أزمة تشكيل الحكومة في العراق: مقترح ثوري لتعديل الدستور وحل المحاصصة

يقوم مقترح تعديل الدستور العراقي على حوكمة وتأطير الأعراف السياسية عبر آلية مؤسسية ملزمة، تقسم المناصب السيادية الثلاثة (رئاسة الوزراء، رئاسة البرلمان، رئاسة الجمهورية) تنافسيًا بين المكونات الرئيسة بناءً على الترتيب التصاعدي لنتائج الانتخابات العامة للأحزاب الفائزة، مع منح الأحزاب حق مساءلة وإقالة مرشحيها لضمان الانضباط الحزبي.

وتُسفر هذه الآلية عن تقليص المدة الزمنية لتشكيل الحكومة من 6 أشهر إلى أقل من شهر واحد، وتمنع انشقاق النواب، مع الإبقاء على تشكيل مجلس النواب انتخابيًا على أساس وطني جامع دون حصص طائفية.

المقاربة القانونية والآليات الدستورية للتعامل مع المقترح: ما هو تعديل الدستور؟

تُعرف عملية مراجعة أو تغيير بعض بنود الوثيقة الدستورية باسم تعديل الدستور، وهي آلية قانونية تهدف إلى تطوير النصوص لتواكب المستجدات السياسية والاجتماعية، وتتم وفقًا لشروط وضوابط محددة يُقرها الدستور نفسه لضمان استقرار الدولة والعدالة بين مواطنيها.

هل يمكن تعديل الدستور العراقي؟ 

نعم، يمكن مراجعة وتحديث بنود الوثيقة الدستورية، وتتحدد كيفية تعديل الدستور العراقي عبر المسارات القانونية التي رسمتها المادة (126) من الدستور النافذ؛ حيث يُشترط لتقديم مقترح التعديل موافقة رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين، أو بطلب من خُمس أعضاء مجلس النواب، ويجب أن يصوت على التعديل ثلثا أعضاء البرلمان، متبوعًا بموافقة الشعب في استفتاء عام، بشرط ألا ترفضه ثلاث محافظات عراقيَّة.

نطاق تعديل الدستور والمبادئ الثابتة التي لا يمسها التعديل الدستوري

يتحدد نطاق تعديل الدستور بالمواد المراد معالجتها لتسهيل العمل السياسي، إلا إن هناك قيودًا جوهرية تُمثل المبادئ الثابتة التي لا يمسها التعديل الدستوري؛ وحسب القانون العراقي، لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية للنظام الديمقراطي الاتحادي، ولا الحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني، إلا بعد دورتين انتخابيتين وبشروط مشددة للغاية لحماية جوهر النظام السياسي.

الإطار النظري والإشكالية: ما هو النظام السياسي في العراق؟

يقوم النظام السياسي في جمهورية العراق على أساس اتحادي (فدرالي) ديمقراطي نيابي (برلماني) طبقًا لما أقرَّه الدستور، حيث تتركز السلطة التنفيذية في يد رئيس مجلس الوزراء بصفته مسؤولًا تنفيذيًا مباشرًا، في حين يمارس البرلمان الدور التشريعي والرقابي الأكبر.

يعاني النظام الدستوري في العراق منذ عام 2003 من أزمات متكررة في تشكيل الحكومات، تستمر غالبًا لشهور طويلة نتيجة غياب آلية واضحة وملزمة لاختيار شاغلي المناصب السيادية. 

فالأعراف السياسية غير المكتوبة التي تقضي بتولِّي شيعي منصب رئيس الوزراء، وسنِّي منصب رئيس البرلمان، وكردي منصب رئيس الجمهورية، لم تترجم إلى نصوص دستورية تحدد آلية تنافسية لتوزيع هذه المناصب، كذلك جدلية الحزب الأكبر أم التحالف الأكبر وحيثياتها السلبية من ضياع الفائز الحقيقي وإيجابياتها من توافق المكونات المزعوم، كل هذا يُبقي العملية رهنًا بالمفاوضات العقيمة والمساومات السياسية الطويلة وضياع الفائز الحقيقي الذي اختاره العراقيون.

وهنا يأتي دور المقترح الذي ندرسه: تحويل هذا التوزيع «الطائفي» من عرف سياسي إلى آلية مؤسسية واضحة عبر تعديل دستوري يحقق التوازن، مع إضافة عنصرين جوهريين هما التنافسية عبر ترتيب الأحزاب حسب نتائج الانتخابات، والمساءلة عبر ربط شاغل المنصب بحزبه الذي يمكنه إقالته.

آلية توزيع المناصب السيادية الثلاثة

المبدأ الأساسي

يقوم المقترح على تقسيم المقاعد التنافسية إلى ثلاثة أصناف وفق الانتماء المكوناتي (شيعي، سني، كردي)، على أن تذهب المناصب السيادية الثلاثة كاملة إلى الأحزاب الفائزة من هذه المكونات، حسب ترتيبها في نتائج الانتخابات العامة.

آلية الاختيار المتسلسلة

نصوغ هذه الآلية في الخطوات التالية:

  • الخطوة الأولى: تصدر نتائج الانتخابات البرلمانية، وتُصنف الأحزاب الفائزة وفق مبدأين: الأول انتماؤها المكوناتي (شيعي/ سني/ كردي)، والثاني عدد المقاعد التي حصلت عليها ضمن مكونها.
  • الخطوة الثانية: يُتاح للحزب صاحب أعلى الأصوات في المكون الحاصل على أعلى الأصوات إجمالًا (وليكن المكون الشيعي مثلًا) أن يختار أولًا أيًّا من المناصب الثلاثة (رئاسة الوزراء، رئاسة البرلمان، رئاسة الجمهورية) يريد توليه.

مثال توضيحي: إذا حصل تحالف المكون الشيعي على 187 مقعدًا (وهو ما حدث فعلًا في انتخابات 2025)، وكان حزب «البناء والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني هو الأكبر بين الأحزاب الشيعية بعدد 46 مقعدًا، فإن هذا الحزب يختار أولًا من بين المناصب الثلاثة. ولنفترض أنه اختار رئاسة الوزراء.

  • الخطوة الثالثة: يُتاح للحزب صاحب أعلى الأصوات في المكون الثاني (وليكن المكون السُنِّي) أن يختار ثانيًا من بين المنصبين المتبقيين (البرلمان أو الجمهورية). ويفترض أن يكون حزب «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي (27 مقعدًا) هو الأكبر سُنِّيًا، فيختار رئاسة البرلمان.
  • الخطوة الرابعة: يحصل الحزب صاحب أعلى الأصوات في المكون الثالث (الكردي)، حتمًا وبلا خيار، على المنصب المتبقي وهو رئاسة الجمهورية. ويكون الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني (27 مقعدًا) هو المؤهل لهذا المنصب في المثال.

المرونة في التمثيل الشخصي

يُتيح المقترح لرئيس الحزب الفائز (أو قيادته الجماعية) أحد خيارين:

  1. تولي المنصب بنفسه.
  2. ترشيح أي شخصية من قائمته الانتخابية لشغل المنصب.

وهذا يتوافق مع الممارسة الدستورية الحالية التي تمنح رئيس الجمهورية 15 يومًا لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، ولكنه يضيف وضوحًا أكبر ويُلغي مرحلة المفاوضات الطويلة التي قد تستمر لشهور، حيث لا وجود لكتلة تحالفات أكبر بل حزب واحد أكبر فائز بأصوات الشعب.

آلية المساءلة وضبط الانضباط الحزبي

يمثل هذا البند أهمية كبيرة في المقترح، حيث يُعالج إشكالية انشقاق النواب والوزراء عن خطط أحزابهم بعد توليهم المناصب.

مبدأ المسؤولية الحزبية المستمرة

نقترح النص على أنه: «لا يحق للشخص المُرشح من قِبل حزبه لتولي أي من المناصب السيادية الثلاثة (رئاسة الوزراء، رئاسة البرلمان، رئاسة الجمهورية) الانشقاق عن حزبه أو تغيير ولائه السياسي طوال مدة ولايته إلا بموافقة الحزب أو يقدم استقالته إذا تغيرت التوجهات التي يرجوها حتى يبقى الحزب محاسبًا أمام الشعب ولا يرمي العبء على غيره. ويبقى رئيس الحزب أو الهيئة القيادية فيه مسؤولًا عن متابعة أداء شاغل المنصب، وله الحق في إقالته متى شاء، وفق آليات يحددها النظام الداخلي للحزب».

الآثار المتوقعة لمبدأ المسؤوالية الحزبية

  • منع الانشقاقات: القضاء على ظاهرة «الانتفاضات» البرلمانية التي تشهدها الساحة العراقية بين الحين والآخر.
  • تعزيز الانضباط: جعل شاغل المنصب ملزمًا بتنفيذ البرنامج الحكومي والتفاهمات السياسية التي أبرمها حزبه.
  • وضوح سلسلة المساءلة: يكون المواطن على دراية بأن من يحاسبه على أداء رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان أو رئيس الجمهورية هو الحزب الذي رشحهم؛ ما يعيد الاعتبار للعملية الحزبية كوسيط بين الشعب والسلطة.

تشكيل بقية الحكومة (الوزارات)

بعد استقرار المناصب السيادية الثلاثة، تنتقل العملية إلى تشكيل الحكومة بالكامل وفق الآلية التالية:

دور رئيس الوزراء في الحكومة

يتولى رئيس الوزراء (وهو في مثالنا من حزب «البناء والتنمية» الشيعي) مهمة تشكيل بقية الحكومة، وذلك بـ:

  • اختيار الوزراء من شخصيات كفؤة غير مشروطة بالانتماء الحزبي بالضرورة.
  • عرض حقائبه الوزارية على البرلمان لنيل الثقة، وفقًا للمهلة الدستورية البالغة 30 يومًا (يشكل هو جميع الحكومة ما عدا ثلاث وزارات).

تمثيل الأحزاب الأخرى في الحقائب الوزارية

يتم إضافة بند يُلزم رئيس الوزراء بتوزيع ثلاث حقائب وزارية على الأحزاب التي احتلت المراكز الثانية في كل مكون وحسب عدد الأصوات (أول ثاني بين المكونات يختار أولًا وتباعًا):

  1. حيث أول ثاني بين المكونات (ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي بـ 29 مقعدًا) من المكون الشيعي يحصل على وزارة سيادية أولًا حسب رغبته.
  2. ثاني ثاني بين المكونات (حزب جبهة العزم مثنى السامرائي) من المكون السُنِّي يحصل على وزارة ثانيًا.
  3. ثالث ثاني بين المكونات (الاتحاد الوطني الكردستاني بـ 15 مقعدًا) من المكون الكردي يحصل على وزارة ثالثًا.

وهذا يكفل تمثيلًا أوسع ويُقلل احتمالات مقاطعة العملية السياسية.

طبعًا النواب في البرلمان كما هو معمول به الآن حيث الأحزاب التي شكلت الرئاسات مع بقية الأحزاب كلٌّ يأخذ مقاعده البرلمانية حسب الأصوات وكما هو معمول به الآن، ويكونون الدور الرقابي التشريعي لعمل الحكومة.

مجلس النواب والملفات العالقة

يبقى تشكيل مجلس النواب كما هو معمول به حاليًا، حيث:

  • يُنتخب 328 نائبًا (320 حسب التمثيل النسبي للمحافظات + 8 مقاعد للأقليات) طبعًا مع مراعاة زيادة عددهم إلى 400 تقريبًا ليتناسبوا مع التعداد السكاني الأخير.
  • تُجرى الانتخابات كل أربع سنوات وفق نظام الدائرة الواحدة أو المتعددة حسب القانون النافذ.
  • يُشكل المجلس حجر الزاوية في العملية الديمقراطية، حيث يمنح الثقة للحكومة، ويُشرع القوانين، ويُراقب أداء السلطة التنفيذية.

ما هي المادة 140 في العراق؟

تعتبر المادة 140 من أبرز الملفات المرتبطة باستقرار المحافظات، وهي بند دستوري وُضع لمعالجة قضية المناطق المتنازع عليها (مثل كركوك)، وتتضمن خارطة طريق بثلاث مراحل: التطبيع، الإحصاء، ثم الاستفتاء لتقرير مصير هذه المناطق، ويظل حسمها مرتبطًا بالتوافقات الكبرى وتعديل القوانين.

ملاحظة مهمة

يُغني هذا المقترح عن فكرة ربط توزيع المقاعد النيابية في البرلمان بالمكونات (شيعي/ سني/ كردي). فالمقترح يطبق هذه الآلية على المناصب السيادية الثلاثة فقط، بينما يبقى البرلمان منتخبًا على أساس وطني بدون حصص طائفية، وهذا يتوافق مع روح الدستور العراقي الذي نص في مادته (49) على أن «يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة، يُنتخبون بالاقتراع العام السري المباشر».

التقييم والخلاصة

نقاط القوة المتوقعة في التعديل الدستوري

  • سرعة تشكيل الحكومة: تنخفض من متوسط 5-6 شهور حاليًا إلى أقل من شهر.
  • الشفافية: آلية واضحة ومعلنة بدل المفاوضات الخلفية.
  • الاستقرار: منع الانشقاقات وضمان الولاء الحزبي.
  • التمثيل العادل: يضمن وصول الأحزاب الكبرى للمناصب دون نزاع.
  • الكفاءة: رئيس الوزراء يختار وزراءه وفق الكفاءة لا المحاصصة

معوقات تعديل الدستور العراقي والتحديات والإشكالات المحتملة

يواجه المسار القانوني صعوبات جمة؛ إذ تتمثل أبرز معوقات تعديل الدستور العراقي في:

  • توافق المكونات: يحتاج هذا التعديل الدستوري إلى توافق سياسي عالٍ يصعب تحقيقه في ظل الانقسامات الراهنة.
  • تعريف المكونات: قد يُشكِّل تحديد «الحزب الشيعي» أو «السُني» إشكالية، خصوصًا مع وجود أحزاب عابرة للطوائف.
  • إقالة رئيس الوزراء: آلية إقالة رئيس الوزراء من قِبل حزبه قد تتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات إذا لم تُضبط بشكل دقيق.
  • التجربة الفريدة: لا يوجد نموذج عالمي مماثل؛ ما يعني أن التجربة ستكون رائدة ومحفوفة بالمخاطر.

الخلاصة

يمثل هذا المقترح نقلة نوعية في التفكير السياسي العراقي، إذ يُحوِّل العرف الطائفي الجامد إلى آلية تنافسية ديناميكية، ويضبط إشكالية «الولاء المزدوج» التي عانى منها النظام السياسي لعقدين. 

ولعل مطالبة المحكمة الاتحادية العليا باحترام الأطر الدستورية، ودعوات معهد الحوار العراقي للعمل على تعديل آليات اختيار رئيس الوزراء عبر التعديل الدستوري الأخير المقترح، تُشير إلى أن الوقت قد حان لمراجعة جادة للدستور في هذا الشأن.

إن نجاح هذا النموذج يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ونقاشًا مجتمعيًا موسعًا، وضمانات دستورية تحمي من تعطيله أو الالتفاف عليه. لكنه مع ذلك يظل الخيار الأكثر منطقية وعملية للخروج من دوامة «أزمة تشكيل الحكومة» وضياع أصوات الناخبين وإرادتهم فيمن يمثلهم عن طريق الالتفاتات التي تتكرر بعد كل انتخابات في العراق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.