تعزيز الهوية الدرامية في مجابهة أروقة الفكر المتطرف

بداية وفي معرض سطورنا، لا بد أن نسلط الضوء جلياً على دور الفن برمته في فرض هوية المجتمع،  وهذا بالطبع لن يتأتي إلا من خلال إبراز المحور الأساسي الذي تدور في كنفه العلاقة الكائنة بين الفن والمجتمع وأيهما يلعب الدور الأبرز تجاه الآخر....

مما لا شك فيه أن كلا من الفن والمجتمع يربطهما محركاً واحداً يستنبطان دورهما الأساسي من خلاله إلا وهو "الفرد "، فالفن بطبيعته وسيلة للحوار الحسي بين كافة أطياف المجتمع، والذي يستطيع من خلاله الفرد ان يبث رسائل مفهومه لكل أصناف البشرية، دون أن تقف أمامه عثرات أو حواجز تعيقه كحواجز الزمان والمكان، فضلاً عن ذلك فإن الفن بطبيعته رسالة وليدة مرتبطة بحركات الفرد اليومية، تجدها تارة في حركاته بالمأكل والمشرب، وتارة أخرى تجدها في علاقاته مع شركائه داخل المجتمع، إلا أنها تختلف محورها حسب النهج والسلوك النابع من الفرد ذاته، فقد يتبلور هذا السلوك في شكل من أشكال الإبداع الحسي وذاك هو الفن المعنى محور إلاشكالية التي نحن بصددها.

وإذا كان المجتمع بطبيعته " نظاماً شبه مغلقٍ" تشكله مجموعة من الناس، بحيث أن معظم التفاعلات والتأثيرات تتأتي من أفراد من نفس المجموعة البشرية، فإن علاقات الأفراد تلك هي في حد ذاتها فناً تنظمه ظروف الحال وطبيعة تلك العلاقات... بناء على ما سبق لا نجد غضاضة إذا جزمنا يقينا بالمد الإيجابي لدور الفن في التأثير على المجتمعات "فإذا أردت أن تقيس قيمة مجتمع ما فانظر إلى فنه."..

ولما كانت الفنون بطبيعتها تتعدد وتختلف فيما بينها، إلا أن ما يهمنا في هذا السياق هو ذاك النوع من الفن الذي يحدث الأثر الاكبر في التأثير النفسي على كيان الفرد وفكرة وينعكس بدوره على رقي وتقدم المجتمع ألا وهو " الفن المرئي والمسموع"..  وهنا يبرز تساؤلاً هاماً تتبلور حوله ماهية العرض وهو "هل تلعب القوى الناعمة (الفنون) دوراً هاماًفي تشكيل هوية الفكر المجتمعي؟"

إنّ الإجابة على هذا التساؤل تبرز جلياً عند الوقوف على طبيعة الهدف الذي تقره الأعمال الفنية، فمما لا شك فيه أنّ أحد أهم أهدافها، هو تسليط الضوء على قضايا المجتمع وما فيه من مشكلات تحتاج إلى دراسة وتوعية لأن تسليط الضوء عليها وكشف خباياها والتعرف إلى أبرز نتائجها ومعرفة إفرازاتها وتجنبها يحقق مصلحة مجتمعية عليا ..وإزاء هذا الدور الهام للقوى الناعمة في فرض الهوية المجتمعية، يجب الإشارة إن هذا الدور محوره الأساسي طبيعة ما يقدم من أعمال، فطبيعة العمل ذاته تلعب الدور الأبرز في تشكيل الفكر المجتمعي إيجاباً وسلباً، ولا أعني قطعاً بطبيعة العمل هنا فكرة العمل فحسب، بل المحتوى العام للعمل بدء من فكرة العمل مروراً بصناعة وجميع القائمين عليه؛ وتباعاً بالدور المنوط بالدولة في توفير المناخ الخصب، من أدوات وإجراءات تسهم في تقديم فكرة راقية من خلال عمل مميز يعود بالإيجاب مستقبلاً على المجتمع، ولنا في قطاع الإنتاج المصري نموذجاً يحتذى به ...

ما من شك مطلقاً أنه في ظل ركب التنمية الراقية التي تبذر أطره مصرنا الحبيبة تحت قيادة حكيمة يسوس أطرها فخامة الرئيس العظيم " عبد الفتاح السيسي " للوصول قدما بنا إلى ركب التقدم والرقي الذي يليق بدرة الشرق ومهد حضاراته.... وتزامنا مع ما تحياه بلادنا الحبيبة من فترات عصيبة ألقت بظلالها علينا في مواجهة أشد تداعيات العصر وأكثرها شراسة وخطورة " فيروس كورونا المستجد "، والذي نصب نفسه العدو الأول لشعوب العالم، خرجت علينا خفافيش الظلام "دعاة الإرهاب الأسود "لتعلن اعتراضها التام على تنصيب" كورونا المستجد". 

الخطر الأعظم لشعوب العالم الأمن، وكأنها تأبى أن تأخذ قسطاً قليلا من الراحة دونما أن تسيل الدماء الطاهرة الذكية على هذه الأرض المباركة، فكانت نسمات الدماء العطرة لشهدائنا الأبرار، هي ريحانة هذه الأرض الطيبة الخصبة.

وإزاء معرض حديثنا عن دور الفن بصفة عامة والدراما بصفة خاصة في تغيير مفاهيم الفكر للواقع المجتمعي نحو الرقي والتميز، أثرنا في هذه السطور أن نسلط الضوء جليًا على كيفية

التوظيف الأمثل للدراما في مجابهة قوى التطرف والفكر الراكد، وذلك على النحو التالي :

مما لا شك أن الفن برمته هو المنارة المعرفية لأي مجتمع كان، وعنوان الحضارة الدائم فيه، والمرآه التي تنقل هويته من الفكر السامي الراقي المتحضر لمواكبة ركب التقدم والرقي.

والدراما التلفزيونية بدورها تلعب الدور الأبرز في تقويم السلوك، وذلك بما لها من تاثيراً كبير على المجتمع، فقد تكون عاملاً أساسياً في تكوين المجتمع أو تدميره.. يتوقف ذلك بالطبع على طبيعة العمل الدرامي ذاته والدور الذي يقوم به في تشكيل فكر المجتمع إيجاباً وسلباً، وهو ما يعرف دائماً (بالتوظيف الدرامي)".

إنّ فكرة التوظيف الدرامي هي فكرة ذاتية الطبع، تتسم بنسق فريد، يقوم دائماً على كيفية الاستفادة من الأساليب الفنية المتنوعة لترسيخ قواعد المحاكاة والحوار والحركة والارتجال لدى الأطفال بغية تعليمهم مقومات الحياة العملية والعلاقات المجتمعية، وذلك باعتبارهم اللبنة الأولى والبذرة المناسبة لتلقي تلك القواعد والتي تسهم بدورها في تنمية القيم الفكرية وتأصيل الثقافة المجتمعية..

ولما كانت الإنسانية في جذورها مفهوماً، تنطلق منه معان ذات معاييراً نبيلة؛ هي الأصل في تكوين إلانسان السوي القويم، إلا أنّ ما تشهده المجتمعات العربية في الآونة إلأخيرة من انحدارا في القيم والثقافات، قد جعل من العالم العربي مرتعاً خصباً للتطرف بكل أنواعه خاصة الديني منه، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في انتشار العمليات إلارهابية التي كانت نتاج لسياسات عامه فاشله جعلت من الدول العربية مؤسسات دون عقل.

وإزاء هذا المد المتطرف التي شكلته تلك التنظيمات في اغتيال أحلامنا في البناء والتشييد والرقي المجتمعي، كان لابد من البحث جلياً حول أهم السبل العلاجية لمواجهه هذا المد الجارم الذي استفحل خطره في مجتمعاتنا العربية، من أجل وقف نزيف الدماء الذكية التي تبدد أحلامها قوي الشر الخفيه...

ولما كان معرض حديثنا السابق يتخلله الدور الحيوي للدراما في مجابهه قوى التطرف، كان لزاماً علينا أن نسلط الضوء جلياً على دور الدراما المصريه في تناول تلك الظاهره مدعوما بالسبل اللازمه لكيفة التوظيف الدرامي الجيد، حيال هذا الجانب من التطرف وذلك على النسق التالي :

إزاء الحضور الدائم لمعالجة قضايا إلارهاب في المنطة العربية في السنوات إلاخيرة، انتشرت ظاهرة معالجة التطرُّف في الدراما العربية باعتبارها أحد الأدوات الفاعلة في هذا إلاطار، ناهيك عن كونها الالهة الإعلامية الكبرى التي لها التأثير الأكبر في إرساء الفكر والثقافة المجتمعة مقارنة بالمواد الإعلاميه الأخرى

ولقد أفرزت الدراما المصرية في السنوات الأخيرة من الحقبة الماضيه العديد من الأعمال الدرامية التي تناولت بشكل أو بأخر ظاهرة التطرف الديني، لعل أبرزها مسلسلات" العائلة، الخروج من المأزق، الضوء الشارد، التوأم، الوهم والسلاح ..."وغيرها من الأعمال التي سلطت الضوء جليا على تلك الظاهره، الأمر الذي حال في ذلك الوقت العديد من القنوات الفضائية للدخول في سباق لعرض تلك الروائع وبشكل حصري.

ورغم تعدد الأعمال الدرامة التي سعت لمعالجة تلك القضية الأكثر إلحاحاً في مجتمعنا العربي في إلاونه إلأخيره، إلا انها جاءت مقتضبة على بعض الجوانب دون إلاخر، والتي تحتاج بالطبع إلى بعض المناحي الإيجابية التي تقلل من وطأة الظاهرة، ونوجزها في الآتي:

1.  أشرنا سلفا، أن الدراما تلعب الدور الأبرز والتأثير الأكبر على المجتمع من حيث البناء والتشييد، لذا يجب على صناع الدراما أن يدركوا جليا قيمة العمل الدرامي ومدى تأثيره في تشكيل الوعي المجتمعي، حيث يجب أن يراعي العمل تقديم الهدف والمحتوى الحقيقي منه ليكون داعماً له بدلاً من أن يتحوّل الدعم إلى النقيض تماماً في خدمة القضايا الشائكة مثل قضايا التطرف الفكري والديني.

2. يجب التأكد من سلامة وصياغة الخطاب الثقافي والإعلامي بما يتلائم مع عقليّة المتلقي، ومحاكاة الواقع بأسلوب جذّاب للحد من الظواهر السلبية في المجتمع خصوصاً التطرف الفكري، وذلك من خلال تقديم البدائل المفيدة التي تقنع المتلقي بإلاستغناء عن كل شيء سلبي وتعزيز الايجابيات لديه..

3. تعمد العديد من الأعمال الدرامية إلى إغفال الواقع، من خلال التركيز على الأسباب التقليدية التي تدفع البعض من الشباب للالتحاق بتلك التنظيمات مثل" الفوارق إلاجتماعية والبطالة"، في حين تغفل مطلقاً النظر إلى الظواهر الجديدة مثل "الانحراف الفكري" والذي يلعب الدور الأبرز في غسل عقول تلك الفئة من الشباب وجعلها فريسة سهلة لخفافيش الظلام.

4. لعل الدور الأبرز للدراما في مواجهة التطرف أو أية قضايا وطنية أخرى لن يفعل جلياً، دونما قيام الدوله بدورها الحقيقي في دعم الإنتاج الدرامي من خلال توفير البيئة المناسبة لإنتاج الأعمال الدرامية الراقية الهادفة، فابتعاد الدوله في السنوات الأخيرة عن القيام بدورها الرائد في هذا المجال، قد افرغ الساحة الدرامية للإنتاج التجاري الذي يلهث دائماً صوب الأعمال سهله التسويق، والتي تتناول القضايا بشكل سطحي مضلل بغية تحقيق أهداف مادية وليست توعوية..

وختاماً لا بد أن نشير، أنه من الضروري الاستغلال والتوظيف الجيد للفن عموماً والدراما بصفة خاصة للقضاء على براثن التطرف والنهوض بالهوية المجتمعية التي تعتمد دائماً على البناء والتشييد لا الهدم والتفريغ.

بقلم الكاتب


دكتور وناقد فني


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

دكتور وناقد فني