تعليم المستقبل ومنصات التكنولوجيا
يدور الحديث هذه الأيام عن منصات التعليم، وهي شكل من أشكال التكنولوجيا؛ يتم فيه الاستفادة بشكل أساسي من شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة التطبيقات التي يتم تخصيصها لعمليات التعليم والتعلم. ولأن الأمر ما يزال غامضا على كثير من أولياء الأمور والطلاب في كيفية التعامل مع هذه المنصات، فإننا في هذه المقالة نحاول تقريب المفاهيم وإيضاح الشكل العام الذي سوف تكون عليه العملية التعليمية. وقبل ذلك يجب أن نؤكد أن هذا هو شكل تعليم المستقبل، الشكل الذي تفرضه تطورات الحياة الطبيعية، كما تفرضه الظروف الخاصة التي يمر بها العالم اليوم بسبب جائحة كورونا وبسبب غيرها من الكوارث التي يتعرض لها العالم.
1- الفكرة الجديدة والفكرة القديمة:
لقد لاحظ القائمون على مسؤوليات التعليم أن النظام التقليدي للتعليم أصبح قائما على التلقين، أي إن يقوم المعلم بتلقين الطلاب مجموعة من المعارف والمعلومات التي يجب على الطالب أن يحفظها دون فهم أو وعي بمضامينها الفكرية، ثم يقوم الطالب باسترجاع وتذكر هذه المعلومات والمعارف المحفوظة ليضعها كما هي في ورقة الامتحان.
أما معيار نجاح الطالب وتفوقه في هذا النظام فهو مدى قدرته على استرجاع ووضع المعلومات في ورقة الامتحان. ولا يهم إن كان الطالب يفهم ما وضعه في الورقة الامتحانية أو لا يفهم. ولذلك فكثير من الطلاب ينسى ما كتبه في الامتحان بمجرد الانتهاء منه. ولذلك يعود الطالب في العام الدراسي الجديد ليستذكر ويحفظ هذه المعلومات من جديد، خاصة إذا كانت المادة الدراسية ممتدة. ويظهر هذا على نحو خاص في مادة كالنحو العربي، والهندسة. وهذا يفسر الشكوى المتكررة للطلاب من صعوبة مادتي النحو والرياضيات.
وفي الوقت نفسه، فقد أسفر هذا النظام عن ظواهر متناقضة، منها أن كثيرا من الطلاب يحصل على الدرجات النهائية في المواد الدراسية، وقد يلتحق بكليات القمة، لكنه لا يستطيع استكمال دراسته في تلك الكليات بسبب عدم تعوده على الفهم والمراجعة الحرة لما يدرسه، وبسبب عدم قدرته على الربط بين الظواهر المختلفة التي تنتمي إلى مجالات متنوعة.
وفي الوقت نفسه، فإن معلم الفصل في هذا النظام ينحصر دوره في سرد المعلومات التي تتضمنها موضوعات المادة. وفي هذه الحالة فإن المعلم يقوم بشرح هذه المعلومات مرة واثنتين وثلاثة، لكن تظل بعض عناصر الموضوع غامضة، ولا يستطيع المعلم توصيلها ولا يستطيع الطالب فهمها. وفي الأخير فإن المعلم والطالب يتفقان اتفاقا ضمنيا على أن يقوم الطالب بحفظ تلك الأجزاء غير المفهومة، بينما يقوم المعلم بمساعدة الطالب على عملية الحفظ. وهنا يظهر دور الدروس الخصوصية التي يستخدمها المعلم والطالب مضطرين لحفظ العناصر غير الواضحة في موضوعات المادة، خاصة أن نظام الامتحان نفسه يقوم على اعتبار الموضوعات الدراسية مجموعة من القوالب المنفصلة، ودور المعلم هو أن يقوم بتلقين الطالب تلك القوالب، ودور الطالب هو أن يحفظها ثم يقوم بوضعها في ورقة الامتحان، ثم يعود المعلم لتصحيح ورقة الامتحان ليتأكد من حفظ الطالب لتلك القوالب، وبالتالي يتم قياس نجاح وتفوق الطالب على مدى حفظه للمعلومات في كل مادة على حدة . أي أن النظام القديم كله يقوم على قياس جانب واحد من جوانب التعليم هو الجانب المعرفي.
أما النظام الجديد – وهو ليس جديدا، لكنه لم يكن مفعلا – فالأصل فيه أن العملية التعلمية تقوم على إكساب الطالب مجموعة من المهارات والمعارف والقيم النفسية والوجدانية، وذلك ليستطيع الطالب اكتساب الخبرات المناسبة التي تمكنه من مواجهة الحياة.
وبالتالي، فدور المعلم في هذا النظام ليس التلقين، وإنما التوجيه؛ أي مساعدة الطالب على اكتساب المهارات والقيم إلى جانب المعارف. بينما دور الطالب هو البحث والتفكير والربط بين الظواهر المختلفة والتدريب ليتمكن من تنمية مهاراته وليصبح في النهاية قادرا على ممارسة العمل الذي يناسب قدراته ومهاراته، وبالتالي يكون نافعا لنفسه ولمجتمعه.
وهنا يجب أن ننبه إلى أن النظام الجديد للتعليم يعتبر عملية التعلم عملية ممتدة وتستمر بعد انتهاء الطالب من الحصول على شهادته الدراسية الأساسية، فكل يوم يمكن أن نتعلم شيئا جديدا، وكل يوم نكتسب مهارات جديدة، تساعدنا على توسيع مجال العمل. بينما النظام القديم يعتبر التعليم عملية مغلقة، تنتهي بانتهاء مرحلة الدراسة الأساسية، وبالتالي تنتهي علاقة الطالب بالتعليم بمجرد خروجه من المدرسة أو تخرجه من الجامعة، وتبقى بعد ذلك حظوظ كل طالب في الحياة العملية مرتبطة بظروف المجتمع نفسه، فيحصل على وظيفة جيدة أو وظيفة رديئة، فيكون عضوا خاملا في هذا المجتمع، ولا يهتم إلا بالطعام وبالشراب، وهو ما يؤثر على الأجيال التالية، لأن أبناء اليوم وطلابه هم آباء المستقبل ومعلموه.
2- منصات التعليم وتكنولوجيا المستقبل
في ضوء هذه الفكرة الأساسية عن التعليم، وفي ضوء الرغبة في تحويل عملية التعليم إلى تعلم (ذاتي) مستمر، جاء التفكير في الاستفادة من تطورات التكنولوجيا، خاصة في مجال التواصل والاتصالات. فما دامت لدينا القدرة على التواصل المستمر من خلال منصات التواصل الاجتماعي، وما دامت أجهزة التواصل ( هواتف محمولة، وكومبيوترات ... إلخ ) متوفرة لدى أغلب المتعلمين، فمن الضروري الاستفادة من هذه التكنولوجيا لتحقيق التواصل المستمر بين الطالب والمعلم، وبين ولي الأمر والمدرسة، وبين المجتمع والقائمين على التعليم. كذلك لابد من الاستفادة من هذه التكنولوجيا في جعل التعليم عملية سهلة، متوفرة، ممتعة، ومستمرة، ولابد أيضا الاستفادة من هذه التكنولوجيا في مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، وبالتالي تحقيق أوجه الرعاية اللازمة لتنمية المواهب وتهيئة الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة للتعامل مع المجتمع كله. وبالتالي تحقيق تنمية المجتمع كله، لصالح الجميع وليس لصالح فئة خاصة من فئات المجتمع.
ودور وسائل التواصل الاجتماعي يكمن في قدرتها على تخزين المعلومات وعرضها في عدة صور، يمكن استعادتها في أوقات مختلفة وبوسائل مختلفة: ( فيديوهات، كتب، مذكرات، .. إلخ) بل ويمكن للطالب التفاعل المباشر مع معلمه في أوقات محددة يتم تحديدها والاتفاق عليها، وبصورة مباشرة وغير مباشرة.
وهذا هو الجديد الذي تحققه منصات التعليم، فهي توفر فرصة التفاعل المباشر مع المادة التعليمية من خلال التواصل مع المعلم، في أوقات محددة، يتفق عليها الطرفان، وبحضور عدد كبير من الطلاب ، يمكن أن يكون غير محدود، وهو ما يسمى القصل المقلوب. ويمكن للطالب أن يحقق هذا التفاعل وبصورة غير مباشرة، من خلال الدخول على حسابه الشخصي في المنصة التعليمية، ومشاهدة إعادة لشرح الدرس، أو مشاهدة فيديوهات تعليمية، أو قراءة كتب ومواد تعليمية تتعلق بموضوع الدرس، بل ويمكنه التجاوب مع نماذج اختبارات الكترونية.
وفي كل الأحوال، فإن وجود المتعلم على المنصة التعليمية يقع في دائرة المتابعة المباشرة والتسجيل من قبل المعلم والمدرسة ووزارة التعليم وولي الأمر. ويجب أن نلاحظ هنا أن وجود الطالب على المنصة التعليمية يحقق عدة مزايا للطالب، منها اتساع دائرة البحث والمشاركة في المادة التعليمية، ومنها تنوع صور عرض المادة التعليمية، ما بين ثابت ومتحرك، مباشر وغير مباشر، جديد وقديم، ومنها تنشيط الذهن وتدريب العقل على عمليات متنوعة، منها الربط المباشر وغير المباشر بين الظواهر المعرفية والعلمية والاجتماعية، وهو ما نسميه التفكير الإبداعي أو التفكير الجانبي، بدلا من الاعتماد على جانب واحد من جوانب التفكير، ينحصر في الحفظ والاستذكار.
كذلك من مزايا المنصات التعليمية أنها توفر الوقت، كما توفر الجهد، وتحقق سرعة التعلم من خلال سرعة التواصل بين المتعلم والمادة التعليمية، كما أن من مميزاتها أنها ترفع كفاءة الطالب في التعامل مع منجزات التكنولوجيا، وهو ما يؤدي إلى اكتسابه عددا كبيرا من المهارات العلمية، وهي بالتأكيد سوف تساعده في حياته العملية، خاصة أن عمليات التعلم تقتضي من الطالب اكتساب مهارة التخطيط والتعامل مع المشكلات، وكذلك اكتساب مهارة التواصل الاجتماعي المفيد وتبادل الخبرات مع غيره من المتعلمين.
وفي الحقيقة، فإن عدد المهارات والقيم التي يمكن أن يكتسبها الطالب غير محدودة، وهي ضرورية لمناسبة مقتضيات العصر وآلياته من منجزات علمية وتكنولوجية.
لكن يجب أن نؤكد أن المنصات التعليمية هي مجرد وسيلة من وسائل التعليم، وليست غاية في ذاتها، وأن ظروف العصر هي التي تقتضي استخدامها وإجادة التعامل معها، وأن منجزات العلم تقدم لنا كل يوم جديدا من صور تكنولوجيا التعليم وأدواته. وبالتالي، لا يجب أن نتفاجأ إذا تغيرت صور هذه المنصات، فتغييرها ليس أكثر من تطوير لآلة من الآلات التي تهدف إلى تسهيل قضاء احتياجاتنا اليومية، مثلها مثل الثلاجة في منازلنا، كل يوم يظهر منها ( موديل ) جديد، تتوفر فيه ميزات جديدة لم تكن موجودة في الموديل الذي سبقه.
أما التعليم وعناصره الأساسية فتظل ثابتة: المعلم والمتعلم والمدرسة. لكن صور التواصل بين هذه العناصر هو الذي يتغير بتغير العصر وبتوفر تكنولوجيا جديدة تضيف إلى حياتنا سمات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وإذا جاز لي أن أذكركم ببعض صور هذا التطور، فيكفي أن أذكركم بالورقة والقلم، لقد كان القلم في بدايته مجرد حجر أبيض ( صنعنا منه الطبشور فبما بعد ) ، ثم تحول إلى ريشة، فقلم حبر، فقلم حبر جاف، ثم أقلام الكترونية بصور مختلفة. أما الورقة فبدأت من الحجر، مرورا بأوراق البردي، فالألواح المصنوعة من مواد مختلفة، ثم الكراسات والدفاتر المدرسية، وأخيرا وصلنا إلى الصفحات الالكترونية، كهذه الصفحة التي أكتب عليها الآن، ودمتم بخير.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.