تعريب المسكوكات في العصر الأموي وأقدمها

المسكوكات في العصر الأموي:

في عام 41هـ/661م قامت الدولة الأموية، وقد أولى معاوية بن أبي سفيان أول خلفائها (41 – 60هـ/661 – 679م) أهمية كبيرة للمسكوكات بكونها رمزًا من رموز القوة السياسية التي تمنح صاحبها حقًّا شرعيًّا بالسلطة؛ لذلك سك هذا الخليفة نوعين من المسكوكات الفضية:

 

النـــوع الأول: كان على نمط مسكوكات الخلفاء الراشدين (مسكوكات عربية على الطراز الساساني) وقد أضيفت إليها عبارات (بسم الله – ربي) و(الحمدُ لله) و(بركة) وتم ضربها بمدن عدة بيشابور، دار بجرد، سجستان.. ومدن أخرى.

النوع الثاني: فقد ضربت على الطراز الساساني وكتب عليها بالبهلوية (معاوية أمير أوروشنكان) أي (معاوية أمير المؤمنين) وقد ضربها معاوية في السنة الأولى من حكمه في مدينة دار بجرد، وقد سك هذا النوع من المسكوكات لأغراض سياسية وإعلامية، وذلك لإشعار الناس بأنه الخليفة الشرعي على أثر النزاع بينه وبين الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب -رض- وابنه الحسن -رض-.

اقرأ أيضاً التعريب في عهد الأموي.. تعرف الآن

دور الأمراء الأمويين في تعريب المسكوكات

لقد كان للأمراء الأمويين في العراق دور في عملية تعريب المسكوكات، حيث سك عدد منهم مسكوكات عربية على الطراز الساساني، نقشوا عليها كلمات عربية بالخط الكوفي أكثر مما كان في عهد الخلفاء الراشدين، وكانت بمنزلة خطوات نحو التعريب، وسنذكر الأمراء الذين أسهموا في عملية تعريب المسكوكات ومنهم:

عبدالله بن عامر: وهو ابن عم الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان -رض- كـان أميرًا على البصرة في الســنوات 29-35هـ/649-655م وأميرًا لمكة في السنوات 35-36هـ/655-656م، ثــم ولي البصرة ثانية في السنوات 41-44هـ/661-664م ومعها فارس، سجستان، خراسان، ويبدو أن هذه الأقاليم كانت تابعة لولاية البصرة، وقد وجدت لهذا الأمير مسكوكات فضية كتب عليها اسمه (عبد الله بن عامر) بالحروف الفهلوية والبسملة بالحروف العربية (بسم الله) على الطوق.

والمسكوكات التي حملت اسمه (عبد الله) قد ضربت في دور الضرب بيشـــابور 42 و44هـ / 662 و664 م، ودار بجـــــرد 41هـ /661 م ونهاوند 41هـ/661م  وزرانج 41 هـ/661 م ونهرتيري 48 هـ/ 668 م.

2. زياد بن أبي سفيان: (زياد بن أبيه) عُين أميرًا على البصرة من قبل أخيه الخليفة معاوية بن أبي سفيان (45-50هـ/665-670م) ثم أصبح أميرًا على البصرة والكوفة (50-53هـ/670-673م) وهو أول أمير تجمع له معًا إمارة مدينتين كبيرتين.

ضرب مسكوكات عربية على الطراز الساساني في كل من إبرشهر سنة 45هـ/665م حملت عبارة (بسم الله ربي) وفي البصرة للسنوات 51 و53هـ/ 671 و672م حملت عبارة (بسم الله) كما وضرب مسكوكات حملت اسمه لكنها غير واضحة التاريخ، ويحتمل أن تكون ضربت قبل وفاته سنة 55هـ/674م. 

3. عبيد الله بن زياد: هو أكثر أبناء زياد بن أبي سفيان شهرةً عينه الخليفة معاوية بن أبي سفيان أميرًا على خراسان سنة 53هـ/672م، وفي سنة 55هـ/674م عُينَ أميرًا على البصرة، وفي سنة 60هـ/679م وبخلافة يزيد بن معاوية ضُمت إليه الكوفة فأصبح أميراً على البصرة والكوفة، ضرب هذا الأمير مسكوكات حملت اسمه بالحروف البهلوية والبسملة بالعربية على الطوق (بسم الله)، وحملت بعضها على الطوق عبارة (بسم الله ربي) ومن المدن التي ضرب بها مسكوكاته:

ابرشهر: 60هـ / 679م.

  1. أذربيجان: 62 و63 هـ / 681 ، 682م وحملت البسملة (بسم الله).

  2. بشابور: 63 و65هـ / 682 و684 م حملت على الطوق (بسم الله .. ربي).

  3.  بلخ: 62هـ / 681م.

  4. البهقباذ: 60 و61هـ / 679 و680م.

  5. نهاوند: 63هـ/682م وحملت بعضها البسملة (بسم الله) وعبارة (ربي الله).

  6. البصرة: 63 و64هـ / 682 و683 م.

كما وسك في دار بجرد، سجستان، كرمان، الري، دشت ميسان، اصطخر زرنج، وكانت هناك مسكوكات لم يضرب عليها اسم دار سك.

4. مصعب بن الزبير: أخو عبد الله بن الزبير أشهر منافس للخلافة الأموية، وقد أدى دورًا نشيطًا في محاولة غير ناجحة من أجل المنافسة على الخلافة، وقد ولاه أخوه عبد الله على البصرة سنة 66هـ/685م، وانتقل إلى الكوفة وقتل سنة 71 أو 72هـ/690-691م في خلافة عبد الملك بن مروان 65-86هـ/684-705م وضرب مصعب بن الزبير مسكوكاته في مدن عدة: 

البصرة سنة 66هـ/685م حملت على الطوق عبارة (مصعب حسبه الله).

دشت ميسان 67هـ/686م.

كرمان 69هـ/688م حملت على الطوق البسملة (بسم الله).

نهاوند 69هـ/688م حملت على الطوق عبارة (مصعب بسم الله).

5. حمران بن أبان: حمران بن أبان بن عمرو كان كاتبًا للخليفة (عثمان بن عفان) ثم غضب عليه، فأخرجه إلى البصرة ليكون عامله بها، ولما قُتل مصعب بن الزبير وثَب (حمران) فأخذ البصرة ولم يزل كذلك حتى قدم (خالد بن عبد الله) فعزله، وانتقل إلى مكة ومات سنة 75هـ/694م، ولحمران مسكوكات حملت اسمه بالحروف العربية (بسم الله حمران بن أبان) في سنة 72هـ /691م.

6. قطري بن الفجاءة: زعيم الخوارج في الســنوات 69-78هـ/688-697م، لقب نفسه بأمير المؤمنين على مسكوكاته المضروبة على الطراز الساساني، وتنقل في العديد من إقليم المشرق واستقر في كرمان، ومنها انتقل إلى البصرة، وتمكن المهلب بن أبي صفرة من قتله سنة 78هـ/697م. وقد ضرب قطري مسكوكاته التي حملت شعار الخوارج (لا حكم إلا لله) بالعربية في مدن عدة منها:

أردشير خرة 75هـ/694م حيث نقش اسمه بالحروف الفهلوية وعلى الطوق شعار الخوارج (لا حكم إلا لله).

    بيشــابور 69هـ-75هـ/688-694م ونقش فيها بالفهلوية عبد الله قطري (أمير أوروشنكان) أي أمير المؤمنين وعلى الطوق نقشت (بسم الله.. لا حكم إلا لله) دار بجرد 75هـ/694م زرنج 75هـ/694م وحملت نفس العبارات السابقة.

7. الحجاج بن يوسف الثقفي: لقد ضرب مسكوكاته في مدن عدة منها المسكوكة الفضية المضروبة في مدينة البصرة وتعد من المسكوكات النادرة، فقد ضرب على الوجه صورة الملك الساساني كتابة بالخط العربي الكوفي (الحجاج بن يوسف) ونقش على الطوق بالخط الكوفي أيضًا (بسم الله لا إله إلا الله وحده، محمد رسول الله).

أما على مركز الظهر وإلى جانب دكة النار المجوسية والحارسين من جهة اليمين نقشت كتابة بالخط الكوفي (ضرب بالبصرة) وعلى جهة اليسار نقشت كتابة بالخط الكوفي أيضًا تشير إلى سنة الضرب (خمس وسبعين) وأول مرة نرى مدينة الضرب والسنة تكتبان بالعربية لمسكوكات الحجاج الفضية.

وتوجد مسكوكات أخرى ضربت في مدينة (بيشابور) للسنوات 76-77-78-79-83 هـ 2) /695-696-697-698-702م حملت على الوجه اسم الحجاج، وعلى الطوق تنوعت العبارات بين (بسم الله لا إله إلا الله، محمد رسول الله) و( بسم الله) بالخط الكوفي، وعلى الظهر نقش اسم مدينة الضرب وسنة الضرب بالخط البهلوي.

وتوجد مسكوكات أخرى للحجاج ضربت في مدينة (أردشيرخرة) سنة 77 هـ/696م و78هـ/697م، حملت العبارات العربية السابقة نفسها على الوجه واسم مدينة الضرب بالبهلوية على الظهر.

نلاحظ مما تقدم من نصوص مسكوكات الأمراء ذات العبارات العربية المضروبة على الطراز الساساني أنها كانت تزداد بتقدم الزمن، وهذا ما لاحظناه على المسكوكات الفضية للحجاج بن يوسف خاصةً.

أما الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان 65-86هـ/684-705م نجده قد ضرب مسكوكاته الأولى على الطرز السابقة لحكمه، فقد ضرب المسكوكات الفضية العربية على الطراز الساساني منذ سنة 73هـ/692م (بسم الله لا إله إلا الله وحده محمد دمشق ثلث وسبعين) واستمر هذا الطراز للسنة اللاحقة 74هـ/693م أيضًا.

وفي سنة 75هـ/694م نقش في مركز مسكوكة فضية عربية مضروبة على الطراز الساساني صورة للخليفة عبد الملك بن مروان، وقد وقف متقلدًا سيفًا وإلى يسار الصورة كتبت عبارة (أمير المؤمنين) وإلى يمينها (خلفت الله) في حين نجد أن مركز الوجه قد نُقش بصورة نصفية للملك الساساني كسرى الثاني وإلى يسارها كتابة كوفية نصها (ضرب في سنة خمس) وعلى جهة اليمين تكملة النص (وسبعين) والطوق نقشت عليه عبارة (بسم الله لا إله إلا الله وحده محمد رسول الله) مع شكل الهلال والنجمة يفصلان بين كلمات هذه العبارة.

ونجد مسكوكات هذه الفترة قد حملت بعض الأشكال المعمارية فيظهر شكل عقد يقوم على عمودين لكل عمود قاعدة وتاج، وتحيـط بالعقد من جهة اليسار العبارة العربية (أمير المؤمنين) وتحيــط به من جــهة اليمين العبارة العربية (خلفت الله) وفي الوسط (نصر من الله).

لقد قرر الخليفة عبد الملك بن مروان أن يقوم بإصلاح وتعريب المسكوكات في الدولة العربية الإسلامية، ويحدد عدد من المؤرخين سنة 76هـ/695م بداية لظهور المسكوكات الفضية المعربة في العالم الإسلامي.

لكن يبدو أنه من الصعب تعيين تاريخ محدد لبدء عملية التعريب، ويمكن القول بصورة عامة أن مرحلة الإصلاح المالي قد وصلت ذروتها عندما تحررت السكة العربية الإسلامية من التبعية الأجنبية، فزادت النصوص العربية على المسكوكات الفضية من سنة 75هـ/694م وما بعدها.

اقرأ أيضاً المسكوكات الأموية بعد التعريب

أقدم المسكوكات الفضية

إن أقدم مسكوكة فضية معربة يعود تأريخها إلى سنة 78هـ/697م من ضرب أرمينية، وحملت اسم مدينة الضرب وهي خالية من الصور والنقوش ذات التبعية الأجنبية.

أما الكتابات على درهم أرمينية النادر فهي بخط كوفي متقن وواضح جدًّا، وهي كالتالي: 

مركز الوجــه :   الله أحـــد              مركز الظهر:       لا إله إلا               

                   الله الصمد لم                                 الله وحده

                   يلد ولم يولد                                  لا شريك له

                   ولم يكن له

                   كفوا أحد

الطوق: بسم الله ضرب هذا الدرهم بأرمينية سنة ثمان وسبعين

الطوق: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

الـوزن: (3) غم.

القطر: (27 ملم).. وهو محفوظ بالمتحف العراقي بالرقم 14472 مس.

لقد ظهرت مؤخرًا في إحدى مزادات مدينة لندن سنة 2000م مسكوكة فضية معربة من ضرب مدينة الكوفة لسنة 78هـ/697م.

قبل ظهور هذه المسكوكة، طرح المختصون سؤالًا: لماذا بدأ ضرب المسكوكات الفضية المعربة في مدينة أرمينية في حين توجد مدن أموية مهمة مثل دمشق العاصمة، والبصرة والكوفة، وها هي الأيام تكشف وتجيب عن ذلك التساؤل، وقد يظهر في المستقبل مسكوكة أخرى تحمل تاريخًا أقدم واسم مدينة ضرب أخرى لتغير كثيرًا من المعلومات. 

ونعود إلى مسكوكة 78هـ/697م الفضية المضروبة بالكوفة، فلقد نقشت عليها العبارات بالشكل التالي:

مركز الوجـه:    الله أحـد الله                مركز الظهر :        لا اله الا               

                   الصمد لم يلد                                       الله وحده

                   ولم يولد ولم يكن                                  لا شريك له

                   له كفوًا أحد

الطوق: بسم الله ضرب هذا الدرهم بالكوفة في سنة ثمان وسبعين

الطـوق: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

وتغيرت نصوص المسكوكات الفضية في السنة اللاحقة 79هـ/698م بعد أن ضُربت في عدد من المدن العربية والإسلامية ومنها دمشق والبصرة والكوفة وغيرها من المدن وأصبحت بالنمط التالي:

مركز الوجه:  لا إلــه إلا               مركز الظهر :       الله أحــد الله 

                الله وحـده                                      الصمد لم يلـد               

                لا شريك له                                   ولم يولدولم يكن   

                                                                له كفواً احـد

الطوق: بسم الله ضرب هذا الدرهم بالبصرة في بالهدى سنة تسع وسبعين

الطوق: محمد رسول الله أرسله ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

واستمر هذا النمط من المسكوكات الفضية العربية الإسلامية طيلة مدة الدولة الأموية، وقد حملت اسم مدينة الضرب وسنة الضرب لكنها لم تحمل اسم حليفة أو والٍ أموي، ثم إنها أصبحت ذات طابع عربي إسلامي خالٍ من التأثيرات الأجنبية (الساسانية).

ومن الجدير بالذكر أن أول دينار عربي خالص من العهد الأموي ضرب ســنة 77هـ/696م، ويوجــد منـــه في العــالم عدد ضـئيل، وقـد نقشــت عليه العبارات التالية: 

      الوجه :       لا إلــه إلا                     الظهر :        الله أحـد الله 

                     الله وحـده                                      الصمد لم يلد               

                     لا شريك له                                    ولم يولـد   

الطوق: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.

الطوق : بسم الله ضرب هذا الدينار في سنة سبع وسبعين.

ومن الملاحظ على الدنانير أنها لم تحمل اسم مكان الضرب إلا نادرًا، وذلك لأن الضرب كان في دمشق العاصمة.

إشارة إلى ما تقدم، سؤال يطرح نفسه ما الدوافع والأسباب المحتملة التي دفعت الخليفة عبد الملك بن مروان إلى تعريب المسكوكات وتخليصها من التبعية الأجنبية.

اقرأ أيضاً أمراء مدينة واسط الإسلامية

أسباب تعريب المسكوكات

توجد روايات عدة تجيب عن التساؤلات التي دفعت الخليفة عبد الملك بن مروان للقيام
بعملية تعريب المسكوكات، وهي في مجملها تدور حول العلاقة بين ملك الروم جستينان الثاني 66-76هـ/685-695م والخليفة عبد الملك، فقد أمر الخليفة عبد الملك بكتابة (شهد الله أنه لا إله إلا هو) على القراطيس التي تُحمل من مصر إلى بلاد الروم بدل عبارة (أبًا وابنًا وروحًا) فاستاء ملك الروم.

وأرسل يهدد الخليفة عبد الملك أن يمحو هذه الآية من على القراطيس وإلا فإنهم سيكتبون على المسكوكات التي تأتي مـن بلاد الروم إلى بلاد العرب ما يســئ إلى النبي محمـد صلى الله عليه واله وسلم.

  فجمع الخليفة عبد الملك أهل الاسلام واستشارهم فقال له الإمام (محمد بن علي بن الحسين): «تدعو بصناع فيضربون بين يديك سككًا للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها سورة التوحيد، وذكر رسول الله -صلى الله عليه واله وسلم- أحدهما في وجه الدرهم والدينار، والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي ضرب فيه.

والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهمًا عددًا، من الاصناف الثلاثة: التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعًا، إحدى وعشرين مثقالًا، فتجزئها من الثلاثين فتصــير العــّدة مــن الجمـيع وزن ســبعة مثــاقيل وتصـب صنجــــات من قوارير، لا تستحيل إلى زيادة أو نقصان.

وأشار الإمام محمد بن علي بن الحسين إلى أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدم الناس في التعامل بها، وأن يتهدد بالقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن تبطل وترد إلى مواضع العمل، حتى تعاد إلى السكك الإسلامية ففعل عبد الملك ذلك.

إن أوراق البردي وما حملته من عبارات مسيحية أو إسلامية لم تكن هي الدافع إلى ضرب سكة إسلامية خالصة من قِبل الخليفة عبد الملك بن مروان، كما لم يكن ذلك التغيير مثار نزاع بين الخليفة عبد الملك وأباطرة البيزنطيين إذ إن عبارات التوحيد والرسالة المحمدية قد ظهرت على أعداد ضخمة من السكة الإسلامية البيزنطية قبل عهد الخليفة عبد الملك، وهذه السكة كانت قد وصلت دون شك إلى أيدي البيزنطيين وعلمهم.

إذن لا بد من وجود أسباب حقيقية للنزاع، ومدى علاقتها بظهور أول سكة إسلامية خالصة.

إن النـزاع بين الخليـفة عبد الملك 65-86هـ/684-705م وإمـبراطور البيزنطيين المعاصر لـه جسـتينان الثاني 66-76هـ / 685-695م تتلخـص في أن معـاهدة بين الاثنــين قد عقـدت سنة 67هـ/686م مدة عشر سـنوات يمنع خلالها الجنود الجراجمة غير النظاميين من التدخل في شؤون الدولة الإسلامية نظـير دفـع الخليفـة عبـد المـلك إتــاوة سـنوية إلى الإمـبراطور البيــــزنطي، وقدرها ألف دينار ذهبي.

لقد أمنت هذه الاتفاقية الخطر الخارجي ليتفرغ الخليفة عبد الملك لمعالجة المشكلات الداخلية ولا سيما قضاءه عـلى أقوى مناوئيه ابني الزبير مصعب وعبدالله في 72هـ/691م و 73هـ/692م.

أما وقد نجح هذا الخليفة في تصفية أعداء الداخل، فقد وجد الاستمرار في دفع تلك الإتاوة الكبيرة أمرًا لا مبرر له، ومع ذلك فقد سلك طريقًا مشروعًا في رفضه للاتفاقية، إذ دفع الإتاوة بدنانير ذهبية مصّورة بصورة الخليفة عبد الملك، ويظهر أن ضرب سكة ذهبية بصورة حاكم آخر غير إمبراطور الدولة البيزنطية أمر لم يجرؤ عليه أحد من الخلفاء المسلمين قبل الخليفة عبد الملك؛ لذلك عارض جستينان الثاني الخليفة عبد الملك، وفسخ المعاهدة المبرمة مع العرب؛ لأن الإتاوة السنوية لم تدفع بسكة تحمل صورة الإمبراطور البيزنطي.

وإنما بسكة على طراز عربي، ولم تفلح محاولات الخليفة عبد الملك في إقناع الدولة البيزنطية بقبول سكته الجديدة ما دام وزن الذهب هو المعول عليه، وبذلك تجدد العداء التقــليدي بين العـرب والبيزنطيين، فنشــبت الحــرب بين الطرفين نهــاية سنة 73هـ/692م وانتهت بهزيمة الروم البيزنطيين.

إن الحرب مع الروم وما أثارته من مشاعر، وما أدت إليه من انقطاع في التجارة وقلة المسكوكات كانت قد دعت الخليفة عبد الملك إلى الشروع في إصدار مسكوكات خاصة، فأنشأ دورًا وطنية لضرب المسكوكات التي نقش عليها عبارات لتوحيد الله.

وتوجد روايات أخرى تُعزي دوافع الإصلاح النقدي إلى ضبط المقادير الشرعية في المسكوكات التي يتوجب دفعها للزكاة دون الإضرار بالناس، أو بقيمة الزكاة.
من أجل ذلك جمع عبد الملك بن مروان بين الدراهم السود الوافية (البغلية)، والطبرية
(العتق)، واستخلص منها درهمًا واحدًا، يزن ستة دوانق، وكل عشرة من هذه الدراهم تساوي سبعة مثاقيل، فاجتمعت في إصلاح هذه الدراهم وجوه ثلاث:

أنه وزنه سبعة، وأنه عُدّل بين صغارها وكبارها، وأنه موافق لسنة رسول الله -صلى الله عليه واله وسلم- في فرائضه لا وكس فيه ولا شطط.

إن تفشي الغش والتزييف في المسكوكات كان أحد العوامل التي دفعت بالخليفة عبد الملك لأن يأمر الأمير الحجاج بن يوسف بضرب المسكوكات الفضية، وتمييز المغشوش من الخالص، وذلك لصــيانة المســكوكات المتــداولة فــي معامــلات المســـلمين ولا سيما للمسكوكات الساسانية الفضية.

وأدى ذلك إلى نتائج اقتصادية ضارة كثيرة (منها هبوط قيمة المسكوكات، ارتفاع أسعار الحاجيات، زوال الثقة المالية، وأهمها الغبن الذي يقع علـى الدولــة في اســتيفاء حقوقهــا من الضـرائب فيـؤدي ذلـك إلـى نقـــص كمية الخراج).

لقد كان الإصلاح النقدي الذي قام به الخليفة عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف ضرورة اقتصادية شعرت بها الدولة، فلقد توسعت الدولة العربية الإسلامية شرقًا وغربًا، فبات وضع نظام إداري واقتصادي موحد لكل أقاليم الدولة العربية الإسلامية، سواء من الناحية السياسية، أو المالية، أو الإدارية أمرًا لا بد منه.

وأصبح من غير المعقول أن تبقى مثل هذه الدولة الكبيرة معتمدة في تعاملها التجاري والاقتصادي المتزايد على مسكوكات أجنبية محدودة الكمية لا تفي بمتطلباتها، ولا تتناسب مع سعتها ونشاطها المالي، ترد إليها من بلاد العدو بوسيلة تجارة ضئيلة وتهددها الحرب بالانقطاع من آن لآخر.

ومن الأسباب المهمة رغبة الخليفة عبد الملك بن مروان في إعادة حق ضرب السكة إلى الخلافة وحصره في شخص الخليفة بعد أن نجح في توحيد العالم الإسلامي تحت سلطانه، كما ورغب في العمل على استقرار الدولة اقتصاديًّا بعد أن هيأ لها الاستقرار السياسي، وهذا لا يتم ما دامت مقومات الدولة المالية تدور في فلك المسكوكات الأجنبية.

يتبين مما سبق أن الإصلاح جاء لأسباب عليا وتنظيمات مالية واقتصادية أوجدتها وفرضتـها ظروف الدولة في حينها، أكثر من أن يكون بإيعاز من أسباب ثانوية كالتي أشار إليها البيهقي، ومن تبعه من المؤرخين العرب.

إن ما ذكرناه يمثل دوافع الدولة العامة ومخططاتها للقيام بعملية الإصلاح النقدي الشامل، فلقد ظهرت المسكوكات العربية الإسلامية الخالصة نتيجة للإصلاح النقدي الذي ابتدأه الخليفة عبد الملك في بلاد الشام، ولتنفيذ هذا الإصلاح في العراق والأقاليم الشرقية بعث الخليفة عبد الملك بالسكة للحجاج بن يوسف وأمره بضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطًا من قراريط الدنانير، وقد ضـربت المسكوكات الفضية المعربة (الدراهم) على عيار منخفض بالنسبة للمسكوكات الفضية السابقة.

اقرأ أيضاً المسكوكات الأموية والعباسية

وزن المسكوكات الفضية

لقد ذكر الفقهاء والمؤرخون القدامى أن نسبة المسكوكة الفضية إلى المثقال هي (10: 7) لذلك يجب أن يكون معدل وزن المسكوكة الفضية بعد الإصلاح النقدي ما يعادل (2.97) غم، ولكن المعدل الفعلي لوزن نماذج المسكوكات الفضية العربية الإسلامية الخالصة التي وصلت إلينا، باستثناء التالف والمقروض إضافة إلى أن بعض أوزانها قد فقدت نتيجة التداول هو أقرب إلى (2.90) غم، ومعنى ذلك أنها كانت على وزن (2.97) غم والذي كان يطلق علـيه (الدرهم الشرعي) ذا الستة دوانق.

لقد أطلق على هذه المسكوكات الفضية التي ضربها الحجاج بن يوسف اسم (المكروهة) وتعلل بعض الروايات، هذه التسمية تعليلًا دينيًا، هو أن الحجاج كتب عليها بعض الآيات القرآنية، فكره الفقهاء ذلك فسميت بالمكروهة لأن الناس قد يحملونها على غير طهارة.. وتعلل رواية أخرى سبب ذلك وهو أن الاعاجم كرهوا نقصانها. ويمكن أن يكون ذلك صحيحًا لأن هذه المسكوكات أنقص عيارها عن المسكوكات الساسانية الفضية السابقة، ما أدى إلى استياء الناس من ذلك فسموها المكروهة.

إن المضي بالإصلاح النقدي حتى نهايته يتطلب إشرافًا تامًا من قبل الدولة على ضرب المسكوكات، وقد كان عمل الحجاج حاسمًا وحازمًا، فقد سأل عما كانت تعمل الفرس في ضرب الدراهم، فاتخذ دار ضرب وجمع فيها الطباعين، فكان يضرب المال للسلطان مما يجتمع له من التبر وخلاصة الزيوف، والستوقة والبهرجة، ثم إذن للتجار وغيرهم في أن تضرب لهم الأوراق. وبذلك جعل ضرب المسكوكات من حق الدولة وحدها.

ويبدو أن محاولات قد جرت من قِبل الأفراد لضرب المسكوكات خارج دور الضرب التــابعة للدولة، من ذلك مثلًا ما قام به سُمير اليهودي، من تيماء في بلاد الشام الذي حاول ضرب مسكوكاته الفضية من الفضة الخالصة المخلوطة بالذهب، وعلى الرغم من تفوق عيارها على عيار المسكوكات التي ضربها الحجاج؛ فإنه لم يعف عنه فقد عُدَّ ذلك تجاوزًا على حق الدولة.

وحينئذ حُرِّم أن تضرب المسكوكات خارج دور الدولة، كما سحبت المسكوكات الأخرى التي كان يجري التعامل بها، فبطل منذ ذلك الوقت التعامل بالمسكوكات البيزنطية والساسانية، وصارت المسكوكات العربية الإسلامية خالصة موحدة في جميع الأقطار.

فالخليفة عبد الملك إذن هو أول من أوجد النقد القومي العربي للدولة الإسلامية وبقي عمله؛ لأنه قام على أساس علمي؛ إذ قضى على المفاسد التي كانت موجودة، فأفاد الرعية كما أفاد الدولة، فأصبح عمله بمنزلة حجر الأساس للنهضة التجارية الإسلامية.

ومن الجدير بالذكر أن اسم الحجاج بن يوسف قد اقترن باسم الخليفة عبد الملك بن مروان في عملية الإصلاح النقدي، وذلك ناتج عن الدور الكبير الذي اضطلع به هذا الأمير في تدعيـم عملية الإصلاح، وإننا لا نجد غرابة في انفراد الحجاج بين الولاة الأمويين في ذلك، فلقد كانت له اليد الطولى في ترسيخ دعائم الدولة الأموية والقضاء على مناوئيها في العراق والمشرق الإسلامي وقيامه بالإشراف على كثير من الفتوحات الأموية في الشرق.

ما جعل من الخليفة عبد الملك أن يوليه ثقته الكبيرة، إضافة إلى ذلك أن ولاية الحجاج (العراق والمشرق الإسلامي) تقع ضمن مراكز الفضة في النظام النقدي (حيث تكثر مناجم الفضة) لذلك اقترن الدرهم باسم الحجاج؛ لأنه هو الذي ضربه بأمر الخليفة عبد الملك بن مروان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة