في سبيل حماية الإنسان لنفسه استعان بما تيسر له من المواد الأولية في الطبيعة، فاتنفع بالطين وبجذوع الأشجار والقصب والحجر بأنواعه التي تعينه في مواجهة قسوة الطبيعة.
اقرأ أيضًا مدينة بلد قديمًا وفي عصر الإسلام
الحجر أساس البناء الموصلي قديمًا
وكما هو معروف عرف الحجر في العمارة العراقية القديمة منذ عصور موغلة في القدم، وأقدم مثال على ذلك وجدناه في قرية (زاوي جمي)؛ إذ اقتصر استعماله على أسس المباني التي تعود إلى الألف العاشر ق.م.
ومن الواضح هنا استعماله للحجارة كان محدودًا؛ إذ عُد مادة بنائية قياسًا بمادة الأساس وهي اللبن، ذلك بأن البيئة الطبيعية في شمال بلاد الرافدين، وبسبب وجود الجبال الغنية بأنواع من الحجارة الصالحة للبناء، أما في وسط وجنوب هذا الإقليم فقد استعمل على نطاق ضيق، والسبب أن الأراضي المحصورة بين دجلة والفرات رسوبية غفل من الحجارة، ولكن عندما نبتعد قليلًا إلى الشرق من نهر الفرات أو الغرب من دجلة تتوفر الحجارة الصالحة للبناء وبكميات كافية، مثل مواقع تلول الطار والأخيضر وغيرها.
ومن البديهي أن تكون الاستعانة بالحجر في العصر الآشوري استعانة أوسع، إذ استعين في بناء القصور والمعابد، وبناء العقود والأقواس للبوابات الضخمة، كالأقواس التي تدعم جدران بوابات القصور المدن، واستخدم الآشوري عمومًا نوعين من الحجارة هما الحجر الكلسي أو الجيري (الحلان) Limestone والرخام (المرمر) Marble.
جاء ذلك بسبب توافر تلك المادة؛ إذ كانت تستخرج من المقالع الغربية من مدينة الموصل، وفي إبان تلك المدة كانت مدينة بلد من أهم المناطق التي فيها المقالع الحجرية في العصور الآشورية. وصارت هذه التقاليد العمارية العراقية القديمة تراثًا أصيلًا أغنى المعمار الحضري بجعل مادة الحجر المادة الأساسية في بناء المعابد وتزيين واجهاتها.
أما العصر الإسلامي فغني بشتى أنواع الزخارف، وخير مثال على ذلك الواجهة الحجرية لقصر المشتى، فهي واجهة فريدة من نوعها، واستمرت هذه المادة قيد الاستعمال إبان العصور الإسلامية المختلفة، عندما تتوافر الحجارة الصالحة لمثل تلك الأعمال الفنية.
ولهذا فليس من الغريب أن يعتمد المعمار في مدينة بلد في تشييد المباني على الحجارة باختلاف أنواعها.
وتأتي أهمية الحجارة في تشييد المباني، بسبب ما تمتاز به من إيصال بطيء للحرارة مع قابليتها الواسعة للاحتفاظ بها، تعد خاصية إيصال الحرارة ببطء والتخلص منا صيفًا، وخاصية الاحتفاظ بالحرارة مدة طويلة وساعدت في معالجة المناخ شتاءً، لكونها مصدرًا للإشعاع الحراري داخل المباني وخارجها في الليل، ما يحد من برودة الطقس، فضلًا على أنها تمتاز بقلة قابليتها للتمدد والتقلص من جراء التبديلات الحرارية.
لم يقتصر استخدام المعمار في المدينة التي نحن بصددها على نوع واحد من الحجارة، بل نراه مستخدمًا أنواعًا أخرى منها والمتمثلة بالرخام والحلان، فإن استخدامها جاء مقتصرًا على الإسكفات والأعمدة وتبليط الأرضيات، إضافة إلى ما يستخدمها في الزخرفة والنقوش الكتابية.
اقرأ أيضًا الموصل.. موقعها وسبب تسميتها
الرخام من الحجارة المستخدمة في البناء الموصلي قديمًا
إنه حجر أبيض رخو، وقيل نوع من أنواع الحجارة البيضاء. وربما أن كلمة الرخام في العربية قد جاءت من الرخيم أو رخم بمعنى لين وسهل. وأخذ بالمعنى الحديث نفسه وهو الليونة. وهناك ضرب من الرخام يعرف بـ(المرمر) يتميز بشيء من الصلابة. إنه ينمو نحو الاصفرار في اللون.
أما محليًّا فكلمة المرمر مرادفة لكلمة الرخام أو ما يعرف بالمرمر الموصلي Mosul Marble. وقد يكون من المفيد أن أذكر أن كلمة مرمر هي ليست معربة، أو دخيلة، بل لفظة عربية فصيحة. إنها وردت في الشعر الجاهلي في قول الأعشى المتوفى في السنة السادسة من الهجرة وقد عدَّ شاعرًا جاهليًّا؛ لأنه لم يسلم.
وقد أراها وسط أترابها في الحي ذي البهجة والسامر
كدمية صورت محرابها بمذهب من مرمر مائـر
وهناك أيضًا نوع من المرمر يعرف بالفرش، وهذه التسمية محلية خاصة بمدينة الموصل، ويطلق عادةً على الرخام المستخدم في رصف أرضيات الحجرات والأفنية. فكلمة الفرش مشتقة من الفعل (فرش)، إذ يقال فرش فلان داره إذا بلطها، فتفريش الدار تبليطها.
أما الدمك فهو نوع رديء من الرخام، ولكنه يتميز بمقاومته للطبيعة ولا سيما حرارة الشمس صيفًا والأمطار شتاءً. فإنه قليل الاستعمال في النواحي المعمارية والزخرفية، ذلك بسبب بكثرة فجواته بسبب تأثير العوامل الطبيعية؛ لذا إنه قليل الاستعمال في النواحي العمارية والزخرفية، غير أنه يستخدم لعمل الجبس (البياض) بعد حرقه.
ويطلق على الحجر الخام قبل تهذيبه وتشكيله وصقله كلمة (المعدن)، ويتراوح سمكه من خمسة إلى ستة أقدام، ويمتاز بجودته للأعمال الزخرفية والعمارية.
اقرأ أيضًا الفنون الزخرفية في العصور الإسلامية
استخدامات الرخام
من المعروف أن المعماريين في شمال بلاد الرافدين ومنهم معماريو بلد لم يكونوا أول من عمل على تزيين الرخام أو المرمر بالزخرفة والنحت في العصور الإسلامية، فقد ورثوا تلك الحرفة من قبل أجدادهم الآشوريين الذين ظهرت أعمالهم في نحت الثيران المجنحة والتماثيل المختلفة والمنحوتات الجدارية.
ويرى بعض الباحثين أن النسبة قد بلغت نحو 66% من أعمالهم له، ذلك لكون المرمر سهل القلع، وله قابلية جيدة على الصقل والمطاوعة للعمل وتميزه بالليونة وسهولة النقى فيه. وإذ نجد أن استخدام المرمر في العصور القديمة والإسلامية حتى يومنا هذا مقتصر على الأقسام الداخلية للبناء غالبًا، أي الأجزاء البعيدة عن تأثيرات المياه وأشعة الشمس، ذلك لأن التأثير فيها من قبل مياه الأمطار يكون فيزيائيًّا؛ لأن مادة الجبس المكونة له لا تتأثر بالحوامض إلا في حالة تسخينها.
وعمد المعماري إلى أن يثبت في بعض الأحيان ألواحًا رخامية على جانبي مداخل الدور، ولاحظنا في بعض الإسكفات الرخامية بمدينة بلد، ويبدو ذلك بجعلها غير بارزة عن المداخل أو بوضع أشياء ليحميها من مياه الأمطار.
أما تبليط الأرضيات بالمرمر تكون محمية بسقوف لوقايتها من المؤثرات الجوية؛ لذلك فإن ما كان المرمر يستخدم في تبليط أرضيات الباحات المكشوفة، ذلك لأن الرخام الموصلي ليس شديد الصلابة مثل الرخام الإيطالي أو الأردني المقاوم لمياه الأمطار.
حسب علم طبقات الأرض يعد الرخام من الصخور الكلسية المتحولة، لأنه تبلغ كثافته (2.7-2.6 غم/سم3) وقوة تحمله (570 كغم/سم3) وقوة انضغاطه تتراوح بين (22000 إلى 31000 رطل/عقد) ودرجة الامتصاص فيه (0.06% إلى 0.01%).
أما كيميائيًّا يتكون من كبريتات الكالسيوم المائية (CaSO4 2H2O) ألوانه متعددة، منه الرخام الأبيض الناصع والرصاصي والشمعي والأزرق الذي يكون خالص الزرقة، أو فيه شيات بيضاء، إن سبب تعدد ألوانه جاءت من اختلاف الأكاسيد الموجودة فيه، ويكتسب الرخام اللون الرمادي، أو الأزرق إذا كانت الصخور على عمق كبير، فإن الحديد يدخل في تركيبها فيصبغها بتلك الألوان، مهما يكن من الأمر، فإن اللون الأزرق الفاتح هو الغالب على الألوان الأخرى، فنجده ممثلًا في معظم الألواح الرخامية لمدينة بلد.
لذا يعد الرخام أو المرمر الموصلي من العناصر الرئيسة الذي ظهر في عمائر الموصل وما يجاورها، ومنها مدينة بلد (أسكي موصل)، حيث عمد الفنان باستخدامها في تحلية مبانيها ووضعها في الأمكنة المناسبة.
اقرأ أيضًا الحضارة البابلية وأعظم الشخصيات فيها
الحلان من الحجارة المستخدمة في بناء جدران مدينة بلد
إن حجر الحلان لم نتطرق إليه كثيرًا في هذا البحث، على الرغم من أنه قد استخدم في بناء الجداران على نطاق واسع في عمارة مدينة بلد، ذلك بسبب توافر المادة في تلك المنطقة وما يجاورها؛ لذا استوجب الإشارة إلى ذلك في إدخال هذه المادة ضمن مواد البناء على اعتبارها من الصخور الجيرية.
إن الحلان ضرب من ضروب الحجر الكلسي Limestone ذا لون بني فاتح (العسلي)، ويطلق عليه بالأكدية (بيلو، بيو pilu-pisuÏ). ويصنف الحلان ضمن الصخور الجيرية المتكونة من كاربونات الكالسيوم (CaCO3)؛ لذا فإنه يختلف عن الرخام الموصلي من ناحية التركيب على الرغم من دخول عنصر الكالسيوم في تركيبهما. تبلغ كثافته الحجمية (2.4%) وقوة التحمل فيه (720 كغم/سم3) والامتصاص فيه (3.1%) والمسامية (9.63%). ذلك ما جعله ذا صلابة متوسطة وسهل النحت، ويتمتع بمقاومة جيدة من الظروف الطبيعية.
استخدم المعماري حجر الحلان في الأجزاء الخارجية من المباني لكونه أقل تأثيرًا من الرخام بالعوامل الطبيعية مثل الأمطار وحرارة الشمس.
وعرف استخدام الحلان منذ القدم، فقد جاء في وصف الملك الآشوري آسرحدون (680-669 ق.م)، حجر الكلس بأنه حجر جبلي صلب استعمله في الأساسات، وفي تشييد أرضية معبد نابو وعشتار في نينوى.
وتواصل هذا العمل إلى العصور ما قبل الإسلام، وخير مثال على ذلك مدينة الحضر؛ إذ إن معظم مبانيها العامة قد شيدت بهذا النوع من الحجارة، واستمر الأمر كذلك عبر العصور الإسلامية بدءًا بقصر الأخيضر الذي شيد على الأرجح في القرن الثاني الهجري (8م).
والواضح أن استخداماته واسعة في المدن الإسلامية التي تعتمد على الحجر في البناء؛ لذا فقد عمد المعمار بمدينة بلد بإكثار مادتي الرخام والحلان في تشكيل، ولا سيما بتأطير فتحات المداخل والطاقات والأعمدة في سبيل تجميل مبانيها.
اقرأ أيضًا أسعار المواد المنقولة في العصر البابلي القديم
اعتمد المعمار في مدينة بلد على الجص
اعتمد المعمار في مدينة بلد على الجص كمادة رابطة في البناء وتكسية الجدران، إضافة إلى استخدامه عاملًا زخرفيًّا الذي جعل منه الفنان أروع ما يكون في تنفيذ تلك الزخارف الجصية، بجانب الزخارف الرخامية التي شهدتها المدينة؛ لذا استوجب الذكر لمادة الجص كونها من المواد الإنشائية الرئيسة.
عرف الجص في بلاد الرافدين منذ القدم، فقد ورد ذكره باللغة السومرية بصيغة (IM.BAR) وفي الأكدية (gassu)، وورد ذكره عند الإغريقيين باسم (Gypsum) التي تعني صنع شيء من الأرض عن طريق خلطة أو طبخة، ويعتقد أنهم أول من أطلق اسم الجبس على هذه المادة، فمن الواضح أن الكلمة يونانية هي عراقية أكدية الأصل.
أما في المراجع العربية اللغوية فقد جاء ذكره بصيغة القص أو القصة، يقال (قصص فلان داره أي جصصه). والجصاصة هي المواضع التي يعمل فيها الجص.
أما استخداماته فقد عرف ببادئ الأمر في تزيين مخازن الغلال وتبليط الأرضيات منذ عصور ما قبل التاريخ أي في عصر حسونة.
أما استخداماته في البناء فقد عرف في العمارة العراقية القديمة، ذلك في عمارة مدينة الوركاء؛ لذا فقد شاع استخدامه في العصور الموغلة في القدم، وكذلك عصور قبيل الإسلام، وخير مثال على ذلك مدينة الحضر إذ نجده قد استعمل في أبنيتها استعمالًا واسعًا.
ولأهمية مادة الجص واعتبارها المادة الرئيسة في تشييد المباني القديمة، ومنها عمل المعمارالمسلم باستخدامه في البناء، إضافة إلى الزخارف مبتدأً من صدر الإسلام ومستمرًا في ذلك عبر العصور الإسلامية المتلاحقة.
وإن أول إشارة في الكتب التاريخية الإسلامية إلى الاستعانة بالجص في البناء هو ما ذكر من أن الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) عندما جدد المسجد النبوي (29هـ/649م)، وأمر أن تشيد جدرانه وأعمدته من الحجارة المنقوشة والقصة (الجص) لكن استخدامه هنا مادة لاصقة (مونة) ليس غير: أي الاستخدام الاعتيادي للجص.
أما من ناحية التركيب الكيمياوي فإن الجص في واقع الأمر حجر كلسي متأكسد، أي أوكسيد الكالسيوم CaO الناتج عن حرق الأحجار الكلسية في أفران خاصة والذي يوجد في الطبيعة عادة على شكل ترسبات كلسية المتكونة من المركب المتبلور لكبريتات الكالسيوم (CaSO42H2O).
وفي حالة بلورته أبرية عديم اللون أو أبيض أو رمادي، عندما يكون نقيًّا وكامل التبلور، ويظهر بلون أصفر وأحمر، في حين احتوائه على الشوائب. وأن نسب هذه الشوائب لا تزيد على (30%) من مادة كبريتات الكالسيوم المائية وزنًا وإلا أصبحت مادة الخام غير صالحة لصناعة الجص.
ويتواجد الحجر الكلسي في المناطق البركانية خاصة في المناطق التي تتأثر ببخار الكبريت في العروق الحاملة للمعادن، وفي مناطق عدة من العراق ذلك بسبب توافر المادة الكلسية منها الصخور الجبسية المنتشرة على سطح الأرض، أو المرمر الذي يتميز بقلة الشوائب، أي بشكل جبسي نقي غير كامل التبلور، والذي يستعمل إلى جانب الجص (البياض) الذي يمتاز ببياضه الناصع.
إضافة إلى ذلك وجوده في الكتل الحجرية الناتجة من هدم الأبنية، ويستعمل لتهيئة الجص مرة ثانية، وهو الذي يعرف بـ(الزكور) الذي يمتاز بقوته وصلابته ومقاومته لمياه الأمطار.
اقرأ أيضًا تاريخ الحضارة الرومانية وأهم شخصياتها
صناعة الجص
نالت صناعة هذه المادة عناية كبيرة من قبل المعمار المسلم الذي اعتمد على الأساليب والطرق القديمة، فهناك طريقتان استخدمتا في عملية تحضير الجص قديمًا.
فالطريقة الأولى تبدأ بقشط الأرض الجبسية بواسطة الوقود عليها، ثم حرقها بعد عملية القشط هذه يسحق بمداق خشبية، وبعدها يكون الجص جاهزًا للاستعمال.
أما الطريقة الثانية يكون الحرق فيها موضعي لكتل الجبس والأحجار الكلسية بعد فصل تلك الصخور، ومن ثم تكسيرها إلى قطع مناسبة، ثم بعد ذلك نقلها إلى أفران خاصة استعدادها لحرقها، وعلى أن تكون درجة حرارة الفرن لا تقل على (140) لكي يصبح الجص صالحًا للاستعمال؛ لأن الجبس يفقد حجمية مائه بارتفاع درجة الحرارة إذا وصلت إلى (400) درجة مئوية.
وبعد الانتهاء من عملية الحرق، تُضرب أو تسحق الكتل بواسطة عصا خشبية، ثم ينخل بواسطة مناخل عدة ذات ثقوب مختلفة الأحجام.
وبعد الانتهاء من هذه الخطوات سالفة الذكر يكون الجص معدًا للبناء، ويضاف إلى الجص بعض الأكاسيد مثل الحديد والألمنيوم ذلك لتنفيذ الزخارف والحفر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.