تعرف على مسكوكات العصر الأموي

دراهم في عهده أنه صغر السكة وأجراها على وزن ستة، ثم إنه ضربها بواسط من دون غيرها.

   وبذلك تكون نقود بني أمية في المدة الواقعة بين 105-125هـ/724-743م هي أجود نقود بني أمية، وكان هؤلاء الذين أسهموا في تجويد النقود جميعهم من عمال الأمويين على العراق.

وكانت واسط بالذات هي ميدان ذلك العمل المميز.

اقرأ أيضاً ماذا تعرف عن تاريخ الدولة الأموية؟

أنواع الدراهم الأموية

   العيار

   المقصود بالعيار هو تركيز أو ضبط نسبة المعدن الأساسي في القطعة النقدية، سواء الذهبية أو الفضية، وقد أجريت دراسة على 23 قطعة فضية معربة من العصر الأموي، قام بها الباحث وليد صوافطة من جامعة اليرموك عام 1990م، نال بها درجة الماجستير في الفيزياء، هدفت إلى التعرف على النسب المئوية للمعادن المختلفة الداخلة في صناعة الدرهم الأموي المعرب، باستعمال تقنية الأشعة السينية المستحثة بالبروتونات (ProProtons Induced X-ray Emission , PIXE).

وقد شملت الدراسة 23 درهمًا ضربت خلال المدة 83-130هـ، من ضرب مدن دربجرد والبصرة ومرو ودمشق وواسط، وكانت النتائج على النحو التالي: أن القطع النقدية جميعها تحتوي على نسبة عالية من الفضة تتراوح بين 89.5-99.6% بمعدل 94.75%، كما وجد قطعتين تراوحت نسبة الفضة فيهما بين 70.6-75.4%؛ إذ فسر ذلك على أنهما ربما كانتا مزيفتين. 

   أما فيما يتعلق بعيار الذهب فيقاس استنادًا إلى العيار الكامل الذي يساوي 24 حبة أو قيراطًا، إذ تكون نسبة الذهب الخالص 999.09 أجزاء من الألف، في حين تكون نسبة الذهب في عيار 23 تساوي 958.33 أجزاء من الألف، وبذلك يكون العيار الواحد يساوي 41.666 أجزاء من الألف.

ثم إن إضافة النحاس الأحمر إلى الذهب يعطيه لونًا يميل إلى الاحمرار، في حين أن إضافة الفضة إليه تعطيه لونًا يميل إلى البياض، ويستعمل معظم المشتغلين بالذهب النحاس الأحمر أكثر من الفضة في إضافته إلى سبيكة الذهب، لجعل الأخير أكثر قوة وأمانًا في الاستعمال.

   وبواسطة البحث الذي قام به الباحث صوافطة يتبين أن توجد خمسة من العناصر في الأقل قد دخلت في تركيبة الدراهم التي خضعت للبحث، إضافة إلى الفضة، وهي الحديد والنحاس والذهب والزئبق والرصاص، ثم إنه توجد عناصر أخرى لم تكن جديرة بقياس تركيزها لخفتها مثل الكربون والأكسجين أو العناصر الشائبة الأخرى.

ولم يذكر الباحث صوافطة سبب إضافة مثل تلك العناصر، لكنه من خلال الجدول الذي نشره عن نسبة تركيز تلك العناصر في العينة التي درسها يمكن ملاحظة أن العناصر الخمسة المذكورة أعلاه قد تواجدت في القطع جميعها تقريبًا، ويتبين أن العنصر الثاني في التركيز بعد الفضة هو النحاس، ولكن الفرق في نسبة مشاركة النحاس إلى العناصر الأخرى كان كبيرًا، إذ تراوحت نسبة النحاس بين 0.001 - 0.07 من مجموع العناصر في القطعة الواحدة، في حين كانت العناصر الأخرى أقل من ذلك بكثير، ما يوحي بأن إضافة النحاس كان أمرًا مقصودًا، في حين أن العناصر الأخرى دخلت في تركيبة القطعة الفضية على شكل عوالق وشوائب دون قصد. 

   لقد تعددت المراجع القديمة التي ذكرت وأشادت بنقود بني أمية للمدة المحصورة بين 101-125هـ، وربما كان ذلك صحيحًا، ولكن توجد ملاحظات عدة تبدو بين السطور وتحتاج إلى النقاش والتعليل منها:

اقرأ أيضاً تعرف إلى مقتل الوليد من الأمويين

معلومات عن الدراهم الأموية

1- يفترض أن الدراهم قبل عهد يزيد بن عبد الملك 101-105هـ/720-724م كانت في حالة لا تخدم الاقتصاد في الدولة الإسلامية، ما جعل ابن هبيرة يقوم بما يمكن أن يسمى الخطوة الأولى في مرحلة تجويد النقود، بعد أن تردت في العيار والوزن. 

2- إن الأمر الذي أصدره الخليفة هشام بن عبد الملك لعامله خالد القسري على العراق في سنة 106هـ/725م «بأن يعيد العيار إلى وزن سبعة»، وأن يبطل السك في كل بلد إلا في واسط؛ يمكن أن يسمى المرحلة الثانية في المشروع الذي كان قد بدأه ابن هبيرة من قبل.

لكن يبدو أن الإنجازات التي حققها ابن هبيرة قد ضاعت، وعاد الدرهم إلى حالته الأولى من السوء، أو أن الخليفة هشام لم يرضَ عن ذلك المستوى الذي أنجزه ابن هبيرة.

فأمر بالقيام بجولة أخرى من العمل على تجويد الدراهم. ولعل تركيز الضرب في مدينة واسط وحدها ناتج عن عدم وجود مراقبة مباشرة من الأمراء في دور الضرب المختلفة، ما نتج عنه وصول النقود إلى درجات مختلفة في جودتها ورداءتها.

3- يبدو أن الدراهم في آخر عهد الساسانيين قد فسدت، وعمّ فيها الغش، نتيجة لانقلاب أمور الدولة وضعفها، فعندما ورث المسلمون دور الضرب الساسانية في شرق العالم الإسلامي.

لا بد أنهم استعانوا بالعمال والتقنيات نفسها التي كانت تعمل قبلهم، ما دفع المسلمين في العهد الأموي إلى القيام بأكثر من محاولة لمكافحة ذلك الغش، الأولى كانت في عهد عبد الملك إبن مروان، إذ إن من أسباب إقدام عبد الملك على تعريب النقود هو زيادة الغش في الدنانير والدراهم، لغفلة الدولة عن ذلك، كما يقول ابن خلدون.

فأمر عبد الملك الحجاج  -واليه على العراق- أن يضرب الدراهم قبله، وأن يميز المغشوش من الخالص، وهذا يعني أن البلاد التي تنتج الدراهم بالشكل الرئيس تعاني من الفساد في إدارتها النقدية، وربما من الغش في العيار.

4- إن الاستمرار في محاولة التلاعب بالعيار والغش في ضرب الدراهم يفسره التشديد المبالغ فيه من قبل الوالي يوسف بن عمر في فرض عقوبات كبيرة رادعة لمحاربة الغش، ما دام التشديد الذي فعله أسلافه لم يأتِ بالنتيجة المطلوبة.

5- من المتفق عليه عند المؤرخين الذين ذكروا نقود بني أمية في ذلك العهد أن النقود كانت تسير من جيد إلى أجود في عهد كل من ابن هبيرة ثم خالد القسري ثم يوسف بن عمر على الترتيب. ولكن تلك المصادر ذكرت أن ابن هبيرة ضرب الدراهم على وزن ستة، وضربها خالد القسري على وزن سبعة بعد أن كبَّرها.

ثم ضربها ابن عمر على وزن ستة بعد أن صغرها. فكيف تكون دراهم ابن عمر أجود من دراهم خالد وهي أصغر منها حجمًا ووزنًا؟ في حين أن الخالدية أجود من الهبيرية، ولكنها أكبر منها حجمًا وأثقل وزناً؟.

   يبدو أن المقصود بالجودة هو ما يتعلق بالعيار، الذي لا علاقة له بالوزن. ولكن أيًّا من المؤرخين لم يتطرق إلى العيار بشيء من التفصيل، واكتفى كل منهم بذكر كلمة (جوَّد الدراهم)، بل إنهم كانوا يخلطون بين العيار وبين الوزن، فوردت عند كثير منهم -كما مر أعلاه- عبارات مثل (وأجرى العيار على وزن سبعة أو ستة).

وأعتقد أن مسألة العيار كانت غامضة في ذلك العهد، ولا يلم بها إلا أصحاب الصنعة أنفسهم، وإلا لرأيت المؤرخين يتداولون الحديث فيها، كما فعلوا مع الأوزان مثلًا. كما أعتقد أن عملية كشف مدى ضبط العيار كانت مسألة لا يستطيع أن يكشفها العامة من الناس؛ لذلك تجدهم يعمدون إلى وزن الدراهم، للتحقق من سلامتها.

ثم إن الدعاية التي كانت تنشرها الدولة حول قيامها بضبط العيار لنوع معين من الدراهم، تجعل الناس يقبلون عليها، ويحفظون وزنها، ويصبح الوزن المعروف في هذه الحالة دالًّا على دراهم معينة، وأعتقد أن هذا ما جعل المؤرخين يربطون بين العيار والوزن.

   ولكن يجب ألا ننسى أن زيادة الوزن في القطعة الواحدة يعني زيادة مادة الفضة فيها، إذا ضُبط العيار أو تمت زيادته. ولذا فإن القطعة النقدية الأثقل وزنًا أفضل من القطعة الأخف وزنًا، إذا اعتبرنا أن العيار ثابت في كلا الحالتين لا يتغير.

   أما عبارة (وأجرى الدراهم على وزن ستة) فالمقصود بها هو أن كل عشرة من الدراهم يصبح وزنها يساوي ستة مثاقيل كما في الدراهم اليوسفية، بدل أن كل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل كما في الدراهم الخالدية.

وهذا يعني بالطبع زيادة وزن الدراهم الخالدية، وبذلك زيادة كمية الفضة فيها، فضلًا عن ضبط العيار. ولذلك كله فالدراهم الخالدية يجب أن تكون أجود من اليوسفية، بعكس ما أشار إلى ذلك المؤرخون القدامى؟!

ولكن بالرجوع إلى أوزان الدراهم التي تعود إلى تلك الفترات أحصينا إحصائية على الدراهم المضروبة في واسط التي نشرها الدكتور محمد أبو الفرج العش في كتاب (النقود الإسلامية المحفوظة) في متحف قطر الوطني، والدراهم التي نشرتها السيدة مهاب البكري في كتاب الدرهم الأموي المعرب، تبين لنا ما يأتي:

اقرأ أيضاً مقتل الخليفة مروان بن محمد الأموي

أوزان الدراهم 

متوسط أوزان الدراهم الهبيرية= 2.644غم

متوسط أوزان الدراهم الخالدية= 2.647غم

متوسط أوزان الدراهم اليوسفية= 2.87غم

من ذلك يتبين بأن عشرة دراهم هبيرية= 6.22 من المثاقيل.

                   عشرة دراهم خالدية= 6.21 من المثاقيل.

                   عشرة دراهم يوسفية= 6.75 من المثاقيل.

   أن الأوزان التي أشار إليها المؤرخون غير دقيقة، فقد ذكروا أن الدراهم الهبيرية ضربت على وزن ستة، وأن الخالدية ضربت على وزن سبعة، وأن اليوسفية ضربت على وزن ستة.

في حين أنه يتبين من الواقع العملي للنقود بأنه لا فرق بين الدراهم الهبيرية والخالدية حسب الوزن، وأن كلاهما أكثر من ستة من عشرة من المثقال، ثم إن الدراهم اليوسفية ذات وزن أكبر من سابقاتها وليس أقل كما أشار إلى ذلك المؤرخون، مع الأخذ بالحسبان أن النقود الفضية تخسر من أوزانها بفعل التعامل اليومي والقراضة وعوامل أخرى، ولكن جميع ما تمت دراسته أعلاه هو أكبر من وزن ستة مثاقيل، مع العلم أنه يجب أن تكون أقل من ذلك حسب المؤرخين. 

       أما المدة الزمنية التي أعقبت يوسف بن عمر على ولاية العراق في عهد الخلفاء المتأخرين من بني أمية وهم الخلفاء الوليد الثاني ويزيد الثالث وإبراهيم، فضلًا على خلافة آخرهم -مروان بن محمد- فلم تذكر المصادر شيئًا عن جودة النقود في عهدهم، بل إن اضطراب الأحداث السياسية في مدد حكمهم أرخت بظلالها القاتمة على الحالة الإقتصادية التي أخذت بالتراجع. ثم إن حاجة هؤلاء الخلفا.

إلى صرف مزيد من النقود لضمان كسب التأييد لهم ضد أعدائهم ومناوئيهم على السلطة جعل النقود في حالة تراجع حسب العيار والجودة عمومًا. 

اقرأ أيضاً ما هي مراحل الدعوة العباسية؟

كيف كانت الدراهم في حكم دولة بني العباس؟

   وفي السنوات الأولى من حكم دولة بني العباس كانت الدراهم أقل جودة من دراهم بني أمية (الهبيرية والخالدية واليوسفية)، وكان السفاح -الخليفة العباسي الأول (132-136هـ/750-754م)- قد سك نقودًا عندما سكن الأنبار في العراق، وقد قطع منها وأنقصها حبة، ثم أنقصها مرة أخرى حبتين.

ولعل السفاح فعل ذلك العمل حتى يتمكن من صرف الأعطيات للجند الذين حاربوا إلى جانبه ضد الأمويين في موقعة الزاب التي انتهى على أثرها ملك بني أمية؛ إذ أمر السفاح عقب المعركة أن يُعطى من شهد المعركة «خمسمائة خمسمائة، وأن يرفعوا أرزاق الجند إلى ثمانين».

فلما تسلّم الخلافة أبو جعفر المنصور (136-158هـ/754-775م ) أنقص الدراهم 3 حبات أخرى، وسميت تلك الدراهم ثلاث أرباع قيراط؛ لأن القيراط كان يساوي أربع حبات في ذلك العهد؛ لذلك لم يقبل المنصور الخراج من نقود بني أمية غير الدراهم المذكورة أعلاه، في حين سميت الدراهم التي تسبقها بالمكروهة.

   وأعتقد أن تسمية (الدراهم المكروهة) جاءت من العهد العباسي لهذا السبب، وليس كما يذكر البلاذري بأن الأعاجم هم الذين قد كرهوا نقصانها فسميت مكروهة، وذلك لسببين:

الأول: هو أن كلمة الأعاجم في العهد العباسي عادة ما تعني الروم أو البيزنطيين -أعداء المسلمين من الأعاجم- وهؤلاء لا يتعاملون بالدراهم الفضية، بل إن عملتهم الغالبة هي الذهب والنحاس.

أما السبب الثاني فهو أن الكراهة لو كانت قد عرفت عن جهة أو دولة معينة لا بد أن تنتشر في أوساط تلك الجهة أو الدولة، وليس في أوساط المجتمع الإسلامي الذي يكون معني بنفي تلك الصفة غير المرغوبة عن نقوده لا أن يروج لها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة