هل لاحظت يومًا أن الأعمال الفنية التي كانت تبهرك في شبابك لم تعد تثير فيك ذات الدهشة، بينما أصبحت تميل إلى أعمال أكثر هدوءًا وعمقًا؟ إن تغير الذوق الفني ليس صدفة، بل رحلة معقدة تمتزج فيها الخبرات الحياتية بالتراكم البصري والتغيرات الفسيولوجية.
يوجد كثير من الأمور التي تجعلنا نغير ذوقنا بشكل عام مع التقدم في العمر، وبالأخص استهلاكنا للأعمال الفنية ونظرتنا إليها، حيث يبحث الشخص عن الحنين إلى الماضي والعمق العاطفي والأعمال التي تثير الذكريات كلما تقدم في العمر، بينما الشباب يبحثون عن كل ما هو جديد وسريع ومليء بالطاقة.
وفي هذا المقال نوضح لك لماذا يتغير الذوق الفني مع التقدم في العمر، وكيف ينتقل الفرد من التلقي السطحي إلى التلقي الوجداني، ولماذا يتغير مفهوم الجمال مع مرور السنوات.
يتغير الذوق الفني مع التقدم في العمر بفعل تراكم الخبرات والذكريات والتغيرات الحسية، فيتحول التلقي من الانبهار السطحي إلى البحث عن العمق العاطفي والسكينة والارتباط الوجداني بالأعمال الفنية.
ما أسباب تغير الذوق الفني مع الوقت؟
- تأثير الذكريات: مع مرور السنوات وتراكم الذكريات والأحداث التي تمر على الإنسان، فإنه يميل إلى الأعمال الفنية التي تتوافق مع حالته من الحنين وتستعيد الذكريات والأعمال التي تفاعل معها وهو شاب والتي تربطه بتجارب عاطفية ونفسية.
- البحث عن العمق: كلما عاش الإنسان أكثر، اكتسب مزيدًا من الخبرات التي تجعله يميل إلى ما هو عميق ومعقد ويحمل أوجهًا عدة وأفكارًا أصيلة، بينما يميل الشباب للاستكشاف والبحث عن الجديد.
- التغيرات الفسيولوجية: أحد العوامل الهامة التي تؤثر في الذائقة الفنية هي الحواس، والتي تتغير مع التقدم في العمر وتجعل صاحبها يبحث عن ما يتناسب مع تلك التغيرات على مستوى البصر والسمع والشم والتذوق.
- الخبرات الفنية: كثير من متذوقي الفن يتطورون على المستوى النقدي ويكتسبون خبرات كبيرة في المجالات الفنية التي يحبونها، وبالتالي يصبح لديهم القدرة على التقييم المتخصص واكتشاف الميزات والعيوب، وبالتالي تتغير طريقة التفاعل من حيث القبول والرفض للأعمال الفنية.

كيف يؤثر التراكم البصري على الذائقة الفنية؟
يمكن تشبيه الأمر بقراءة الكتب، فكلما قرأ الشخص كتبًا أكثر وفي مواضيع متنوعة، يتحول وعيه إلى مصفاة أو فلتر شديد الحساسية في التعامل مع الكتب الجديدة. وبالتالي يؤثر التراكم البصري على الذائقة الفنية كالتالي:
- تطور التمييز: مع الوقت يكتسب الشخص قدرة بصرية هائلة على التمييز في الأعمال الفنية، فيصبح قادرًا على رصد الأنماط بسرعة، وبالتالي يمكنه معرفة العمل المقلد من العمل الأصيل، ويصبح أكثر طلبًا للأعمال الإبداعية والمعقدة.
- الانتقال من ماذا إلى كيف: قدرة أخرى يكتسبها الشخص مع التراكم البصري حيث ينتقل من مرحلة ماذا رسم الفنان إلى مرحلة كيف رسمها، وبالتالي يركز على استخدام الفرشاة والألوان والتوازن البصري والتفاصيل التي تحتاج إلى العين المدربة.
- رفع سقف الدهشة: مع التراكم البصري، يصبح المتلقي أقل عرضة للاندهاش وأقل تأثرًا بالبهرجة السطحية، حيث يصبح باحثًا عن الصدمة الجمالية التي تكسر القواعد، والتي تأتي بما هو مبدع وجديد مقارنة بما يحمل في وعيه من أرشيف بصري.
- قراءة المسكوت عنه: يصبح الشخص قادرًا على رؤية الرسائل والأفكار غير الواضحة وفهم الدلالات والرموز التي تعبر عنها الفراغات والعلاقات الموجودة في الأعمال الفنية، كأنه يمتلك مفاتيح الشفرة التي وضعها الفنان.
كيف تؤثر النوستالجيا في تقدير الأعمال الفنية؟
- غالبًا ما يشعر الناس بقيمة الأعمال الفنية التي تثير لديهم النوستالجيا أو الحنين للماضي، ومع التقدم في العمر يصبح الشخص أكثر تماسكًا مع تلك الأعمال مقارنة بالأعمال الحداثية التي تمثل الأجيال الجديدة.
- الأمر الجديد الذي يحدث بسبب مواقع التواصل الاجتماعي والوسائل التكنولوجية المتطورة هو أن الناس أصبحوا يتعاملون مع الماضي القريب بنوستالجيا عالية ويشعرون بالحنين لها لأعمال فنية لم يمض عليها سوى عامين أو ثلاثة فقط، بسبب التسارع الكبير في ظهور الأعمال على مستوى الكم والكيف.
- من ناحية أخرى، فإن الحداثة التكنولوجية والفنون التي يتم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي زادت من حالة التمسك بالأعمال القديمة التي تحمل جانبًا إنسانيًا كبيرًا، حيث أخطاء البشر والفوضى المحببة، وكان الإنسان يحن للإنسانية وليس للأعمال الفنية نفسها.
- كذلك، تعد النوستالجيا هروبًا ممتعًا من سيولة العصر الحديث المليء بالمتغيرات السريعة والأعمال الفنية الصادمة، وهو ما يجعل الأعمال الفنية القديمة تعيش حتى الآن ويتم إعادة إحيائها في قوالب قديمة بروح عصرية.
هل يؤثر التراجع الصحي على الذوق الفني؟
رغم أنه يبدو سؤالًا غريبًا، فإنه يلمس عددًا من الحقائق، حيث يؤثر التراجع الصحي كثيرًا على الذوق الفني، ويوضح لنا لماذا تتغير أذواقنا مع مرور السنوات من خلال المحاور التالية:
- تأثير التراجع الحسي: مع الوقت ونتيجة تراجع الحواس مثل البصر والسمع، يفضل الشخص الأعمال الفنية ذات التباين اللوني العالي والألوان الصريحة، كما يميل إلى الأعمال الفنية ذات الكتل الكبيرة بدلاً من الأعمال ذات التفاصيل الدقيقة والزخارف المعقدة.
- المرونة الجمالية: أظهرت الدراسات والأبحاث العلمية أن الأشخاص يصبحون أكثر قابلية للمرونة الجمالية مع التقدم في السن، خاصة المصابين بتراجع الذاكرة. فهم لا يفقدون الإحساس بالجمال، وإنما يميلون إلى الجمال المستقر اللافت للنظر، ويفضلون الأعمال ذات الاستجابة العاطفية المباشرة بعيدًا عن التحليل والتفكير المعقد.
- التحول إلى السكينة: مع انخفاض مستوى الطاقة نتيجة التقدم في العمر، يصبح الشخص أكثر قبولاً للأعمال الفنية التي تمنحه السلام والراحة والقدرة على التأمل، والتي تظهر فيها المناظر الطبيعية الهادئة. ويفضل المواضيع الفنية التي تتناول الروحانيات بعيدًا عن الحركة والانتقال السريع.

كيف ينتقل الناس من التلقي السطحي إلى التلقي الوجداني؟
كما يكتسب الشخص الخبرات التي تجعله يفهم الأمور، فإن هذه الخبرات هي ذاتها ما يؤثر على تلقيه الفني، فيتحول من السطح إلى الوجداني عن طريق محطات رئيسية كالتالي:
- دهشة البدايات: في المرحلة الأولى يندهش المتلقي بالأعمال الفنية ويتساءل كيف استطاع الفنان صناعة هذه الأعمال الرائعة، ومع الوقت ينتقل إلى التساؤل عن روح العمل وعن قدرته على نقل الحالة الإنسانية وعن مدى التجديد والابتكار في العمل.
- الفن كعزاء: بعد أن كان الشخص يتعامل مع الفن في شبابه بوصفه ترفيهًا أو تجربة ذهنية، يبدأ في التعامل معه كعزاء لحالته النفسية والشعورية، ويتحول العمل الفني إلى شكل من أشكال الارتباط الوجداني بلحظة أو ذكرى أو شخص ما.
- الذكاء العاطفي: مع مرور السنوات، يصبح الشخص أكثر قدرة على فهم الآخرين وعلى فهم العلاقات والتعقيدات الموجودة في النفس البشرية، وبالتالي يصبح أكثر تقديرًا للفنون التي تعكس هذا التعقيد بدلاً من الفنون البسيطة والمسطحة.
- سقوط السلطة: في البدايات يكون الشخص أكثر تأثرًا بآراء الآخرين سواء النقاد أو الأصدقاء أو الجمهور، وهو ما يؤثر على ذائقته الفنية، ومع الوقت يتخلص من هذه السلطة تمامًا ويصبح قادرًا على إبداء رأيه الحقيقي في العمل الفني.
- خوض التجربة: في مراحل الشباب يتعامل معظم الناس مع الفن بوصفه حدثًا يرغبون في رؤيته وحضوره والحديث عنه بعد ذلك، ومع الوقت ومرور السنوات يتحول الفن إلى تجربة يعيشها الشخص ليستمتع بها ويهرب من ضجيج العالم الخارجي.
أخيرًا فإن الذائقة الفنية هي مرآة لنمونا الإنساني وتطور وعينا بالعالم من حولنا؛ فالفن في نهاية المطاف ليس كما يظنه كثيرون ألوانًا أو ألحانًا، بل هو تجربة حية تعكس نضجنا العاطفي، لذا فإن التحرر من سلطة آراء الآخرين والبحث عن الأصالة والسكينة هو ما يمنح سنواتنا المتقدمة صبغتها الجمالية الخاصة.
نرجو أن يكون هذا المقال قد أضاف لك بعدًا جديدًا في فهم علاقتك بالفن، ويسعدنا جدًا أن تشاركنا في التعليقات: ما هو العمل الفني الذي تغيرت نظرتك إليه مع مرور السنوات؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.