قد درس الكاتب أدب الدكتور ألبي في كثير من كتاباته.
أدب الدكتور عيسى ألبي
اقرأ أيضاً الواقعية عند الشاعر السبتي وبعض قصائده
ديوان الكاتب عيسى ألبي في الرياض
إن فيها لأدبًا راقيًا، وفكرًا ناميًا ساميًا، والشاعر في العنان، ورياضه للشعر خير الجنان، وهي حاضنة الخواطر في القرى والحواضر، والشاعر كانت شاعريته سامقة، ومشاعره شاهقة، وأضواؤه الأدبية بارقة، وثماره الشعرية باسقة، يقطفها البيض والأفارقة، وعواطفه أبوابَ الإبداع طارقة.
وقد قُطِفَتْ في حديقة شعره ما يتذوقه اللسان ويعجز عنه البيان. والشاعر معروف، وأدبه مألوف، وثمره مقطوف، يقول الشعر وتتجلى قرائحه، ويمدح وتتسم مدائحه، وبالرصف خياله محفوف، وله من الآيات والأشعار اقتباس، وأدبه في غياهبَ نبراس، ولا يوجد في شعره وسواس، يفهمه عنه الناس.
وهذه الرياض فيها ما يروق، والأشعار فيها إليها النفوس تتوق، والأزاهير فيها تتدنى، وهذا المقام لا يتسنَّى، وهذه ما ساق من الأفكار الناضجة:
شعراء هذا الجيل إني منكم امشوا حثيثا دائمًا تتقدموا
نَلْقَ الذين مضوا بكل روائــع ونوادر، لا تضعفوا لا تحجموا
وهذه من الأودية الدفاقة، وتحلو في هذه الجِواء من هذه الإشراقة، يحث الشباب على التقدم، وينفخ فيهم من أرواح الترنم، يريد أن يسعوا على تلك الدروب، ويهبوا على هذا المنوال خير هبوب، ويتحفوا الكونَ باللحن الطروب.
اقرأ أيضاً تميم البرغوثي.. لماذا هذا الشاعر تحديداً؟
اقتباسات الكاتب ألبي من المعري
وقد وجدناه يقتبس من المعري، وينتفع منه بكل التحري، يقول في مدحه للمولد النبوي:
قد هاجموا البيت الحرام جهالة ما هذه الشنعاء أمَّ دفار؟
فمعنى (أم دفار) أي الدنيا، يقول المعري في لزومياته:
دنياك تُكنَى بأم دفر وليس تكنَى بأمِّ حسن
وقد اقتبس من الحُطيئة، الشاعر المعروف بالخطيئة، ويقول شاعرنا:
الشعر صعب نظمه وبناؤه أركانه معنى جميل يسحر
فالشطر الأول مستوحى من قول الحطيئة حيث يقول:
الشعر صعب وطويل سُلَّمُهْ
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمُهْ
وتارة من القرآن الكريم، ويقول:
والله قد أحسنت صنعك كله لا عاش شانئك الذي هو أبتر
قال الله تعالى: ((إن شانئك هو الأبتر))
ومن الأمثال العربية:
فإذا كبرت فمستحيل أن أرى إلا "البغاث بأرضنا تستنسر"
فالمثل العربي: "إن البغاث بأرضنا تستنسر" مجمع الأمثال للميداني
ومن الحديث القدسي، يقول:
أنفقوا، ينفق الإله عليكم كان ربًّا مهيمنًا رزاقا
جاء في الحديث القدسي: {يا ابن آدم أَنفقْ أُنفقْ عليك} الحديث القدسي للمقدسي.
ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
قد حفظنا كلام أكرم الخلق قائلًا: {أبغض الحلال الطلاق}
لقد ضعَّف هذا الحديث الألباني وغيره من المحدثين: {أبغض الحلال إلى الله الطلاق}.
ومن القرآن تارة أيضًا:
ألا... تلكم أمة قد خلت تعلمنا اليوم سر البقاء
قال الله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت} الآية.
يقول عن نفسه حول الشعر:
غلب الشعر فكرتي وخــــــيالي
فاعذروني إن نظمت مقـــــالي
أيها الشعر أنت رمز جمــــــالٍ
وحكمة الله عقل الرجــــــــــال
أنت عندي في خفة القطن
سهل ولدى البعض أنت مثل الجبال
ومن القرآن أيضًا:
هم فتية آمنوا بالله ربهم فزادهم في عباب الشرك إيمانا
قال الله تعالى: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} الآية.
واقتباس من قول أحمد شوقي:
لا يصنع المجدَ قومٌ لا تراث لهم ولا تراث بغير العلم أحيانا
واقتباس من قول الشاعر:
لهينك اليوم تعميم يباركه أهل الصلاح زرافات ووحدانا
فقوله: {زرافات ووحدانا} مقتبس من قول الشاعر قريط بن أنيف العنبري التميمي الجاهلي:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا
واقتباس من القرآن أيضًا:
لا توقفوا توزيعها أبدا فالعسر يأتي بعده يسر
قال الله تعالى: {إن بعد العسر يسرًا} الآية.
يقول في وصف حال الناس مع الشعراء في المجتمع:
شعر يقال لدى العجم
عسل يقدَّم للــــــصــــنم
كاللحن يعزف للصفاة
فلا يطيب لها الــــنغم
فتظل ثابتة الــــــجوا
نب لا حبور ولا ألــــــــم
ويل لشاعر أمَّــــــــة
في أذنها داء الصــــــــمم
لا يستفيق إذا دعـــــا
ها، وهي تغرق في الظلم
فتراه يرثي حالهــــــا
ويذوق حنظلة النــــــــدم
ويذوب مكلوم الـــفؤا
د يعيش مهضوم الذمــــم
ويخاف حين يسوقـــه
سحر البيان إلى القلــــــــم
إني أبث نوادر الــــــ
فصحى، وآتي بالحـــــــكم
لكن شعبي لا يقـــــــا
بلني بموفور الكــــــــــرم
ويظن ذلك نعـــــــمةً
تهدى إلى أهل الـــــــرمم
والعبقرية غـــــــــايةٌ
يسعى لها باغي القــــــمم
واصل مسيرك إنـــما
تسعى لتنتفع الأمــــــــــم
رتل أناشيد الحـــــــيا
ة برغم قلة من فهــــــــــم
يأتي غدا مـــــن همُّه
نشر الجميل بلا ســــــــأم
فيرى الجميع بأن شعـ
ري فيه آيات الحـــــــــكم
اقرأ أيضاً محمد اللغافي الشاعر الذي لا يشيخ
الشاعر الألبي وإعراض الناس عنه
في هذه الأبيات وجدنا الشاعر يصف إعراض الناس عنه، وانصرافهم عن الأدب الراقي، ويشكو حالهم وجفاءهم، ويظهر ما فيهم من ضعف الذوق العالي، وعدم ارتقاء إلى قمة علياء يرومها الناس أو نالها الشاعر نفسه، وما ذلك إلا لأنهم لم يدركوا شأوَه، ولم يعرفوا له مغزى، والناس مع الشعر تعامُلهم غير مرضيٍّ عنه؛ لأنهم يعدون الشاعر يضيع الوقت، ويهدر أوقاته فيما لا نفع فيه، ويهذي هذيانًا حتى لم يفهمه أحدٌ.
لقد قرب هذا الذوق من مدارك الناس حتى يوفوا له حقه ولا يبخسونه أبدًا.
ويحاكي عبد العزيز عتيق حيث يقول: "آسفًا حزينًا على أن الناس لا يقدرون الشعراء.. ولا يسمحون لهم بالتغني والتغريد:
يا ضيعةَ الشعراء قد
هانوا وليس لهم محــــــب!
أنغامهم خفتت وكـــا
نت ما أرقَّ وما أحـب!"
اقرأ أيضاً الشاعر علي محمود طه وقصة القبلة التي لم تنشر!
نقض الديوان والقضايا البلاغية فيه
أما نقد هذا الديوان فهو أمر يستعصي، وتناول ما فيه من القضايا البلاغية لا أستقصي، إلا إن فيه إشارات إلى بعض المواقف، وبيان ما فيه من المعارف، استنادًا إلى أقوال العلماء، فمن ذلك قوله:
قد لاح نورك في سمائك يثرب هو في التلألؤ مبهر الأبصار
فــ(مبهر) عده اللغويون خطأً، والفيومي لم يسقْ في معجمه إلا مادة: "بهر يبهر بهرا" غلبه وفضلَه، إلا إن الزمخشري في (أساس البلاغة) ساق: (أبهر) بمعنى أهلكه، فلا يمكن القول إن النور يهلك، بل يسطع ويغلب الظلام، والزمخشري جاء بالخماسي من هذا الفعل فقال: بهره الحمل أو العدو فانبهر.
وابن فارس في مقاييسه يقول:
(بهر) الباء والهاء والراء أصلان، أحدهما الغلبة والعلو، والآخر وسط شيء.
أما الأول: (فقال) أهل اللغة: البهر: الغلبة، يقال ضوء باهر، ومن ذلك قولهم في الشتم: بهرًا: أي غلبه... إلخ.
ومن قوله:
وإذا تسول عالمٌ يعطَى قليلًا من نوال
فـــ(تسول) عده النقاد خطأ، فالصحيح سأل لحديث مروي: {إذا سألتم فاسألوا الله}.
ومنه قوله:
قد أوقف العزَّاب أمر زواجهم لمتاعب الإنفاق والإسكان
فــ(فأوقف) يعارضه علي الطنطاوي وغيره مستدلًّا بقوله تعالى: {فقفوهم إنهم مسؤولون} بدون ألف زائدة
*السباعيات:
إن شاعرية هذا الشاعر لشيء عجاب، كأنه بحر له اندياح وانسياب، بل لا تغيض وإنما تفيض، وهو في كل عباراته وأخيلته مريض، وفكره بما يحويه عريض، ويتلاطم بهذه الأمزجة والأحاسيس القريض، أبدع في الرياض، كأنه في زهده القاضي عياض، ولا يحجب قرائحه إلا البياض، سدَّل لنا في دواوينه ما لا تصفه الألسنة، وتخزن هذه المعادن الأزمنة، عرفه بهذه القيثارة العُرْبُ، وفهم مضامين شعره النُّجُبُ، ولا يأخذه في كل ما يفعله العُجْبُ، وإذا صبَّ في قالَبه الرونق انصبَّ، وإذا أراد وصف شيء فعلى ديباجه انكبَّ، كتب الأشعار وفكره ما تعب، وعبقرية الصانة عبَّ.
ففي السباعيات كشف عن القناع، وأفاد وأجاد بالإمتاع، وأبدع فيها أحسن إبداع، وأودع أشرف إيداع في الجُمَل، ولم يخب في الأمل، لقد أصاب عينَ الصواب، فصار بذلك من أولي الألباب، وبلغ أقصى الآداب، فحاز بذلك أروع الألقاب.
فمن أحسن ما قال في الشعر قوله:
ما أحسن الشعرَ والقرطاس والقلما
إذا تحقق للإنسان ما اعـــــــــــتزما
حيُّوا جهودَ مجيدٍ للقريــــض رأى
بين المجيدين عرش الشعر فاستلما
لا ينشر الشعر إلا بعد غربلــــــــةٍ
وشعره يحتوي الآدابَ والحِكَمــــــا
من دقة النظر نسأل أنفسنا هل للشعر عرش؟
نعم! لمن استطاع أن ينال العلا في الفهم والإفهام والإظهار دون الإبهام، وكشف الأوهام، وتسديد السهام لنيل المرام.
للشعر عرش يعتليه كفؤ، ولا يعتليه رعديد، من هو في الإنشاد غرِّيد، وفيه للقصور تشييد.
ويقول عن ماهية الشعر:
هدية الأم مني باقة الشعر والشعر أفضل ما يُهدَى لمن يدري
نعم لقد صدق، ودرُّه ما افترق، وفي كلامه ما اختلق، فالشعر لا يفهمه إلا واعٍ، وهو للعبارات والأخيلة مراعٍ، لمن في الشعر من دواعٍ.
ويقول عن شيء يكاد الباقون لم يدركوه:
كل من كان خلقه شاعريًّا هو دومًا في حالة المحتار
ربما يفسر هذا الاتجاه شعره إلى إيليا أبي ماضي:
كنتَ حيران فلا نطــــ لب للحيران عذرًا
يدرك القارئ ما يريده، ولا يبعد عما يفيده، لأن عادة الشعراء الحيرة، وعادة بعض الناس الغيرة، مثل حال أبي العلاء المعري، عاش في الارتياب دون الجلاء.
وله اقتباس من القرآن كما هو العادة، وله الإبداع كما يفعله السادة، يقول:
ظهر الفساد فهل بقي إلا العبادة للتقي
قال الله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس}
ويقول عن نفسه فخرًا:
أنا من كلم بالشعر العقولا ويرى بالحلم والحسنى السبيلا
شاعر يخطر في أفكـــاره كيف يرقى سُلَّم المجد نبيـــــلا
فالشطر الأول من البيت الأول مقتبس معنًى من بيت المتنبي، حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعتْ كلماتي من به صممُ
ويسوق حكمة:
كل من يعرف ما يسعى له يحمل المانع باصبر فتيلا
ويقول في معارضته لشوقي:
رمضان ولَّى رحمةَ الخلاق ترك القلوب تذوب في الأشواق
وشوقي يقول:
رمضان ولَّى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى المشتاق
بهذه القصيدة التي سقت مطلعها شُكَّ في إيمان شوقي، وذهب بعض المحللين إلى أنه يحكي عما يدمن على شرب الصهباء في زمنه.
وله قصيدة في وصف الجوال المحمول:
آلة مثل علبة الكبــــــــريت
صوتها مثل رنة العــــفريت
نفعها لا يقاس يحـــــمل كلْ
لٌ عـــقيل مكرَّم خرِّيــــــــت
هي أغلى رفيقةً تحمل الصو
تَ إلى الناس غير حُــــوِيْتِ
آية العلم حركت بــــــصداها
كل ساج وهامدٍ وخـــفــــيت
هاتف العصر ناعم وجميـــل
خفَّ حتى حكى ذبــالة زيت
قرب البعد للأنام ويأتيــــــــــ
ك بصوت من تحب حَمِيت
فاقتـــناء (المحمول) والله غنم
فاحفظوه من ناقص وخبـــيت
نرى الشاعر واصفًا دقيقًا، ويملك عقلًا عميقًا، ولسانًا خليقًا، أبدع وأتى بعجبٍ، فكَّر فجاء بأحسن أدب، وارتقى في أقرب سبب، فنراه تارة يقول آلة، وعلبة، والكبريت، والرنة، والعفريت، ما علاقات هذه الأوصاف؟
ليست هذه الأوصاف هي العاملة، وليست هذه الأوصاف إلا كاملة، ولكن أوصاف من صنيع شاعر ذي حسٍّ مرهَف، وشاعر مفلق ذي خيال مضعَّف، ثم يبين فائدة الجوال، في كل الأحوال بأطيب الأقوال. وقفز إلى وصف قيمتها في المجتمع، في أروع الوصف المرصَّع.
وله اقتباس من القرآن:
قذفوا الرعب في قلوب العباد واسألوا الدماء في كل واد
قال الله تعالى: {وقذف في قلوبهم الرعب} الآية.
ويقول:
سألت الشعر في جوف الظلام
وقد أوليته جلَّ اهتمـــــــامي
أفنٌّ أنت أم علم يُــــــــــــــرامُ
أجبْ وسلمتَ من عيبٍ وذام
فحرك عِطفه ليجيـــــــب: إني
قوام بين ذلك بالـــــــــــتزام
إذا ما العلم أخرجني وحــــــيدًا
ثقلت وكنت في ثوب رُمــام
ولا نبض الحياة على
سطوري فتلقاني عديم الانتـــــــــظام
ولا معنى ولا ســـــــحر
يُرجَّى فيهجرني النقاب من السقام
إذا ما الفن لازمنـــــــــــي
فإني لسحر سالبٌ لبَّ الكـــــرام
رأيناه يناجي شعره، ويلامس فكره ودره، ويتكلم على لسانه، ويجرف الإبداع من بيانه، وينبع السر من بنانه، ويتفوق على من في زمانه.
ويقول أيضًا:
لمس الفن مهجتي بحنــــــــان
فأفاق النؤوم من ألحــــاني
لمح الحسنُ شاعر الجيل فانفلقْ
واصفًا ما يشق من ألـــوان
يا بديع البيان صمتك غنـــــــم
لدعي القريض في الأزمان
فاملأ الكون نشوةً وغنــــــــــاءً
في رقي الحياة يشــــتركان
وأر القلب في دجى اليأس والخو
ف شعاع الأمان والإيــمان
أترع الكأس للمعذَّب آمــــــــــــا
لا فقد ذاق حرقة الحرمـــان
أودع الله بلسم القلب في الشعـــــ
ر فلازمه عاشــــق الأوزان
لقد قال وما قال، وصدق وسرَّى عنا الأثقال، إن من لا يصبو إلى الشعر لن يروِّح عن نفسه، ولن يبحث عما في حسه، في أمنه ولا يأسه، ولا يشرب لذة كأسه.
أخيرًا عن الدكتور، فإن الدراسة حول قصائده تتوقف هنا إن شاء الله تعالى، وللحديث عن شعره موضع آخر غير هنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.