اجتمعت في الوليد بعض الصفات التي جعلت الرعية تثور عليه، ما مكَّن أعداءه منه، وأدى ذلك كله في النهاية إلى التخلص منه قتلًا بيد أقربائه، يساعدهم في ذلك الرعية الغاضبة منه، إن حقد هشام بن عبد الملك على الوليد جعله يملأ الدنيا عليه نقدًا وتشهيرًا، فما إن وصل الوليد إلى السلطة، حتى كانت صورته في نظر الناس بأنه ذلك الإنسان اللاهي الفاسق، غير المهتم بشؤون رعيته، وقد ساعدت بعض صفات الوليد في تثبيت هذه الصورة عنه، وإن انتقامه من أبناء عمه هشام جعلت أهل الوليد وأقرباءه يغضبون منه، فراحوا يمعنون في التشهير به، ونشر الدعاية السيئة ضده وتكفيره، وعلى رأسهم ابن عمه يزيد الثالث، الذي كان يظهر النسك والتقوى، والناس إلى أمثاله أقرب وأميل.
اقرأ أيضًا معلومات عن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك
خلاصة القول في أخلاق الوليد وسلوكه
قد ذكر السيوطي بعض الأخبار والصفات الذميمة عن الوليد، كان قد نقلها عن بعض المؤرخين، مثل: شرب الخمر وإهانة القرآن الكريم… إلخ.
وخلاصة القول في أخلاق الوليد وسلوكه فبعض الروايات فيها مبالغة واضحة، وما يقود إلى الاعتقاد بوجود تلك المبالغة هو وجود الثورات الكثيرة التي طالبت بالثأر من قتلته، وقد تمكن أتباعه ومؤيدوه من الثأر للوليد، وإخراج جثة يزيد بن الوليد وصلبها في عهد مروان بن محمد، ولا يعقل أن ينال رجل فيه كل ذلك الفسق الذي بالغ فيه هذا التأييد كله من واضعي الروايات من أعداء بني أمية، لكن المصادر جميعها تتفق على فساد خلقه وآثامه، وإن الأشعار التي قالها أو نسبت إليه تدل دلالة واضحة على شخصيته المبتذلة، فضلًا على الأدلة الأثرية الإسلامية في وسط صحراء بلاد الشام، إذ كان الوليد الثاني يقضي أيامه مع أصدقائه وخاصته، وهذا دليل آخر على سلوك الخليفة وغيره من أمراء بني أمية المتأخرين.
اقرأ أيضًا عمر بن عبد العزيز.. نشأته ونسبه وإنجازاته في الدولة الإسلامية
أسباب دعت إلى مقتل الوليد
يمكن تلخيص الأسباب التي دعت إلى مقتل الوليد فيما يأتي:
1- فساده واستخفافه بأمر الدين، وظهور معاصيه وعدم سترها.
2- إساءته إلى بني عمَّيه هشام والوليد، وكانا رجالًا محنكين، أبلوا بلاءً حسنًا في الحروب ضد الروم، ولا شك أن هؤلاء كان لهم أنصارهم، الذين يؤيدونهم وينصتون إليهم.
3- خوف بني أمية من أن يضيَّع الوليد إرث الأسرة الأموية بأفعاله تلك.
4- إغضاب الوليد بني عمومته عندما عقد البيعة من بعده لاثنين من أبنائه، من غير أن يدخل بينه وبينهما أحد؛ لأنه كان قد لقي في صباه ما لقي بسبب دخول هشام بينه وبين والده، وذلك رغم أن ولديه لم يكونا قد بلغا سن الرشد، وإن أم ولديه كانت جارية عند الوليد، ولم يكونا حسب التقاليد المتبعة عند الأمويين أهلًا لولاية الحكم.
5- انضمام بعض أشراف القبائل اليمانية إلى الفريق، الذي ينوي الإطاحة بالوليد، مثل: قبائل كلب وقضاعة، وهم أكثر جند أهل الشام، وذلك أنهم كانوا ساخطين على فقدان مناصبهم في العاصمة وغيرها، ومنهم والي العراق السابق منصور بن جمهور.
اقرأ أيضًا الصنارات والأجزاء المكملة لها في ضوء الأدلة الأثرية
خلع الخليفة الوليد
أراد يزيد الثالث بن الوليد أن يخلع الخليفة الوليد، وأصر على موقفه ذلك بتشجيع من القبائل اليمانية، فقاد حملة توجه بها إلى دمشق، وكان يبعد عنها مسيرة أربعة أيام، أما أمير دمشق الوليد فلم يكن موجودًا فيها، إذ تركها خشية من الطاعون المتفشي آنذاك، حينها استولى يزيد على الأمور في دمشق بسهولة، وقد بايع أكثر أهل دمشق سرًّا يزيد الثالث قبل دخولها، وبايع له أهل قرية قريبة من دمشق أسمها (المزة)، وبعد أن دانت دمشق وما حولها ليزيد الثالث، جهَّز جيشًا للقضاء على الخليفة المقيم خارج دمشق.
وكان يزيد قد دبر الأمور كافة التي تضمن له نجاح خطته في الإطاحة بالوليد الثاني، إذ وعد رؤوس الحركة الانقلابية بالمناصب، وأعطى آخرين المال، وكان من بينهم منصور بن جمهور الذي أصبح واليًا على العراق، وقد انتهى الأمر بمقتل الوليد في قصره الصحراوي في البخراء قرب تدمر، بعد أن تخلى عنه عدد من أنصاره مقابل بعض الإغراءات بالمال أو المناصب من قبل يزيد، ما يدل على أن الطاعة للخليفة لم تكن قوية أو مخلصة، وقد قُطع رأسه ونصب على رمح، وطافوا به في شوارع دمشق، وبذلك التمثيل الفاضح بجثته أُزيلت تلك القدسية التي كانت حتى ذلك الحين تحيط بشخص الخليفة، وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة 126هـ/744م، وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر.
إن اللافت للانتباه أن الوليد لم يحرك ساكنًا أمام الخطط التي كان يدبرها يزيد ضده، ولا بد أنه سمع بها؛ إذ كانت خيوطها تظهر من تسعة أشهر في الأقل، لكنه فشل في أخذ الاحتياطات اللازمة لحماية خلافته، ويشير فلهاوزن إلى أن الظروف التي أحاطت بمقتل الخليفة الوليد الثاني مشابهة إلى حد ما للظروف التي أحاطت بمقتل الخليفة الراشدي عثمان بن عفان، مع الفارق الكبير في سيرة كل من الخليفتين، وكانت حادثة مقتل الخليفة عثمان من أكثر الأحداث أثرًا في التاريخ الإسلامي، وفاتحة عصر جديد من الاضطرابات والفتن، فقد أصبح النزاع على منصب الخلافة بعد مقتل الوليد أيضًا نزاعًا مسلحًا، تقرره القوة أولًا وقبل كل شيء، وفتحت بذلك الحرب الأهلية أبوابها على مصراعيها، وأصبح من الصعب جدًّا إغلاقه، ما أدى في النهاية إلى انهيار الدولة الأموية.
اقرأ أيضًا أسباب التطور العلمي في العصر العباسي
اضطرابات أعقبت مقتل الوليد
تباينت المواقف تجاه مقتل الوليد بين مؤيد ومعارض ومتحفظ تجاه ذلك الفعل، أما موقف الفرع السفياني في الأسرة الأموية فكان إلى جانب الوليد، ذلك أن الأخير كان ينتسب إليهم عن طريق جدته، أما الفرع المرواني فقد وقف إلى جانب الوليد العباس بن الوليد بن عبد الملك -أخ يزيد الثالث- وكان موضع ثقة الوليد، فإنه أجبر في النهاية على مبايعة أخيه يزيد.
أما أخوه سليمان فقد أشار السيوطي بأنه كان يؤيد قتله، في حين أن مروان بن محمد في بلاد أرمينية قد نهى يزيد الثالث عن خلع الوليد أو قتله مخافة خروج الأمر عن سيطرة بني مروان، وكان من تداعيات ذلك الحادث غير المسبوق أن نشأت فتن واضطرابات عدة، منها:
1. خروج سليمان بن عبد الملك من عمَّان، فكان الوليد قد حبسه فيها، فأخذ ما كان بها من الأموال، وأقبل إلى دمشق وهو يلعن الوليد ويعيبه بالكفر.
2. ثورة أهل حمص انتقامًا لمقتل الوليد.
3. فتنة أهل اليمامة، ونشوء حرب أهلية بينهم بعد سماعهم خبر مقتل الخليفة.
4. فتنة أهل خراسان الأولى، وذلك أن الوليد الثاني كان قد جعل ولاية خراسان تحت تصرف والي العراق يوسف بن عمر، وكان الأخير يدرك حاجة الخليفة إلى الأموال، فدفع إلى الخليفة مبلغًا كبيرًا من المال مقابل تسليمه ولاية خراسان، وبناءً على ذلك طلب الخليفة من نصر بن سيار عامله على خراسان أن يحضر المال والهدايا، ويتوجه بها إلى العراق.
وفي أثناء مسيره إلى العراق جاءه خبر مقتل الخليفة الوليد فعاد أدراجه من حيث أتى، فوقع على تلك الأموال والهدايا خلاف بين القبائل النزارية واليمانية.
واستغل أحد زعماء اليمانية اسمه جديع بن علي الكرماني -هو من قبيلة الأزد- حالة الفوضى، وأظهر الخلاف لنصر بن سيار في بلاد خراسان، وقد حاول نصر بن سيار القضاء على معارضة الكرماني عندما تحايل عليه وأودعه السجن، لكن الكرماني هرب من السجن بمساعدة قبيلته من اليمانية، وتجمع لدى الكرماني ما يزيد على 3 آلاف رجل، وكاد أن يقع بين الطرفين قتال وفتنة، لولا أن الكرماني قد خضع لنصر بن سيار كارهًا نتيجة سعي الناس بالصلح بينهما، ثم انتهى به الأمر إلى أن خرج من بلاد خراسان إلى جرجان التي توجد فيها قبيلة من الأزد اليمانية.
وبذلك يكون قد انقضى الفصل الأول من الفتنة التي أشعلها الكرماني ضد ولاية نصر بن سيار في بلاد خراسان، ليعود الكرماني من جديد في ثورته ضد ابن سيار في عهد الخليفة مروان بن محمد، بوصفها جزءًا من حالة الصراع بين القبائل المضرية القيسية واليمانية.
5. فتنة أهل فلسطين والأردن.
6. احتجاج مروان بن محمد على مقتل الوليد، فقد كان مروان بن محمد عاملًا على بلاد أرمينية في خلافة الوليد الثاني، في حين كان ابنه عبد الملك بن مروان في حران من بلاد الجزيرة، وقد استغل الأخير خلو بلاد الجزيرة من عاملها للوليد وهو عبدة بن الرياح الذي انصرف إلى الشام على إثر فتنة الوليد، فوثب عبد الملك بن مروان على حران والجزيرة وضبطهما، وكتب إلى أبيه في أرمينية يعلمه بذلك، ويطلب منه السير إليه، فسار مروان بن محمد من أرمينية بصحبة قادته وجنوده بحجة طلب الثأر لدم الوليد، وعندما تجهز للمسير إلى يزيد في الشام من بلاد الجزيرة، كاتبه يزيد الثالث وعرض على مروان ولاية بلاد الجزيرة وأرمينية والموصل وأذربيجان، وقد كانت هذه الأقاليم تحت ولاية والده من قبل، وكان ذلك بمنزلة الرشوة التي جعلت مروان بن محمد يتناسى -لبعض الوقت- قضية الثأر التي تحرك من أجلها.
اقرأ أيضًا التجارة في العصر البابلي القديم
الشك في نية مروان بن محمد في الثأر لدم الوليد
حينها جاء التساؤل والشك في نية مروان بن محمد في الثأر لدم الوليد، أو إذا كانت حركته ومسيره إلى الشام من أجل أطماع شخصية، تتمثل في الاستيلاء على السلطة في دمشق، مستغلًا في ذلك الأحداث المأساوية التي وقعت للوليد، على طريقة معاوية بن أبي سفيان -أول الخلفاء الأمويين- الذي كان يطالب بالثأر من قتلة الخليفة عثمان بن عفان، في حين انتهت الأمور إلى تسلمه الخلافة شخصيًّا، إن الإجابة عن هذا التساؤل توضحها الأحداث التي أعقبت موت الخليفة يزيد الثالث بعد بضعة أشهر من استلامة الخلافة.
وإذا كانت منطقة الشام والشرق الإسلامي على هذا الحال من الانقلابات والفوضى والفتن، فإن بلاد المغرب الإسلامي لم تكن بأحسن حال من المشرق، إذ عمت فيها الفوضى والفتن هي الأخرى في تلك الحقبة المضطربة من تاريخ بني أمية.
وقد كانت الحالة في الأندلس تدعو إلى اليأس، وكان كثير من أمرائها يعملون على تحقيق الاستقلال الذاتي، وأما في إفريقيا فإن عبد الرحمن بن حبيب كان مستقلًا تقريبًا في إدارته وسياسته.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.