من الطبيعي أن تتغير أولوياتك المهنية مع الوقت، فكلما زادت مهاراتك وخبراتك تبدلت تلك الأولويات، وكلما تغيرت ظروفك الشخصية والعائلية أصبحت تبحث عن التوازن بين الحياة العملية والشخصية أكثر فأكثر. بالإضافة إلى تغيرات السوق والتحديات المهنية والشخصية التي تواجهها، والتي تدفعك إلى إعادة تقييم الأمور وترتيب الأولويات من جديد.
وفي هذا المقال نوضح لك لماذا تتغير أولوياتك المهنية مع الوقت، وكيف تعرف أن الأولويات المهنية الجديدة مناسبة لك، وكيف تفرق بين تغير الأولويات الطبيعي والاحتراق الوظيفي.
ما أبرز أسباب تغيير الأولويات المهنية مع الوقت؟
- النضج المهني: بالطبع تزيد المهارات والخبرات المهنية مع الوقت وتمنح صاحبها نظرة شاملة للسوق والتخصص، وتجعله يبحث عن أدوار أخرى أكثر قيمة وأكثر تحديًا لتتناسب مع القدرات الجديدة.
- تغير الظروف الشخصية: مع التقدم في العمر فإن الظروف الشخصية والعائلية تتغير باستمرار، فقد يكون لتأسيس العائلة أو الإنجاب تأثير كبير على إعادة ترتيب الأولويات المهنية من حيث رعاية الأطفال أو القدرة على العمل لساعات طويلة.
- البحث عن التوازن: كثير من الأشخاص يعيدون ترتيب أولوياتهم المهنية بحثًا عن التوازن بين الحياة المهنية والشخصية؛ بغرض الحصول على ساعات أكثر للراحة أو ممارسة الهوايات والنشاطات، أو حتى الابتعاد عن الضجيج والصراعات المهنية بحثًا عن الراحة النفسية والذهنية.
- الملل والرغبة في التجديد: هذا ما يحدث لنا جميعًا عندما نعمل في نفس المكان لفترة طويلة، فنشعر بالملل ونرغب في التجديد والتغيير، وهو ما يجعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا المهنية.
- تغير الأهداف: قد يحدث كثيرًا أن يغير الشخص أهدافه الخاصة، فبدلاً من التركيز مثلاً على المال والمكاسب السريعة، يبدأ في التركيز على مجالات الشغف والتقدير المعنوي، أو يظهر اهتمامًا بمجال آخر يمثل له معنى أو رسالة، فيعيد ترتيب أولوياته المهنية لتتماشى مع أهدافه الجديدة.
- تغيرات سوق العمل: تلك التطورات السريعة التي تحدث في سوق العمل والتي قد تضغط على كثير من الناس وتجبرهم على إعادة ترتيب أولوياتهم لاكتساب مهارات جديدة والدخول في مجالات جديدة لمواكبة العصر، أو البحث عن الاستقرار الوظيفي أو الدخل الأفضل.

كيف تعرف أن أولوياتك المهنية الجديدة مناسبة لك؟
لا توجد مشكلة كبيرة في إعادة ترتيب الأولويات المهنية، إلا أن المشكلة تكمن في أن تكون تلك الأولويات غير مناسبة لك على المستوى المهاري أو العمري أو النفسي، وهو ما يتطلب منك النظر إلى المعايير التالية:
- اختبار القيم الجوهرية: عليك أن تسأل نفسك هل تتوافق تلك الأولويات الجديدة مع قيمك ومبادئك الأساسية التي لا تستطيع التخلي عنها تحت أي ظروف أم لا.
- مقياس الطاقة: هل الشعور الذي يسيطر عليك عند التفكير في الأولويات الجديدة يمنحك كثيرًا من الإحساس بالطاقة والنشاط والحماس، أم أنها تبدو لك صعبة وتضغط عليك كلما فكرت في تحقيقها؟ لتتأكد إن كانت تلك الأولويات تشحن طاقتك أم تستنزفها.
- مدى الواقعية: لا بد أن تكون أولوياتك مبنية على احتياجات حقيقية وليس على خيالات أو أماني أو حتى صورة ذهنية براقة في خيالك، مثل لقب وظيفي أو شكل مهني براق لمجرد الوجاهة فقط.
- الاستعداد للتضحية: بالطبع سيحمل ترتيب الأولويات بعض الخسائر مقابل المميزات الجديدة، فهل أنت مستعد للتضحية بما تملكه حاليًا من أجل تحقيق تلك الأولويات؟
- اختبار الاستدامة: عليك أن تسأل نفسك بصدق، هل ترى نفسك تعيش وفق تلك الأولويات لسنوات طويلة قادمة، أم أنها مجرد خطط تتناسب مع ظروف مؤقتة، أو أنها جاءت كـ رد فعل لموقف أو حدث، لكنها لا تتناسب مع مستقبلك؟
كيف تفرق بين تغير الأولويات الطبيعي والاحتراق الوظيفي؟
الفرق بينهما كبير، فتغير الأولويات المهنية الطبيعي يرتبط بخطة ورؤية للمستقبل ومحاولة للتطور من أجل المواكبة وتحقيق الأهداف، أما الاحتراق الوظيفي فهو حالة تحتاج إلى خطة للاستشفاء ولا تحتاج إلى تغيير مهني كبير. وتظهر الفروق بينهما كالتالي:
اتجاه الحركة
تغير الأولويات الطبيعي يعد حركة إيجابية تدفعك إلى تعلم المهارات الجديدة والبحث عن التوازن، وترتبط برؤيتك المستقبلية. أما الاحتراق الوظيفي فهو حركة سلبية تدفعك للهرب من مكانك لأنك لم تعد تستطيع التحمل، وبالتالي ترغب في التخلص من الألم النفسي بأي ثمن وأي طريقة.
مستوى الطاقة
عندما تعيد تغيير أولوياتك المهنية، غالبًا ما تكون مليئًا بالطاقة والحماس لبدء المسار الجديد. أما الاحتراق الوظيفي فيرتبط بالشعور بالاستنزاف والانهاك وفقدان الطاقة والرغبة، وربما يسيطر عليك حالة من اللامبالاة أو السخرية من العمل.

القدرة على الإنجاز
عندما تقوم بتغيير أولوياتك المهنية، فأنت لا تفقد قدرتك على الإنجاز، بل قد تسعى لمزيد من الجودة وتكون مستعدًا للتطور ولإثبات ذاتك في المسار الجديد. أما في الاحتراق الوظيفي، فيحدث شعور مفاجئ بعدم القدرة على الأداء وتراجع كبير في الإنتاجية نتيجة صعوبة التركيز وضبابية التفكير التي تجعل أقل المهام البسيطة تبدو صعبة.
النظرة للذات
الأشخاص الذين يبحثون عن تغيير أولوياتهم المهنية من أجل التطور والبحث عن التوازن ينظرون لأنفسهم بثقة كبيرة واستحقاقية عالية ويعملون على تحقيق رؤيتهم بفاعلية كبيرة. أما الأشخاص المصابون بالاحتراق الوظيفي فينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم فاشلين أو قليلي الحيلة ويتشككون في قدراتهم المهنية حتى ولو كانوا أصحاب إنجازات كبيرة في السابق.
تأثير الراحة
بعد العودة من الراحة والإجازة، ما زال الأشخاص الذين يرغبون في تطوير أنفسهم وتغيير أولوياتهم المهنية يشعرون بالحماس ويفكرون في أهدافهم الجديدة وكيفية تحقيقها. أما حالات الاحتراق المهني فلا تجدي معها الراحة ولا الإجازات، حيث يعود الشخص بنفس التوتر الجسدي والنفسي ويكره موعد العودة للعمل ويشعر بأنه يدور في حلقة مفرغة.
في النهاية، فإن تغيير أولوياتك المهنية مع الوقت ليس علامة على التخبط أو التراجع، بل هو مؤشر صحي على نضجك المهني والشخصي، ودليل على قدرتك العالية على التكيف مع متغيرات الحياة وسوق العمل، فالتغيير الواعي المبني على التقييم الذاتي الحقيقي هو ركيزتك الأساسية لبناء مسار وظيفي مستدام، يضمن لك التوازن النفسي والنجاح العملي في آنٍ واحد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.