تعرف إلى تصورات أوليفيا عن حضر موت

عشرون عامًا وهي تحاول أن تزور بلاد الكرم وتلتقي أصولها.. أوليفيا تلك المرأة ذات الجينات العربية، والثقافة الأمريكية، على الرغم من أنها أكثر شبهًا بأمها الأمريكية فإن كل من يزاملها يلمس فيها جيناتها العربية.

أقرأ أيضاً الثقافة واختلاف الثقافات وتأثيرها في التواصل والعلاقات

 نشأة أوليفيا

وطئت أوليفيا بلاد جدتها وأبيها، بلاد حكايات الطفولة، فرأت الرجل الشهم الذي يحمل عن زوجته كل عبء، ولا يدعها تحمل إلا حقيبتها، وتلك الأم الحريصة على إمساك يد ابنها مع أنه يبدو عليه أنه في الـ11 من عمره.

مرت الأيام وأخذت أوليفيا ذات اللسان العربي المتأرجح تتجاوز حاجز الاغتراب وتتآلف مع بني جنسها، بعد أن مكثت 3 سنوات في بيت عمها.

أقرأ أيضاً الفرق بين البكاء عند الرجل والمرأة

 تصوات أوليفيا عن حضر موت

حانت لحظة رحيلها فسألتها جارتها عن تجربتها، وإذا لا تزال تلك الصورة البيضاء النقية للإنسان الحضرمي صافية كما كانت في ذهنها، أم أن الواقع صدمها؟ 

- لمعت عيناها لذكرياتها الجميلة، ثم تحزمت قليلًا ملامحها، قائلة: 

كانت تصوراتي عن بيئة حضرموت دينية وأخلاقية، فأخلاقكم النبيلة، وحبكم مساعدة من حولكم، وإسلامكم، والروحانية التي تعج في المكان ليل نهار كانت السبب في محاولتي زيارتكم، ولم تخب آمالي فيكم، ولو خيرت لمكثت أكثر عندكم.

- لكن ألم تشتاقي إلى الحرية، وقيادة السيارة، والخروج متى شئت، وألم يضايقك هذا النقاب الذي أجبرك عمك على ارتدائه؟ 

- رغم أني اشتقت للحرية حقًا، خصوصًا أن عمي كان حازمًا في أمور الدين صغيرها وكبيرها، ولم يسمح لي بالخروج من البيت والتدريس إلا بعد محاولات من أبي واشتراطه علي اللباس الإسلامي كاملًا، فإني رأيت أن أمريكا لا تخلو من السلبيات، بل هي هناك أكثر، حيث لا أمان، ولا دين.

- صحيح، فالإسلام أورث فينا أخلاقًا جوهرية، إلا أنني أظن أنه من المؤكد أنك رأيت وسمعت أشياء وآراء كانت بالنسبة لك غريبة؟ 

 - كثيرًا، وكانت صدمة لي. 

- مثل ماذا؟ 

 نظرتْ إلى الصورة المعلقة في الجدار، وهي صورة الأب الأكبر لهذا البيت، وقالت:

- الأب السوي هنا هو من يهتم بأولاده كثيرًا، والعجيب أن الولد لا يستقل عن والده إلا إذا تزوج، ورأيت أنه كلما أنفق الوالد في البيت أكثر كان سيدًا في البيت وخارجه.

- نعم، كما أن لأغلب البيوت شخصًا كبيرًا يحكمه، كلامه منفذ، إن أمر بشيء كان كفلق الصبح وإن كان خاطئًا فيه؛ لأنه كبير في السن، وبجب احترامه لا لأن آراءه نور وحق.

أقرأ أيضاً الحرية المطلقة مفسدة مطلقة ؟

اختلاف تقافات بين أوليفيا وحضر موت 

- نعم، أنتم تقدسون الكبير وتحترمونه وإن كان ذلك على حساب أنفسكم، فكثيرًا ما أسمعكم تقولون: 

(أنت أخونا الكبير وكلامك مسموع)، (احترمني قليلًا، أنا أختك الكبرى) وسمعت أحدهم يحكي، فيقول: أخي يكبرني بثلاث سنوات، لن أنسى فضله علينا، فبعد أن مات والدنا صار مسؤولًا عنا، لم نشعر ساعة بأن أبانا مات.. ويقول آخر: أما نحن فأخونا الأكبر بعدما توفي والدنا انهار، وذل، وخرجنا من المدرسة، وسكنا في بيت أقارب أمي، تجرعنا كل أنواع الأسى، ولم يكن لأخينا الكبير أي دور، لم تكن شخصيته قوية. 

وهذه النظرة معكوسة عندنا، فمن يأخذ مسؤولية غيره يُذم لأنه يحاول السيطرة على غيره، وإفقادهم حق عيش التجربة والخروج من الأزمة بمفردهم ليعتادوا الاعتماد على أنفسهم

فنرى أنه بعد مرور السنين كل أفراد الأسرة الأولى المعتمدون على أخيهم سيكونون خائبين يعيشون في بيت أخيهم الكبير وممتلكاته، أما الأسرة الثانية فسيكون لكل أخ بيت مستقل، وعمل مستقل، وشخصية مستقلة، وكيان يمثله.

- تقصدين أننا خبيرون في السيطرة على من حولنا، وإضعاف شخصياتهم من غير قصد. 

- نعم، ألم تقولي إن الضياع وعدم تشتت العائلة مرهون عندكم بأن يكون لكل بيت كبير شخص قائم عليه، كلامه منفذ.

أقرأ أيضاً مقارنة بين الرجل والمرأة بيولوجياً

رأي أوليفيا في سيطرة الرجل 

- أظن أن عندكم مثل هذا الكلام لكن ليس من الجد أو الأب أو الأم، أو كبير البيت، بل الأمر عندكم يخلو من قيمة احترام الكبير، فأنتم تتكرر عندكم كلمات مثل: قال سعادة المدير:..، قال الدكتور المحترم:..، قال معالي الوزير:...، أو قد تسمعين محاضرًا يقول: (هذا الكلام ليس لي، هذا كلام وزير بريطانيا) إلى ما هنالك من الجمل التعظيمية، التبجيلية، التي تجعل الكلام مسموعًا، يكفي فيه أن قائله ذا حظوة، وعندها لا تهتمون بفحص محتواه.

- نعم، وستجدين في مجالس الجامعة واجتماعاتهم شخصيات صورية تتصدر المنصة، وتعلو فوق الجميع، فتُضَخم كلمتها وتَكبر، فينشر الإعلام صورهم في المواقع، ويطمح الطالب أن يكون مثلهم، يحظى بالشهرة والمنصب والتبجيل، وأن يعطى لايك وبعض القلوب التي تولد سعادة ونشوة مؤقتة.

- آه، هكذا نحن الآن أيضًا، يهتم شبابنا بالإعجابات والسعادة المؤقتة.

أقرأ أيضاً مواقع التواصل الإجتماعي: مابين حرية التعبير والتحريض

أوليفيا تتحدث عن حرية الرأي

- ذكرني هذا بموقف حصل لي هنا، فقد كان الجيران مجتمعين ويتفقون على التعاون في شراء بعض زينة الأعراس ليتداولها من عنده عرس من الجيران؛ لأن هذه الأشياء تستعمل في الأعراس فقط.

سيكون مناسبًا لو اشترك الجميع فيها؛ لأن الأعراس لا تتكرر في كل أسرة إلا بعد سنين، وللوصل إلى حل يرضي الجميع في كيفية الدفع وماهية الأشياء التي ستشترى، قال الجميع رأيه، إلا امرأة واحدة بعد أن قالت رأيها فيما تعرفه، قالت: (وتوجد بعض الأشياء التي يجب أن نشتريها، سأرى رأي بناتي فيها.

تعرفون أن البنات اليوم لهن ترتيبات تختلف عن ترتيبات أجيالنا) فوافقنها مجاملة، إلا أني وهي مغادرة سمعتُ امرأتين قريبتين مني تنظران إليها وهي مغادرة وتقولان: سخيفة لا تقطع برأيها أبدًا، تُكلم بناتها وتأخذ برأيهن! بل إنها أحيانا تقول رأيًا ثم تغيره؛ لأنها سمعت كلام بناتها، إنها شخصية ضعيفة جدًّا.

جعلت لبناتها رأيًا وشخصية، انظري إليها الآن بعد مرور 6 سنوات تعيش هي ووالدهن بمفردهما لا أحد يساعدهما؛ لأن بناتها سافرن، الأولى: تتخصص في الطب، والثانية: أخذت جائزة نوبل للسلام وتسافر من مكان إلى مكان، أما الثالثة: فذهبت إلى المدينة المجاورة لتُدَرِس في مدرسة عالمية وتنمي لغتها الإنجليزية.

- عجيبون، يريدون أولادهم صورة منهم، كذلك بعض الأزواج عندنا لا يرون أن لزوجاتهم حرية في اختيارات حياتهم. 

- نعم، رأيت وجود سلطة قوية للرجل على المرأة، حتى إن بعض النساء مستعبدات بإرادتهن، كأنهن لا يردن أن يرين أنفسهن مفعولًا بهن يُنفق عليهن دون أن يكن فاعلات فصرن (خادمات).

- كذلك الرجل دائمًا هو الفاعل الخادم المستعبد بإرادته؛ لأنه يجب ألّا يجعل أحدًا ينفق على البيت غيره، ويجب أن لا يبكي، ولا يحزن، ولا يضعف، وأحيانًا ألا يضحك، أن يكون دائمًا رجل كلمته وشخصيته، فلا يبدع ولا يتغير.

أقرأ أيضاً الاختلافات بين الرجل والمرأة

رأي أوليفيا في التفرقة بين الرجل والمرأه

- كذلك حال الرجل مع النساء -هنا- غريب، خارج البيت يجب على الرجل ألَّا يدع المرأة تحمل أكياسًا أكثر منه؛ لأنه السيد القوي، يفرض عليه المجتمع ألا يتركها أبدًا تقود له سيارة، فهو سيدها هو الفاعل وهي المفعول بها.

- كذلك بعض الرجال العجيبين عندما يدخل البيت هو وزوجته تخلع المرأة برقعها ليرتديه هو، فأكياس السكر والدقيق وأسطوانة الغاز توضع عند باب المنزل، تأخذها لتُعِد له الغذاء وتضعه له ليأكل منه، ثم عند انتهائه تنظف خلفه، وترتب أولاده.

كذلك ثيابه التي يرتديها هو وتتسخ بعرقه تنظفها شريكة حياته، وعندما تطلب أن تخرج لتتنفس هواء جديدًا يرفض الباشا؛ لأنه السيد والمنفق على البيت، وليظل هو الفاعل دائمًا وهي المفعول بها.

- نعم توجد حالات من الرجال بهذه السمات، لكن يظل الرجل السوي موجودًا وما ذكرناه ليس إلا حالات شاذة، وتذكري أن مسؤوليات الرجل خارج البيت كثيرة، لذلك تقل مسؤولياته داخل البيت.

وبعد مرور أيام من هذا الحوار سافرت أوليفيا خالعة نقاب وجهها، مدركة أن الكمال لن نجده أبدًا في هذه الحياة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة