تهيمن على ثقافتنا عمومًا رغبتنا في الانتصار أو تسجيل النقاط وإثبات قوة ما نسوقه من البراهين والحجج، ولكن هل توصلنا بحق إلى لغة الحوار كما ينبغي أن يكون؟
اقرأ أيضاً عادات وآداب الحوار في مجتمعنا العربي
آداب الحوار
إن الحوار، في صورته المثالية، لا يشترط لحدوثه وجود جمهور، فهو ليس مباراة لكرة القدم، بل يشترط وجود شركاء فقط، يحاور أحدهما الآخر، كما لا يشترط وجود جدول أعمال ثابت، فيوجد طرفان يريدان الحوار ومن ثم تبدأ العملية، وهو من أبرز الأنشطة التي علمتنا وتعلمنا وستعلمنا على الدوام كيف نكون بشرًا في نقاشات طويلة ومتجولة عبر مجالات شتى، من أجل ناتج مهم ولا غنى عنه اسمه: "التفاهم".
في أزمان سابقة، كان من المعتاد أن يتحدث المرء مع الغرباء، وبلهفة في بعض الأحيان أثناء السفر، ولن أنسى قط كيف قامت مسافرة متلهفة لتحاور أمًّا مسافرة كادت طفلتها تسقط من مقعدها على متن أحد القطارات، على الأرض، وتحركت المسافرة كما لو كانت الطفلة ابنتها، وأوصت أمها بأن لا تحرك عينيها بعيدًا عن ابنتها، وتجاذبت السيدتان أطراف الحديث عن أشياء كثيرة تخص رعايتهما أطفالَهما، دون معرفة سابقة بينهما، وربما كانت الحياة اليومية تجعل من الضروري للأفراد التعامل مع آخرين مختلفين عنهم، لذا كان الأقدمون أكثر قدرة، في لحظات عدم القدرة على التنبؤ والصدفة، على استيعاب الاختلاف.
لم توجد قديمًا هواتف ذكية أو لوحات رسائل ودردشات عبر الإنترنت، ربما لأن الحياة كانت تسير بوتيرة أبطأ، ولم يكن كل تفاعل مشحونًا بالمعنى السياسي، فأتيحت لنا الفرصة للتعرف على إنسانيتنا الكاملة، وسرعان ما انقلبت حياتنا رأسًا على عقب، فقابلنا أناسًا طائفيين ووصفنا آخرون بأننا نحن الطائفيون، ويبدو أن ما نحتاج إليه هو العودة إلى الأساسيات: تحسين فن الحوار.
اقرأ أيضاً بعض الخطوات للتعامل الأمثل مع الناس.. تعرف عليها الآن
فوائد الحوار والعلوم الاجتماعية
إن التحدث إلى الآخرين -مشاركة قصصنا وتسليط الضوء على اختلافاتنا- هو السبيل الأكثر رحابة للتعلم وصقل معتقداتنا، واكتساب الكثير من روح المرح والقدرة على التعاطف، ويمكن للحوار أن يغير عقولنا في حين يحافظ على أرواحنا، ويوجد بعض أبحاث العلوم الاجتماعية من جانبها تؤكد هذه المعاني، فقد كشفت دراسة أجريت عام 2018 أن المشاركين الذين أجروا محادثات أكثر عمقًا وجوهرية أفادوا بمستويات عالية نسبيًا من الرضا عن الحياة.
شهدت القاهرة عبر تاريخها الطويل عديدًا من الصالونات التي كانت تحتضن الحوار، التي كانت تخلو من الثرثرة، وكان أشهرها صالون مي زيادة وصالون العقّاد وصالون الدكتور محمد حسن عبدالله، وصالون الدكتور حامد طاهر، وتوجد محاولات عصرية مثل صالون المساء الثقافي الذي تنظمه صحيفة المساء.
وتعد نماذج للمحادثات الجيدة والممتعة عبر التاريخ الأدبي والثقافة الشعبية، وتستمد إلهامها بطريقة كبيرة من مجالات الاهتمام بالأدب والثقافة والثورة على الإطار الرسمي الذي يفرض على الثقافة في أغلب الأحيان، ولكل "متحدث" الحق في أن يعلن عن نفسه بنفسه في أجواء تتسم بكثير من الحيوية.
اقرأ أيضاً فن الحوار والتخاطب.. تعرف على أثر الكلمة في النفس
الحوار مع العائلة
على مستوى العائلة والبيت، ينبغي أن تنشأ لغة الحوار في سياق الزواج كما يحدث غالبًا في الشراكات الأخرى طويلة الأمد كافة، إذ يندمج قاموس الزوج مع قاموس زوجته، ما تنتج عنه مصطلحات مختصرة، وإيقاع وأسلوب مميزان، يلفهما الشعور الإيجابي بالتفاهم والارتياح، وكذلك الوقوع في الحب مع شريك نتعامل معه بصراحة ونقاء وبدون تزييف.
وبالطبع، يبدو الدفاع عن الحوار ضروريًا إذا شعر المرء أنه يتعرض للهجوم، وعندما يصبح معرضًا للخطر من قبل مجموعة متنوعة من القوى: الاستقطاب السياسي، والشبكات الإعلامية وتوافق التفكير الجماعي، فلا يزال مجتمعنا حافلاً بالمحادثات السيئة.
يرجع ذلك جزئيًا إلى أنه يتمتع بمحتوى ترفيهي أكثر على الإنترنت والتلفزيون، وهذا المحتوى هو ما يدفع الكثيرين إلى إغلاق فمهم وبالتالي لا يمثل الحوار بالنسبة لهم إغراءً كبيرًا للخوض فيه، أو محاولة التعلم منه، ويحتاج مجتمعنا بشدة إلى استصلاح الرقعة الحوارية التي صارت جدباء، والتعامل مع الحوار الحقيقي الإيجابي كنوع من الملاذ الآمن ضد الانغلاق على الذات.
فريضة مهجورة
الحوار في الأسرة والمجتمع والمدرسة والمسجد والكنيسة يبني ولا يهدم
الحوار في الأسرة والمجتمع والمدرسة والمسجد والكنيسة يبني ولا يهدم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.