تعرف إلى القصة الحقيقية لمذبحة القلعة

ربما سمعت من قبل عن مذبحة القلعة أو مذبحة المماليك، وربما عرفت أن حاكم مصر في ذلك الوقت محمد علي باشا قد جمع المماليك في القلعة، ثم أمر بقتلهم جميعًا.

لكن الحكاية ممتلئة بالتفاصيل المثيرة، فقد بدأت قبل المذبحة سنوات وامتد الأمر إلى خارج حدود القلعة.

 وفي هذا المقال نصحبك في رحلة سريعة بين جنبات التاريخ لتتعرف على القصة الحقيقية لمذبحة القلعة بتفاصيلها المثيرة التي لا يعلمها معظم الناس.

اقرأ أيضًا حركة التعليم في عهد محمد علي وملامح تطوره

سقوط المماليك

بعد سقوط دولة المماليك على أيدي القوات العثمانية عام 1517 بقى المماليك في مصر لمساعدة العثمانيين على إدارة شؤون البلاد.

لكن بعض الأحداث السياسية مثل ثورة علي بك الكبير على الدولة العثمانية، ثم دخول الحملة الفرنسية إلى مصر أدت إلى مجموعة من التغيرات التي جعلت المماليك يطمعون في العودة إلى حكم مصر مرة أخرى، وهو ما دفعهم للتحالف مع إنجلترا.

في الناحية الأخرى كانت الحركة الوطنية النامية في مصر تحاول أن يكون لها تأثير في اختيار حاكم البلاد.

فقد عينت الدولة العثمانية رجلًا يدعى (خسرو باشا) وهو ما أثار غضب الجميع، المماليك من ناحية والحركة الوطنية التي كان يقودها مشايخ الأزهر والعلماء من ناحية أخرى، وهو ما مثَّل حالة كبيرة من الرفض العام للوالي الجديد خسرو باشا.

ما أدى إلى تعيين (طاهر باشا) بدلًا منه، ثم تعيين (أحمد باشا) في أحداث متتالية انتهت أخيرًا باستقرار العلماء ومشايخ الأزهر على اسم (محمد علي) ليكون واليا على مصر، وهو أحد الجنود الألبان الذين جاءوا إلى مصر من أجل مقاومة الحملة الفرنسية.

اقرأ أيضًا محمد علي.. رائد النهضة العربية ومؤسس مصر الحديثة

عصر محمد علي 

مع تولي محمد علي أمور الحكم في البلاد كانت تواجهه عقبات وتحديات كبيرة، فالقيادة العثمانية هناك في الباب العالي ترغب في نقله إلى مكان آخر، والمماليك يمثلون قوة معارضة وتحالف كبير له القدرة على الحرب والنزال، إضافة إلى خبرتهم الطويلة في استخدام الأسلحة.

ثم تأتي الحركة الوطنية أحد العقبات الكبيرة في طريق محمد علي لينفرد بالسلطة وحكم البلاد.

استطاع محمد علي بذكائه الشديد التخلص من خطر الحركة الوطنية عن طريق التفرقة بين الزعماء والعلماء باستخدام أسلوب العصا والجزرة، فبعضهم جاء بالترغيب وبعضهم جاء بالترهيب، حتى استطاع محمد علي نفي القائد والزعيم الوطني (عمر مكرم) إلى دمياط، مع استمالة بعض العلماء إلى جانبه مثل الشيخ العطار والشيخ الطهطاوي، ولم يبق أمام محمد علي سوى التخلص من المماليك.

لم يكن محمد علي شخصًا بسيطًا أو سهلًا؛ لذا فكانت خطته للتخلص من المماليك طويلة المدى، فبدا الأمر بتوليته المماليك أمور الجباية وجمع الضرائب والأموال من الشعب، وهو ما جعل عامة الشعب يكرهون المماليك، على الرغم من أن المماليك كانوا يجمعون الأموال والضرائب لمصلحة محمد علي.

كذلك كان دائمًا ما يظهر محمد علي في مواقف كثيرة معارضًا لسلوكيات المماليك، وغير راض عن أفعالهم، وهو ما جعل عامة الشعب المصري ينحازون إلى محمد علي ضد المماليك.

الأمر الذي عجل بخطط محمد علي في التخلص من المماليك هو كشفه لعدد من الأخبار والرسائل التي يتبادلها قادة المماليك بعضهم في الوجه البحري وبعضهم في الوجه القبلي، وهو ما جعله يعود فورًا إلى مقر قيادته في القلعة من السويس عام 1811، لكن مفاجأة كبيرة كانت في انتظار محمد علي.

فقد أرسل إليه السلطان العثماني يستعين به على ثورة الوهابيين في الجزيرة العربية، فكان لزامًا على محمد علي أن يرسل الجيش للقضاء على الثورة، فكان يسعى أيضا لإرضاء السلطان العثماني والحصول على فرمان بتثبيته في حكم مصر هو وأبنائه.

اقرأ أيضًا مراحل حملة محمد علي الي الشام واسباب جلائها

مذبحة المماليك

قرر محمد علي أن يتخلص من المماليك دفعة واحدة قبل الخروج بالجيش إلى شبه الجزيرة العربية، حتى لا يستغل المماليك فرصة خروج القوات بقيادة طوسون بن محمد علي في القيام بثورة والانقضاض على حكم البلاد، وهو ما كانت تؤكده الرسائل المتبادلة بين قادة المماليك، فقد تحقق محمد علي أنهم يعدون لشيء، فأراد أن تكون له الخطوة الأولى.

وفعلًا أقام محمد علي احتفالًا كبيرًا في القلعة ودعا كل الأمراء والبكوات ورجال الدولة، ومنهم المماليك الذين سارعوا بتلبية الدعوة وإظهار الولاء.

كما أظهر محمد علي حفاوة كبيرة في استقبال المماليك، وقدم لهم القهوة تعبيرًا عن حبه ورضاه عنهم، وسار معهم في جنبات القلعة حتى يشعروا بالأمن والسلام والمودة، وأخبرهم أن ابنه سيحظى بشرف كبير إذا مشى معه المماليك في الموكب الذي يخرج من القلعة.

كان الموكب الممتد في بهو القلعة يضم المماليك الذين تتقدمهم فرسان محمد علي، ثم يأتي من خلفهم محافظ المدينة ووالي الشرطة ثم مجموعة الجنود، وخلف المماليك كانت توجد مجموعة أخرى من الجنود ورجال الدولة.

وهو ما يمثل كمينًا رهيبًا لا نجاة منه، ففي الأمام فرسان وجنود وفي الخلف جنود مسلحون، وهو ما لم يفطن إليه المماليك على الرغم من خبرتهم  الكبيرة في الصراع والمؤامرات والقتل، وكأن القدر يبتسم في وجههم بسخرية كبيرة، فيفعل بهم الشيء الذي فعلوه مئات المرات من قبل.

وعندما تحرك هذا الموكب الطويل ليغادر القلعة توجه الموكب نحو طريق ضيق وباب صغير من أبواب القلعة، وعند خروج والي الشرطة ومحافظ المدينة، أُغلق الباب فجأة من خارج القلعة، ليجد المماليك أنفسهم أمام الحائط ومن خلفهم الجنود الذين يطلقون الرصاص، في حين الجنود الذين غادروا من الباب تسلقوا الجدران والصخور على كلا الجانبين، ووجهوا رصاصهم نحو المماليك.

وهو ما كان أمرًا رهيبًا ومشهدًا مذهلًا، فأعداد المماليك الكبيرة تتساقط بين قتيل هنا  وجريح يذبح بوحشية هناك وبين من يحاول الفرار فتحصده الرصاصات الممطرة من كل اتجاه، حتى سقط المماليك جميعهم على الأرض في بحر من الدماء التي غطت فناء القلعة.

فقد قُتل 469 مملوكًا، ولم ينجوا سوى شخص واحد وهو (أمين بك) الذي ساعدته الظروف بأن يكون في مؤخرة الصف، فاستطاع القفز بجواده بسرعة شديدة من فوق سور القلعة ليهرب من هذا الجحيم، ثم يفر إلى بلاد الشام.

اقرأ أيضًا بداية المماليك و حكمهم و نهايتهم.. معلومات لا تفوتك

ماذا بعد مذبحة القلعة؟

لم تتوقف أحداث مذبحة القلعة عند ذلك الأمر، فقد أصاب الناس الخوف والرعب في شوارع وميادين القاهرة، فهرعوا إلى بيوتهم حتى أصبحت المدينة خاوية على عروشها.

وسرعان ما ظهرت جنود محمد علي في شوارع القاهرة يتتبعون المماليك الذين لم يحضروا الحفل، ويقتحمون بيوت أمراء المماليك وينهبون أموالهم، ويذبحون أبناءهم ونساءهم، وهو ما استمر ثلاثة أيام قُتل فيها أكثر من ألف مملوك، واقتحم جنود محمد علي أكثر من 500 بيت حتى نزل محمد علي بنفسه إلى شوارع القاهرة وأمر جنوده بالتوقف.

عاد الأمان مرة أخرى إلى شوارع القاهرة وأظهر محمد علي وجهه المخيف للجميع، واستطاع التخلص من عدوه الأكبر وهو المماليك، وبدأ في إكمال مخططه الكبير لإنشاء دولة على الطراز الأوروبي.

فأرسل جيشه للقضاء على الثورة الوهابية بقيادة ابنه طوسون لينال رضا (الباب العالي)، ومرت الأيام ونسي الجميع ما حدث في القلعة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة