تعرف على أحداث معركة كرها "حران" سنة 53 ق.م

لقد أطمع الاستيلاء على أهم سوق للتجارة الشرقية القادمة عن طريق الجزيرة الفراتية إلى شرق البحر المتوسط الرومان، للاستيلاء على المركز الرئيس لتوزيع تلك التجارة، أي الاستيلاء على بلاد بابل العراق.

وقد شجعهم على ذلك الفوضى التي انتابت البلاط الفرثي عقب وفاة الملك فرهاد الثالث سنة 60 ق.م، وسببها النزاع بين ولديه مهرداد الثالث 60-56 ق.م وأخيه الأصغر أرد الأول على العرش.

اقرأ أيضاً تاثير الحرب الاهلية علي حنوب امريكا

انفراد حاكم سوريا الروماني بالحكم

وقد وجد حاكم سوريا الروماني جابينوس Gabinius 57-55ق.م في استنجاد مهرداد الثالث وطلب مساعدته إياه ضد أخيه أرد الأول فرصة طيبة للتدخل في الشؤون الداخلية للدولة الفرثية، فأظهر استعداده لتقديم تلك المساعدة.

لكنه ما لبث أن عدل عن رأيه ملتفتًا إلى شؤون مصر، أما مهرداد الثالث فبعد أن يئس من مساعدة حاكم سوريا الروماني له عاد إلى بلاد بابل، ولم يتوانَ عن أداء أعمال من شأنها أن تبعد أخاه أرد الأول عن منافسته، لكنه لم يستمر طويلًا، إذ ما لبث أن تمكن أخوه من أسره وقتله في بابل سنة 56 ق.م، وبذلك انفرد أرد الأول بالحكم 56-37 ق.م.

وفي سنة 55 ق.م عين القائد الروماني كراسوس Crassus حاكمًا على سوريا، وإلى جانب السبب الأساسي وهو السيطرة على المنفذ الرئيس لتوزيع التجارة الشرقية، فقد رغب كراسوس في الحصول على مجد عسكري وتخليد تاريخي يوازي ما حصل عليه القائد بومبي، لذلك أغار في صيف سنة 54 ق.م على الأراضي الفرثية.

ربما قصد منها استطلاع قوة عدوه والوقوف على مدى استعداداته الحربية، إذ تذكر المصادر أنه اكتفى بتخريب موضع فرثي على الحدود، ثم عاد في السنة نفسها إلى سوريا ليقضيَ فصل الشتاء في عاصمتها أنتيوخيا، وفي حين هو هناك إذ زاره ملك أرمينيا أرتافاردس الثالث Artavardes111 34- 56ق.م وعرض عليه أن يجعل من أرمينيا -وهي بلد صديق وحليف لروما- قاعدة تنطلق منها الجيوش الرومانية إلى العاصمة الفرثية طيسفون.

ويذكر أنه تحدث إلى القائد الروماني كراسوس قائلًا: "إذا حاربت من أرمينيا مع الفرثيين فإن فرسان الجيش الفرثي لا يتمكنون من عمل شيء، وسينتصر مشاة الجيش الروماني الذي اعتاد القتال في المناطق الجبلية"، وأظهر استعداده لمساعدته بتزويده بستة آلاف فارس من فرسانه.

اقرأ أيضاً كيف كانت أثيوبيا سببا في اشتعال الحرب العالمية الثانية

الفرثيين وموقف الحرب

أما عن الموقف الفرثي، فإن انسحاب القائد كراسوس قد وفر لهم فرصة تهيئة الجيش وتنظيمه والاستعداد للدفاع، ويذكر أن الملك أرد الأول أرسل إلى القائد الروماني كراسوس مع رسوله رسالة يقول له فيها: «إذا كان جيشك هذا قد أرسل بإرادة الرومان لمحاربتي، فإني حاربت ولم أخشَ أسوأ عواقب الحرب.

ولكن إذا كنت يا كراسوس تتطاول على أرضي وتغزو تخومي دون علم بلادك وخلافًا لرغبتهم، سعيًا وراء المنافع والمجد الشخصي كما فهمت، فإني مستعد للعفو عن تفاهتك، وسأعيد أولئك الجنود الذين هم أسرى أكثر من كونهم حراسًا لك سالمين إلى أوطانهم»، فأجاب القائد كراسوس الرسول الفرثي بقوله: «سأرد على ملكك في سلوقية»، فأجابه الرسول باستهزاء: «إذا كان من الممكن أن تنبت شعرة في كف يدي فإنك سترى سلوقية».

يبدو من مضمون تلك الرسالة ومن رد رسول الملك الفرثي على القائد الروماني كراسوس أن الفرثيين قد أدركوا أن الحرب لا بد أن تقع بين الطرفين، وأنهم قد استعدوا للمواجهة والرد على أي اعتداء على أراضيهم، لا سيما أن انسحاب كراسوس في المرة الأولى قد وفر لهم فرصة لذلك الاستعداد.

اقرأ أيضاً حروب الإنسان ضد الإنسانية

الفرثيون وفوزهم على الرومان

وفي ربيع سنة 53 ق.م تقدم القائد الروماني كراسوس بجيش مكون من 42 ألف جندي لمحاربة الفرثيين والاستيلاء على عاصمتهم سلوقية، لكنه لم يستمع إلى نصيحة الملك الأرمني أرتافاردس الثالث في أن يجعل من أرمينيا قاعدة لانطلاق جيوشه، وفضل عبور نهر الفرات ومهاجمتهم عبر أراضي الجزيرة الفراتية.

أما الملك الفرثي أرد الأول فقد رد على ذلك التقدم باقتحام أرمينيا وتخريبها، ما جعل ملكها أرتافاردس الثالث لا يتمكن من إرسال فرسان جيشه لمساعدة كراسوس، وفي الوقت نفسه أرسل قائده سورنا Surena ومعه غالبية الجيش الفرثي لمحاربة كراسوس، الذي واصل تقدمه في أرض الجزيرة الفراتية حتى اقترب في السادس من يونيو سنة 53 ق.م من مدينة كرهاحران.

ويبدو أن الفرثيين كانوا مستعدين لتلك المعركة استعدادًا تامًا، إذ انطوت خطة القائد سورنا على إخفاء القسم الأكبر من الجيش وأسلحته والخروج للعدو بعدد قليل، ظن معه كراسوس أنه سيتمكن من أن يحسم الأمر لمصلحته في وقت قصير، ولذلك أوعز إلى جيشه بأن يبدأ الحرب.

وما إن تحركت الصفوف الرومانية حتى تعالت دقات طبول الجيش الفرثي وتجمع الفرسان الفرثيون المختبئون من كل جانب، فدخلوا المعركة التي حدثت في السادس من يونيو سنة 53 ق.م.

ولم تكن السهام الرومانية مؤثرة وفعالة في مواجهة فرسان الجيش الفرثي؛ لأن الفرثيين كانوا يحاربون من بعيد نظرًا لمهارتهم في رمي السهام، وعندما اقترب مشاة الجيش الروماني استخدم فرسان الجيش الفرثي أسلوب الكر والفر، أي يحاربون مدة ثم يفرون من كل ناحية، ويلقون بسهام معوجة حتى يسحبوا الرومان إلى مكان لا يتوافر فيه الماء أو المؤن، ثم يعودون من كل جانب ويحملون على الفرق الرومانية ويصيبونهم بالخسائر.

وبينما القتال مستمر، إذ وصل لمساعدة القائد الروماني كراسوس ابنه فابيوس Fabius على رأس جيش مكون من 6 آلاف مقاتل من الجنود الغاليين من فرنسا، وتشير المصادر إلى أنه على الرغم من استبسال الغاليين في القتال فإن الفرثيين أبادوهم فلم يبقَ منهم إلا عدد قليل، وأن فابيوس عندما رأى ما حل بجيشه أمر أحد جنوده بقتله تخلصًا من العار.

غير أن الأمر لم يستمر طويلًا، إذ سرعان ما قتله الفرثيون، وبالتأكيد أن قتله زاد عزيمة الجيش الفرثي وجلدته في القتال، فتذكر المصادر أن الفرثيين عقب ذلك الانتصار، ضيقوا الخناق على الجيش الروماني الذي حاول التخلص من هجمات فرسانه بالانسحاب إلى الشمال أي إلى أرمينيا، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب خطأ ارتكبه الدليل الذي استعانوا به ليدلهم على الطريق.

وعندئذ دبر القائد الفرثي سورنا حيلة للإيقاع بالقائد الروماني كراسوس، فتظاهر له برغبته في عقد الصلح بين الطرفين، فوافق كراسوس واتفق الطرفان على أن يذهبا إلى كرها حران بالقرب من نهر البليخ للتوقيع على ذلك الصلح، ويبدو أن كراسوس لم يكن مطمئنًا لنيات القائد الفرثي، فأوعز إلى قادته باللحاق به، وما إن اقترب كراسوس من صفوف الفرثيين حتى نشبت معركة بين الطرفين، وذلك في التاسع من يونيو سنة 53 ق.م قتل فيها كراسوس نفسه.

اقرأ أيضاً أيام الأوس والخزرج

خسائر الجانب الروماني

وتختلف المصادر في تقدير خسائر الجانب الروماني، فبعض المؤرخين يشير إلى أن الجيش الروماني خسر في تلك المعركة ثلاثة أرباعه، ويحدد بعضهم الآخر عدد من قتل من الجنود الرومان بعشرين ألف رجل، وبلغ عدد من وقع في أسر الفرثيين عشرين ألفًا أيضًا.

في حين يحدد أخرون عدد الأسرى بعشرة آلاف جندي، نقلوا إلى مدينة مرو، أما القائد الروماني كراسوس فقد حملوا رأسه إلى الملك الفرثي أرد الأول الذي كان في ذلك الوقت في أرمينيا يحتفل بزواج ابنه باكروس Pacorus من أخت الملك الأرمني أرتافاردس الثالث، وهذا يعني نوعًا من المودة والصداقة سادت بين الفرثيين والأرمن.

ويذكر المؤرخ Plutarch أن الملك الفرثي أرد الأول بعد أن حمل إليه رأس القائد الروماني كراسوس، سكب ذهبًا مصهورًا في فمه وهو يقول: "أشبع نفسك الآن بما لم تشبع منه في حياتك".

وكانت لتلك المعركة نتائجها المهمة على الجانبين الفرثي والروماني، ففي ما يتعلق بالفرثيين فإن ذلك الانتصار مكنهم من استعادة ما فقدوا من ممتلكاتهم في غرب نهر الفرات، وعادت حدودهم إلى ما كانت عليه في عهد الدولة الإخمينية، وفي ما يتعلق بالرومان فإن خسارتهم في تلك المعركة وضعت حدًا لتوسعهم في آسيا الصغرى منذ ذلك الوقت فصاعدًا، ويذكر أن الفرثيين خلدوا انتصارهم هذا بأن زينوا معابدهم بالأعلام الرومانية التي كان منقوشًا عليها صورة العقاب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة