تعزيز الروابط الأسرية مع المراهقين.. دليل الأبوين لعلاقة قوية

مرحلة المراهقة من أكثر المراحل تحديًا في رحلة التربية، وتمثّل مفرق طرق حاسمًا في العلاقة بين الآباء وأبنائهم، فيبدأ الأبناء في بناء استقلاليتهم الخاصة، وقد تبدو الفجوة بينهم وبين آبائهم وكأنها تتسع، لكن الحقيقة أن حاجتهم إلى وجود علاقة قوية وآمنة بالأهل لا تقل، بل تزداد أهمية، وإن مفتاح عبور هذه المرحلة بسلام لا يكمن في فرض السيطرة، بل في إتقان فن التواصل الفعال الذي يبني جسورًا من الثقة والاحترام.

يقدم هذا المقال دليلًا عمليًا للآباء والأمهات لفهم عالم أبنائهم المراهقين، ويعرض إستراتيجيات سهلة ومؤثرة للتواصل العفوي والمخطط له، لمساعدتكم على البقاء قريبين منهم في وقت هم في أمس الحاجة إليكم.

مع اكتساب المراهقين والمراهقات استقلاليتهم، غالبًا ما يقضون وقتًا أقل مع عائلاتهم، مقارنة بالوقت الذي يقضونه مع الأصدقاء والأقران، لكن هذا لا يعني أن علاقتك بأبنائك أقل أهمية من علاقتهم بأصدقائهم وأقرانهم، بل إنها تحتاج مزيدًا من الجهد لبناء روابط أقوى.

لا تيأس إن رفض الابن أو الابنة التحدث إليك، أو الابتعاد والعزلة أحيانًا، فاللحظات الصغيرة التي تمنحها لهما من الانتباه والاهتمام، تصنع الفارق الكبير في حياتهما، فاستثمرها بالطريقة الصحيحة.

العلاقات الإيجابية والتواصل أساس الأمان في المراهقة

في مرحلة المراهقة، غالبًا ما يبدأ الآباء والأبناء بقضاء وقت أطول بعيدًا عن بعضهم، من الطبيعي أن يرغب المراهقون في قضاء بعض الوقت بمفردهم، إضافة إلى قضاء الوقت مع الأصدقاء، وأشخاص آخرين خارج محيط الأسرة والعائلة.

التواصل مع طفلك المراهق يعني بناء التقارب العاطفي بالوجود والاستجابة له.. إنه أكثر من قضاء الوقت معًا

لكن المراهقين ما زالوا بحاجة إلى علاقات قوية بوالديهم، ليشعروا بالأمان والطمأنينة في أثناء مواجهة تحديات المراهقة ومشكلاتها. إدراك أبنائك وبناتك في مرحلة المراهقة لوجودك معهم، وقربك منهم، ومحبتك، ودعمك غير المشروط، لا شك أنه يمنحهم الثقة لتجربة أشياء جديدة، واستكشاف أفكار، واهتمامات، وعلاقات لم يعرفوها من قبل.

التواصل مع طفلك المراهق يعني بناء التقارب العاطفي بالوجود والاستجابة له، إنه أكثر من قضاء الوقت معًا.

التواصل مع الأبناء المراهقين يمكن أن يحدث بطريقتين: إما عفويًّا، وإما بالتخطيط، وكلاهما ضروري للتواصل مع الأبناء، وبناء علاقة جيدة بهم.

التواصل العفوي لحظات صغيرة تصنع الفارق الكبير

أما التواصل العفوي، فيحدث خلال تفاعلاتنا اليومية البسيطة، كأن تتحدث الأم مع ابنتها في أثناء تحضير الطعام، أو أن تستغل لحظة ركوب السيارة معًا، للحديث عن يومه في المدرسة. على سبيل المثال، قد تسأل الأم ابنتها المراهقة: «ما أكثر شيء أضحكك اليوم؟» أو «ماذا تعلمتِ في الفصل اليوم؟». هذه الحوارات العفوية تخلق جوًا من الأمان والانفتاح.

التواصل العفوي يحدث خلال تفاعلاتنا اليومية البسيطة وهو لحظات صغيرة تصنع الفارق الكبير

أما التواصل المخطط، فيتطلب من الوالدين تخصيص وقت معين للقيام بأنشطة مشتركة يستمتعان بها معًا، كأن يشاهدا فيلمًا كل أسبوع، أو يخرجا في نزهة معًا، أو حتى يلعبا سويًّا في عطلة نهاية الأسبوع. مثلًا، يمكن أن تخبر أبناءك أن الجمعة المقبلة ستكون مخصصة للعب كرة القدم سويًّا، ما رأيك؟

من الجيد أن يحرص الوالدان على التوازن بين هذين النوعين من التواصل، فالتواصل العفوي يقربك أكثر من طفلك، في حين أن التواصل المخطط يعزز الذكريات الجميلة، ويقوي الروابط على المدى الطويل.

رصد التغيرات ومواجهة التحديات مبكرًا

ليس هذا فحسب، إذا حافظ الوالدان على تواصل دائم مع أطفالهم، سوف يمكنهم ذلك من رصد أي مشكلات قد يواجهها الأبناء مستقبلًا، بل وملاحظة أي تغييرات تطرأ على سلوكياتهم.

على سبيل المثال، إذا لاحظ أحد الوالدين جلوس طفله بمفرده لوقت طويل، مع الميل إلى العزلة، وعدم الرغبة في الحديث، فقد يكون ذلك دليلًا على تعرضه لموقف مزعج في المدرسة، أو مع الأصدقاء.

قد لا يرغب الابن في الذهاب إلى التدريب على غير العادة، عندها يمكن التخمين بأن مشكلة ما وقعت مع مدربه، أو أحد زملائه في التمرين، وهكذا.

قد لا يرغب الابن  في الذهاب إلى التدريب على غير العادة عندها يمكن التخمين بوقوع مشكلة مع مدربه أو أحد زملائه

هذه الحالة من القرب التي تخلقينها مع طفلك بقضاء وقت معه، هي من تجعله يبادر، ويبث إليكِ شكواه، من زميله في الدراسة الذي تنمَّر عليه، أو تطاول عليه، أو أخذ أدواته منه، أو ذاك المعلم الذي عامله بطريقة مهينة أمام زملائه.

هذا البوح، لا شك في أنه يساعد الآباء والأمهات على التدخل المبكر لحماية الطفل من الأخطار التي تهدده، ما يسهم في تعزيز صحته النفسية، وتشجيعه على التعبير عن المشكلات التي تواجهه.

ماذا يعني التواصل غير الرسمي؟ ولماذا هو مهم مع الأطفال والمراهقين؟

التواصل غير الرسمي وسيلة فعَّالة لاستغلال التفاعلات اليومية البسيطة، لبناء علاقات إيجابية، كأن يبدأ طفلك محادثة معك في أثناء تناول الطعام، أو في أثناء السير إلى المسجد، فهذا يعني عمومًا أنه في مزاج جيد، ولديه رغبة في التحدث إليك.

الجميل في هذا التواصل، أنه يتم بعفوية، وبصورة طبيعية، فهذا يُوصل رسالةً إلى الطفل بأنك متاح له في كل وقت، ما يعزز ثقته بك، ويزيد قربه منك.

هنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تقديم بعض النصائح للآباء والأمهات في أثناء هذا النوع من التواصل:

  • توقف عما تفعله، وركِّز على اللحظة الحالية. على سبيل المثال، ضع هاتفك جانبًا، أو أغلِق شاشة الكمبيوتر أو الهاتف النقال، ولو لبضع ثوانٍ فقط، وامنح طفلك كامل انتباهك. يكون التواصل أكثر فعالية عندما ترسل رسالة مفادها أن طفلك هو أهم شيء لديك الآن.
  • انظر إلى طفلك في أثناء حديثه معك، دع عينيك تلتقي عينيه، واستمع جيدًا لما يقوله، هذا يُوصل رسالة مفادها أن ما يقوله طفلك مهم لك.
  • أظهر اهتمامك بكل تفصيلة يقولها له، وشجِّع طفلك على التوسُّع فيما يقوله، واستكشف وجهات نظره، وآراءه، ومشاعره، وتوقعاته، وخططه.
  • استمع دون مقاطعة، أو إصدار أحكام، أو تصحيح. هدفك هو أن تكون مع طفلك، وليس تقديم النصيحة أو المساعدة، إلا إذا طلبها.
  • ابقَ على تواصل مع طفلك، حتى وإن كنت بعيدًا عنه. على سبيل المثال، أرسل رسائل نصية يومية، أو على الشات.
  • يمكنك أيضًا محاولة خلق فرص للتواصل غير الرسمي. على سبيل المثال، يجد بعض المراهقين أنه من الأسهل التحدث في أثناء القيام بشيء ما معًا، مثل الطهي، أو المشي، أو الترتيب، ولكن إذا لم يرغب طفلك في التحدث، فلا تُجبره على الحديث. انتظر فرصة أخرى.

ابقَ على تواصل مع طفلك حتى إن كنت بعيدًا عنه.. مثلًا أرسل رسائل نصية يومية له أو تحدث معه على برامج التواصل والمحادثة

التواصل المُخطط له مع الأطفال في مرحلة ما قبل المراهقة والمراهقين

قد تُصعِّب الحياة المُزدحمة، وكذلك قضاء أوقات أطول بعيدًا، قضاءَ وقت ممتع معًا. لهذا السبب، عليك التخطيط له جيدًا. لا يُبدي المراهقون دائمًا حماسًا لقضاء الوقت مع والديهم، ولكن من المفيد الإصرار على ذلك، في الأقل في بعض الأحيان.

نصائح للتواصل المُخطط مع طفلك

إدراكًا منا بأهمية التواصل المُخطط له، هذه مجموعة من النصائح للتواصل المُخطط له مع طفلك:

  • تحديد وقت يُناسب كلا الطرفين لقضاء بعض الوقت معًا.
  • دع طفلك يختار ما ستفعله، واتبع قيادته. سيُحفِّزه هذا على الرغبة في قضاء الوقت معك. من المُمتع أيضًا تجربة أنشطة يكون فيها طفلك خبيرًا، فتعلمك مهارة جديدة يُمكن أن يُعزِّز ثقته بنفسه.
  • حاول أن تكون شريكًا مُتحمسًا، وتعاون بنشاط مع ما يفعله طفلك. النشاط نفسه أقل أهمية من مشاركة المرح، والتحدث مع طفلك، كن مهتمًا ومتقبِّلًا بدلًا من تصحيح سلوك طفلك أو تقديم النصيحة، ليس من السهل التخلِّي عن دور التدريس والتدريب، ولكن هذا هو الوقت المناسب لبناء علاقتكما وتحسينها؛ لذا إذا رأيت خطأً أو طريقة أسهل للقيام بشيء ما، فتجاهله دون تعليق.
  • في البداية، قد لا يكون طفلك متحمسًا للمشاركة في هذه الأنشطة مثلك، اجعل الأوقات المُخطط لها قصيرة في البداية، وسيستمتع طفلك بهذا الوقت معك.

المراهقون الذين يتمتعون بعلاقات مستقرة، ودافئة، وقائمة على الثقة، والانفتاح مع والديهم، يكونون أكثر استعدادًا لتطوير الاستقلالية، والنمو ليصبحوا بالغين مسؤولين، ثم إنهم أكثر عرضة للنجاح في التعامل مع المواقف الخطرة، مثل التدخين، أو التدخين الإلكتروني، أو تعاطي الكحول أو المخدرات الأخرى، أو النشاط الجنسي، أو الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أو ألعاب الفيديو.

ماذا لو رفض طفلك التواصل معك؟

أحيانًا، قد لا تسير الأمور كما يجري التخطيط لها، فقد يرفض الأبناء التواصل، أو قضاء وقت مع الوالدين، ويفضِّل العزلة والانطواء في غرفته، أو أمام شاشة الهاتف النقال، ما العمل وقتها؟

قد يرفض الأبناء التواصل أو قضاء وقت مع الوالدين ويفضِّل العزلة لذا من الضروري التحلَّي بالصبر وتجنُّب الغضب أو العصبية

من الضروري أن يتحلَّى كلا الوالدين بالصبر، وتجنُّب الغضب أو العصبية على الطفل، وإجباره على الجلوس، والتحدّث معه، بل يجب الاستفادة القصوى من الفرص اليومية للتواصل، كالدردشة في أثناء القيادة، أو الذهاب إلى المسجد، أو في أثناء تناول وجبة الغداء أو العشاء، يمكن أن تساعدك على تجاوز هذه العقبة.

إذا كان طفلك مترددًا في قضاء الوقت معك، يمكنك تجربة ما يلي:

  • ابدأ بلقاء قصير. على سبيل المثال، جرِّب تناول مشروب مفضل له في مكان جيد بعد المدرسة.
  • اطلب من طفلك أن يُفكِّر في أشياء يرغب بفعلها معك، واعمل على تنفيذها.
  • استخدم التكنولوجيا للتواصل مع طفلك، كأن ترسل له صورًا مضحكة، أو رسائل نصية، أو رسالة صوتية، يمكن أن يساعدك على البقاء على اتصال، لكن لا تُبالغ.

لا تيأس، فقد يستغرق الأمر بعض الوقت، لكن كلما زاد الوقت الذي تقضيانه معًا؛ زادت قدرتكما على الاسترخاء.

وأنتم، أعزائي القرّاء، شاركونا آراءكم في التعليقات أسفل هذه المقالة: كيف تُقنعون أطفالكم المراهقين بقضاء وقت معًا؟ وما النصائح التي تُقدِّمونها للآباء والأمهات في هذا السياق؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة