبطون تماماً، وفي الجانب الآخر هناك فقد واحتياج للعاطفة، والتفاهم، والحب، والتوافق!

نعم، التّوافق الفكريّ والعاطفيّ الّذي يشعران بانخفاضه مع مرور الوقت، والذي يُفتقد مع مرور الأيام، ويصبح افتقاده كالحاجة الملحّة، تلك التي لم تر النّور ولم تُشبع، وكأنّه كتب عليها الجوع أبداً!

اختفاء التوافق يُحيل الحياة لسهرٍ دائمٍ، يقظة لا راحة فيها، سَأَم من التّكرار، بل إن عدم التوافق يستبدّ بالعلاقة للحدّ الّذي يشعر فيه الطرفان بزحف الغباء والبلادة عليهما!

كلٌّ منهما يتبلّد بطريقته المختلفة، كلٌّ منهما يدهش الآخر باللامبالاة، كلٌّ منهما يفاجئ الآخر بالانتقام البارد، ويتفنّن في عدم الاكتراث بشريكه، ويتقن الاستهتار والتجاهل، ويتحيّن الفرص للاستخفاف والإعراض، حرب جليدية تقيم عليهما عمراً!

ومن عجائب عدم التوافق أنه يبيد التقدير بين الاثنين ولو بصورة مبطنّة؛ أي هناك في بطانة المرء حيث تستقرّ الخفايا والحقائق دون زينة أو مجاملة، هناك حيث لا فلترة أو صنفرة لفكرة أو شعور، هناك حيث تتجرّد التفاصيل من ثوبها الزاهي، وتَبين على حقيقتها الصّرفة، يحتفظ كلٌّ منهما بصحراء مترامية الأطراف من الانتقادات، والشكاوي، وعناوين عريضة خادشة عن بعضهما، على هذه الصحراء تسطع شمس الحقيقة بينهما، وتغزل خيوطها بين التّباين الجليّ على أرضها الجرداء، لا التماس لأعذار، بل تبقى الأعذار عطشى لا تجد من يسقيها بالشرب، والارتشاف!

على هذه الصّحراء يقيم العناد، ويضع يده على كل حركة وسكنة! هناك يُقضى على ما بينهما ببطء شديد، زحف كزحف الحلزون للنهاية، والعجيب في ذلك أن كلّ هذا يتمّ بين بسمة عابرة، وضحكة من القلب، وذكريات مُعاشة، ومخاوف متّحدة، وطموحات مُرادة!

لو كانت هناك حبّة دواء تشفي من عدم التّوافق بين طرفين لطالبتُ بصرفها للجميع!

فنحن بين متباينين منذ البداية، متباينين في منتصف العلاقة، متباينين في آخرها!

وإن كان هناك توافق منذ البداية والمنتصف والنهاية لا يمنع من حبّة ترفع ذاك التوافق مع مرور عمر العلاقة!

أخيراً إن أُكرمت بشريكٍ يفهم هذه المسألة وأنتما في قمة التّباين لا عليك ولا تقلق! فمجرّد فهم المسألة، والنّطق والاعتراف بها، يساهم إلى حدٍّ كبير في إيجاد مساحة توافق تُعمّر بها العلاقة.

فالتجارب التي أثبتت أنّ التوافق يعتمد على حسن الاختيار منذ البداية، كانت نتائجها طفولية، فهذا الاختيار المتقن في واقع الأمر يكاد يكون مستحيلاً، فجوهر الزواج يبين بالعشرة، وبالتالي نضجت التجارب لتخبرنا أنّ التّوافق لا يهبط من السماء على علاقة، بل هو نتاج جهدٍ دائم لتحقيق التّوازن بين المتضادات، ونتاج شجاعة وجسارة للدخول في حقل هذا التحدي، وتحديد مسافات ومساحات التوافق الممكن، لا سيّما إن استوعب المرء منا ما قاله الكاتب المسرحي والروائي الإنجليزي (سومرست موم): "هناك أوقات أستعرض فيها العناصر المختلفة لشخصيتي في حيرة، فأتبين أنني قد سُوّيت من أشخاص عديدين، وأنّ شخصي الحالي الذي له اليد العليا سيتخلّى حتماً لشخص آخر، ولكن أيّ الأشخاص هو الحقيقي؟ جميعهم أو لا أحد منهم".

الزّبدة نحن نتغير بمرور الزمن بشكل أو بآخر، وعلينا السعي نحو التوافق لأجل فهم أنفسنا ابتداء، فما بالنا باحتياجنا لجهد إضافي للتوافق مع الطرف الآخر.

بقلم الكاتب


Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.