جنوب الصحراء الليبية، وفي الطريق الذي يربط مدينة براك الشاطئ ومدينة سبها، تقع واحدة من أجمل المناطق التي تمتلك سحرًا خاصًّا في الجغرافيا الليبية الفريدة، وموقعًا من أهم معالم الجذب السياحي الليبية، منطقة "رملة الزلاف" في صحراء أوباري.
حيث تتناغم أشجار النخيل مع عيدان الخيزران والقصب والأكاسيا الخضراء وسط مجموعة من الوديان والهضاب الرملية الذهبية، التي تحتضن مسطحات مائية من البحيرات العجيبة، يتجاوز عددها عشر بحيرات، وتقدم مشهدًا طبيعيًّا ساحرًا يأسر القلوب والعيون والعقول.
اقرأ أيضاً الصحراء السوداء والصحراء البيضاء في مصر وأهميتهما في السياحة البيئية
ظواهر الجذب السياحي الطبيعية بالصحراء الليبية
تُعد زلاف الرملية وبحيرات أوباري أكبر معالم الجذب السياحي في الجنوب الليبي، حيث تحتضن الطبيعة مجموعة من المناظر الخلابة والساحرة، وسط الكثبان الرملية الذهبية الناعمة، التي تجذب عشاق التزلج على الرمال واكتشاف الحياة البرية والطبيعية. ورغم تزايد ارتفاع درجات الحرارة بالمنطقة، وعدم الاهتمام الحكومي بتطويرها، والإهمال الذي يضرب تفاصيل الحياة بها.
لكنها كانت تمثل في الماضي القريب بؤرة جذب للسياح الأجانب وراغبي السياحة العلاجية من مختلف الجنسيات، قبل أن تتحول لمأوى للعصابات الإجرامية ومسرح للعمليات العسكرية للجيش الوطني الليبي.
يطلق السكان المحليون على المنطقة اسم "رملة الداودة"، ويسكنها غالبية من الطوارق، وأقلية من التبو والقبائل العربية، وعلى نحو كيلو مترات عدة من أقرب المناطق السكنية بالوادي، تقع بحيرات "أم الماء" و"قبر عون" و"واو الناموس" و"أم الرصاص" و"أم الحصان" و"أم الحسن" و"طرونة" و"المندرة".
وتوجد أيضًا مجموعة أخرى من البحيرات الصغيرة ذات الشهرة الأقل التي يكتسي بعضها باللون الأحمر نتيجة نمو عدد كبير من القشريات بها، وتحتوي تلك البحيرات في معظمها على المياه المالحة، المشبعة بالأملاح والكربون والكبريت، إضافة إلى بعض العيون العذبة.
اقرأ أيضاً الصحراء الكبرى | خرائط الصحراء الحديثة واكتشافاتها
تاريخ قديم وجغرافيا فريدة
لصحراء أوباري ومحيطها الجغرافي تاريخ عريق، حيث أسس "الجرمنت" في محيطها دولة قوية، قبل أن تصبح جزءًا من إمبراطورية "كانم" التي أسسها التبو لتشمل أجزاء من دول ليبيا وتشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون. وفي هذا الإطار يقول "عبد الناصر الشتيوي" أستاذ التاريخ بجامعة سرت، في تصريحات لرصيف22: إن المنطقة الجنوبية للصحراء تعد ضمن إقليم فزان، حيث نشأت الحضارة الجرمنتية في صحراء ليبيا عام 900 ق.م، وقد مرت المنطقة بمراحل حضارية وثقافية متعددة.
وهو ما أضفى عليها طابعًا فريدًا، بدءًا من مرحلة الجرمنتيين مرورًا بإمبراطورية "كانم" الإفريقية، ودولة أبناء الشيخ محمد الفاسي الإدريسي، قبل سيطرة الدولة العثمانية عليها، ثم الاحتلال الإيطالي للإقليم، وسيطرة الفرنسيين عليه خلال الحرب العالمية الثانية، وظل الإقليم تحت السيطرة الفرنسية حتى عام 1951م، عندما أصبح جزءًا من المملكة الليبية المتحدة، بعد استفتاء أجراه مواطنو فزان.
ويقول الدكتور "حسن الجديدي" أستاذ النظم الجغرافية بجامعة طرابلس: إن مساحة صحراء أوباري التي تصل إلى 60 ألف كم بين وادي الشاطئ في الشمال ووادي الحياة في الجنوب، تُعد منطقة غنية بالعديد من الثروات الطبيعية مثل الغاز والنفط والذهب واليورانيوم والحديد، إضافة إلى معالم الحياة البرية والطبيعية الخلابة.
وتحتضن المنطقة أيضًا كثيرًا من الثقافات المتنوعة بحكم عمقها التاريخي وموقعها كجسر للتواصل بين الشمال الإفريقي ووسطه، مشيرًا إلى أن بحيرات منطقة زلاف الرملية هي آخر ما تبقى من بحيرة فزان الكبيرة القديمة، التي تعرضت للجفاف منذ مئات السنين بسبب عوامل طبيعية عدة.
ويعتقد "الجديدي" أن نشاطًا بركانيًا ضخمًا قد حدث خلال العصور القديمة في مناطق شمال شرق ليبيا، وقد أدى هذا النشاط إلى ارتداد المياه وتراكمها في وادي ناشو القديم عبر منطقة فزان، إضافة إلي احتجاز كمية ضخمة من المياه الجوفية، حيث تشكلت بحيرة فزان القديمة، قبل أن تؤدي العوامل الطبيعية والتغيرات المناخية إلى جفاف البحيرة، وظهور تلك البحيرات الفريدة شاهدة على أطلالها القديمة.
اقرأ أيضاً حقائق عن محمية الصحراء البيضاء
البحيرات وسحر الطبيعة الخلابة
عبر الصحراء الممتدة بالرمال الذهبية الناعمة، وجبال الجرانيت والصخور العملاقة، والأودية والبحيرات النادرة، تثير صحراء أوباري في زائرها كثيرًا من الفضول للبحث في تاريخها، والتشبع بثراء طبيعتها المتنوع، حيث تظهر بحيرة "طرونة" باللون الأحمر الداكن لمن ينظر نحوها من الجو، لذا يطلق عليها البعض "بحيرة الدم"، رغم أن السبب الرئيس لحمرة مياهها هو احتواؤها على عدد كبير من القشريات حمراء اللون.
وعلى بعد كيلو مترات عدة منها تقع بحيرة "قبر عون"، واحدة من أشهر البحيرات في المنطقة، ويطلق عليها البعض "بحيرة الطوارق"، حيث كانت تعيش قبيلة الطوارق على ضفافها، قبل أن تبدأ الحكومة الليبية مطلع تسعينيات القرن الماضي في تهجيرهم كيلو مترات عدة بالقرب منها، في محاولة لاستغلال الإمكانات السياحية الهائلة للبحيرة التي تتميز باحتوائها على عدد من الخصائص العلاجية للأمراض الجلدية المتنوعة، بسبب شدة ملوحة مياهها الكبريتية.
وتحتوي "قبر عون" أيضًا على جملة من الخصائص الفريدة، التي تميزها عن باقي أخواتها من البحيرات في المحيط نفسه، فدرجة حرارة المياه بها مرتفعة على نحو ملحوظ عن مثيلاتها، خاصة كلما اقتربنا من قاعها، وهي أيضًا محصنة وآمنة تمامًا من الغرق، ولم تسجل بها على مدار التاريخ أي حالة غرق، فارتفاع ملوحة مياهها الكبريتية تجعل كل الأجسام تطفو على سطحها، ويمكن أيضًا استخراج المياه العذبة الصالحة للشرب بجوارها، وعلى عمق لا يتجاوز مترًا واحدًا.
وفي جنوب وسط المنطقة يقع جبل "واو الناموس" البركاني ذو الصخور البازلتية السوداء، ويبلغ ارتفاعه 575م، ويُعد واحدًا من أغرب مناطق العالم الطبيعية، فهو يحتضن عددًا من البحيرات الصغيرة متعددة الألوان، والمنتشرة على سفحه التي تتكاثر على ضفافها الأشجار والنباتات الخضراء، وتصل فوهة البركان الخامد أعلى قمته إلى 20كم.
وترجع تسمية الجبل بهذا الاسم نسبة إلى أفواج البعوض التي تنتشر بالمكان على نحو ملحوظ، وتضم المنطقة المحيطة به عددًا من الطيور والحيوانات والحشرات الفريدة، حيث تعد المنطقة مأوى مناسبًا لهم.
اقرأ أيضاً ماذا تعرف عن المملكة المغربية؟.. موقعها وتاريخها
الفرصة الضائعة
في قرية "الزيغن" بوادي النواميس، شمال شرق مدينة "سبها" عاصمة الجنوب الليبي، وعلى بعد كيلومترات قليلة من بحر رمال الزلاف، يعيش "مندور سليمان" أحد المواطنين الذي اعتاد استكشاف المنطقة والتمتع بطبيعتها الخلابة، ومتابعة النشاط السياحي بها. ينتمي "مندور" إلى قبائل أولاد سليمان، ويفخر بكون قبيلته قد ناضلت ضد الاستعمار البريطاني للمنطقة في عشرينيات القرن الماضي، ويصف مندور منطقة "رملة الزلاف" التي تقع شرق قريته بأنها أرض الفرصة الضائعة في ليبيا، ويقول: "هنا موطني الذي لم أعرف غيره.
كانت المنطقة مركزًا سياحيًّا مهمًّا للجنوب الليبي قبل قيام الثورة الليبية في 2011م، وقد حضرت كثيرًا من النشاطات التي تمت بمختلف المناطق بها، مثل مهرجانات التزلج على الرمال التي كان يشارك خلالها سياح أوروبا بكثافة خلال الربع الأخير من كل عام، وسباقات القوارب الشراعية التي كانت تتم على سطح عدد من البحيرات المنتشرة في الأودية الرملية، والحفلات الموسيقية الرائعة التي كانت تنظمها الشركات السياحية بالقرب من معالم الجذب السياحي بالمنطقة".
ويضيف: "كان السكان المحليون من القبائل العربية يقيمون أسواقًا تقليدية لبيع المقتنيات المحلية على ضفاف القرى الخاصة بهم بالقرب من بحر الرمال، وكانت تلقى تلك الأسواق رواجًا كبيرًا بين السياح، ولكن المنطقة باتت تمثل نموذجًا للفرص الضائعة، بعدما كانت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح موقع الجذب السياحي الأكبر في ليبيا.
فقد تراجعت أفواج السياح على نحو كبير بعد تفشي العصابات الإجرامية بالمنطقة، وعدم الاهتمام الحكومي بها، ولولا جهود السكان المحليين من مجابهة المجرمين والحفاظ على طبيعة المكان لأصبح ضمن ذكريات الماضي الجميل بلا عودة".
يأمل "مندور" أن تستقر الأوضاع الأمنية قريبًا في الجنوب الليبي، وأن تستغل الحكومة الليبية تلك الهبة الربانية، بالتخطيط والتطوير، ليعود بحر الرمال - كما يحب أن يطلق عليه - ذو التفاصيل الفريدة، قبلة للسياح ومحبي الطبيعة والحياة البرية، آملًا أن يمنحه الله مزيدًا من العمر علَّه يعاصر إعادة إحياء ذكرياته الخالدة في تفاصيل معالم موطنه المعشوق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.