مفهوم الأدب ليس ثابتًا، بل هو نتيجة لروح كل عصر. ولمعرفة كيف تطور مفهوم الأدب عبر العصور، إن الدارس لآداب العربية يتعيَّن عليه ابتداءً أن يعرف ماهية الأدب وموضوعه، ليتمكن من الوقوف على ما أنتجته قرائح العرب من علوم وفنون، والتعرف على تجاربهم ومعارفهم، بواسطة لغة ظهرت طَيِّعة في التعبير عن أفكارهم وأحاسيسهم، وليندرج منه إلى فهم آداب اللغة بمعناها العام والخاص.
واللغة العربية كغيرها من اللغات كائن حي، ينمو ويتجدد باستمرار حسبما تقتضيه الظروف الاجتماعية والسياسية، ولفظ الأدب من الألفاظ العربية التي اعتراها كثير من التغيرات والتقلبات على مر العصور، وتطورت بتطور حياة الأمة العربية، وانتقالها من مرحلة البداوة إلى مرحلة المدنية والحضارة، إلى أن غلب عليه ذلك المعنى الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم، ألا وهو «الكلام الإنشائي البليغ الذي يُقصد به التأثير في عواطف القراء والسامعين سواء أكان شعرًا أم نثرًا».
المعنى اللغوي لكلمة «أدب»
وفي المعاجم، اقتصر اللغويون على تعريفه بأنه «الأدب وحسن التناول»، وفي المصباح المنير: «أدبته أدبًا ... علَّمته رياضة النفس ومحاسن الأخلاق»، وورد في تاج العروس: «الأدب الذي يتأدب به الأديب من الناس، سُمِّي به لأنه يؤدب الناس إلى المحامد وينهاهم عن المساوئ، وأصل الأدب الدعاء». ولا بد بعد الوقوف على المعنى اللغوي للفظ الأدب، من تتبُّع النصوص العربية، شعرية كانت أم نثرية، لتوضيح مفهوم ذلك اللفظ عبر العصور المختلفة.

معنى «الأدب» في العصر الجاهلي
ففي العصر الجاهلي نجد أن كلمة الأدب قُصِد بها السنة، أي طريقة العمل والتصرف التي سنّها الأوائل، حتى صارت مسلكًا لمن بعدهم، وذلك واضح في قول سهل بن حنظلة الغنوي من الشعراء المخضرمين:
قد يعلم الناس أني من خيارهم *** في الدين دينًا وفي أحسابهم حسبًا
لا يمنع الناس مني ما أردت ولا *** أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبًا
والأدب هنا هو السيرة والطريقة، وواضح أن هذا اللفظ لم يكن معروفًا في الجاهلية بمعناه الفني، فليس بين أيدينا نص عربي جاهلي يدل عليه، وإنما نجد اسم الفاعل منها «آدب» أي الداعي إلى الطعام أو صانع المأدبة.
وقد وردت في بيت لطرفة بن العبد في قوله:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى *** لا ترى الآدِب فينا ينتقر
وإذا استعرضنا الآراء نجد أن كارلو نلينغو (Carlo Nallino) ذهب إلى أن هذه الكلمة اشتُقَّت من الدأب، وجُمعت على أدآب، ثم قُلبت فقيل آداب، ثم شاع اللفظ واستُعمل بمعنى العادة.
معنى كلمة «أدب» في صدر الإسلام
أما في صدر الإسلام، فلم يكن اللفظ معروفًا، إذ لا نجد في كتابه الحكيم نصًا قرآنيًا يشير إليه، وكل ما هو معروف أنه فُسِّر بما يدل عليه من معانٍ نفسية من رقة الخلق، واستقامة الطباع، واستُدل على ذلك بما جاء في الحديث النبوي من قول علي بن أبي طالب حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب وفد بني نهد: «يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره»، فقال صلى الله عليه وسلم: «أدبني ربي فأحسن تأديبي، ورُبِّيتُ في بني سعد».
وقد ورد اللفظ بهذا المفهوم في قول امرأة من بني هَزّان في ابن لها عقّها:
أنشأ يمزق أثوابي يؤدبني *** أبعد شيبي عندي يبتغي الأدبا
ومنه قول بعض الفَزاريين:
أكنيه حين أناديه لأكرمه *** ولا ألقبه والسوأة اللقبا
كذلك أدبت حتى صار من خلقي *** أني وجدت ملاك الشيمة الأدبا
والأمر عينه يصدق على عصر الخلفاء الراشدين، فليس بين أيدينا ما يقطع بأن هذه الكلمة وما تشتمل عليه من مدلولات كانت شائعة في الجزيرة العربية في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ العرب.
الأدب في العصر الأموي: المعنى التعليمي الجديد
أما في العصر الأموي، وبعد ظهور أثر الفتوحات الإسلامية على الحياة الاجتماعية، فإن المتتبع لهذه المادة بالدراسة والبحث يلحظ أنها اكتسبت معنى التعليم في حدود مفهومه الاصطلاحي، وكذا الإخبار بشيء ما، خاصة بعد أن اتخذ الخلفاء لأبنائهم المعلّمين، وعهدوا إليهم بتربيتهم، فعُرفوا بـالمؤدِّبين.
وللإجابة على سؤال من هم المؤدِّبون في العصر الأموي؟ هم فئة من العلماء والشعراء المتخصصين الذين كانت توكل إليهم مهمة تعليم أبناء الخلفاء والأمراء الشعر والأخبار وأنساب العرب وفنون الخطابة، لتهذيب أخلاقهم وتثقيف عقولهم.
وبذا أصبح المؤدب مُخبِرًا بأمر ما، وقد ورد ذلك واضحًا في قول مقاتل بن مسعود العبدي:
عرفت الليالي بؤسها ونعيمها *** وحنكني صرف الزمان وأدّبا
أي جعلني ذا خبرة بالأمور.
وكذلك قول أبي عطاء أفلح بن يسار السندي من شعراء الدولة الأموية:
إذا أرسلت في أمر رسولًا *** فأفهمه وأرسله أديبًا
وإن ضيَّعت ذاك فلا تلمه *** على أن لم يكن علم الغيوبا
ونلحظ أن الكلمة اكتسبت مفهومًا جديدًا -إلى جانب المعنى الأخلاقي التهذيبي- يتصل بالتعليم وما يندرج تحته من رواية الشعر والأخبار، وأحاديث الأولين، وفنون الخطابة والمحاورة، وامتد ليشمل الثقافة العامة التي يؤدِّبها المؤدِّبون، فاكتسب بذلك صفةً علمية، حتى أصبحت تلك الكلمة مقابِلةً لكلمة العلم الذي كان يُطلق آنذاك على الشريعة الإسلامية، وما يتصل بها من دراسة الفقه والحديث النبوي وتفسير القرآن الكريم.
الأدب في العصر العباسي ذروة التوسع والازدهار
أما في صدر العصر العباسي، فقد شمل الأدب المعنيين معًا: المعنى التهذيبي، والمعنى التعليمي، وقد ظهر ذلك في رسالتين لـابن المقفع تحويان عددًا من النصائح والحِكم الخُلُقية والأدبية والسياسية، أطلق عليهما اسم «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» وهما في السياسة والأخلاق، كما اتّضح في حماسة أبي تمام، التي تحوي العديد من المختارات وطرائف الشعر، وتدعو إلى الأخلاق المحمودة.
وفي هذه المرحلة، أي في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهِجريَّين، اتسع مفهوم الأدب نتيجة للنمو الطبيعي للغة، وما طرأ على حياة العرب من رُقِيّ وتمدن وتغير وتجدد في حضارتهم، وتقلب في سياستهم، تبِعَ اتساعُ مملكتهم، وامتداد سلطانهم على أمم ذات عادات مختلفة.

ولا ريب في أن هذه التغيرات أسهمت في إظهار الأدب في ثوب جديد، يعالج قضايا الشعر وما يتصل به من أخبار وأنساب، وقد برز ذلك واضحًا في كتب مثل «البيان والتبيين» لـالجاحظ، الذي حوى عددًا من الأخبار والأشعار والنوادر، و«الكامل في اللغة والأدب» للمبرَّد.
ونمضي في القرن الثالث، فنجد «طبقات فحول الشعراء» لابن سلّام، و«الشعر والشعراء» لابن قتيبة، وفي القرن الخامس «زهر الآداب» للحصري. كذلك أطلق العرب لفظ الأدب على جملة ما كان لهم من المعارف غير الدينية.
واستمر هذا المعنى إلى ما يلي منتصفَ القرن الرابع، حسبما يُستنتج من رسائل إخوان الصفا. وتميز أدب إخوان الصفا بمزاجه الفلسفي والعلمي، وقد ورد فيها ما نصه: «واعلم يا أخي بأن العلوم التي يتعاطاها البشر ثلاثة أجناس، فمنها الرياضية، ومنها الشرعية الوضعية، ومنها الفلسفية الحقيقية. فالرياضية هي علم الآداب التي وُضع أكثرها لطلب المعاش وصلاح أمر الحياة الدنيا، وهي تسعة أنواع:
-
أولها علم الكتابة والقراءة
-
ومنها علم اللغة والنحو
-
ومنها علم الحساب والمعاملات
-
ومنها علم الشعر والعروض
-
ومنها علم الزجر والفأل وما يشاكله
-
ومنها علم السحر والعزائم والكيمياء والحيل
-
ومنها علم الحِرَف والصنائع
-
ومنها علم البيع والشراء والتجارات
-
ومنها علم السير والأخبار».
وقد ظهرت مؤلفات القرن الثالث والرابع الهجريين تؤكد أن الأدب في مفهومه عبارة عن «الملح واللطائف والنكت والأمثال والنوادر والأبيات الرقيقة والتواريخ».
وقد اتسع مفهوم الأدب ليشمل كل المعارف غير الدينية التي ترقى بمدارك الإنسان، في جانبيها الاجتماعي والثقافي، شعرًا كان أم نثرًا، إلى جانب علوم اللغة، والأنساب، والأخبار، وأيام الناس.
مفهوم الأدب عند ابن خلدون وما بعده
وجاء تعريف ابن خلدون لعلم الأدب جامعًا: «الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم، والأخذ من كل علم بطرف»؛ إلا أن هذا التعريف ما لبث أن انحصر في صناعة الشعر والإنشاء البليغ. وبعد أن كان لفظ الأديب يُطلق على جماعة المؤدّبين والشعراء الذين يحترفون تعليم الشعر والخبر لأبناء الطبقة الحاكمة، انحسر أيضًا واختص الشعراء به وحدهم. ويُعزى تشعّب لفظ الأدب من أصل معناه إلى معانٍ مغايرة، إلى ما طرأ على الحياة الاجتماعية للمجتمع العربي من تطور.
المفهوم المعاصر للأدب بين العام والخاص
بعد هذا العرض السريع لمفهوم الأدب قديمًا، علينا أن نتساءل: ما المفهوم المعاصر للأدب؟ وهل يدل الأدب في عصرنا الحاضر على شيء غير هذا؟ أو بعبارة أخرى: ما المفهوم المعاصر للأدب؟ وما طبيعته، وما خصائصه التي تفرض هذه التسمية؟ الواقع أن هذه الكلمة دلت منذ أواسط القرن الماضي على معنيين، أحدهما عام، والآخر خاص.

أما العام فهو يقابل كلمة Literature الإنجليزية، وهي توحي بالأدب المكتوب أو المطبوع، ما يشتمل على نتاج أفكار علماء الأمة وأدبائها.
وأما الخاص، فلا يُراد به مجرد التعبير عن معنى، بل يُراد به النتاج الأدبي من كلام منثور أو منظوم، في أسلوب يؤثر في عواطف السامع أو القارئ، على نحو ما هو معروف في فنون الشعر وفنون النثر الأدبية، مثل: القصص، والمسرحيات، والأمثال، والخطابة، والمقامة، والمناظرات، مع ما أُلِّف بفصيح العبارة وبلاغة الأسلوب من التاريخ ووصف الأسفار. وهذا يوضح الفرق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للأدب في عصرنا.
وقد أكّد لويس شيخو ذلك بقوله: «تحيا الأمم بآدابها، لأن الآداب تُرَقّي المرء فوق الحياة المادية، وتسمو به إلى المدارك الشريفة، وتقربه إلى عالم الأرواح، وإلى الجمال الذي منه يستعير كل مخلوق جماله، وعليه، فإن أراد العاقل أن يعرف درجة التمدن التي بلغها شعب من الشعوب، بحث عن انتشار الأدب بين أهله، ولذلك نرى المؤرخين يقدمون في تاريخهم تاريخ الآداب على تاريخ الوقائع، وربما أفردوا للآداب تاريخًا قائمًا بذاته، يثبت ما يختص بالعلوم والمعارف في كل ملة، مخبرًا عن نشأة الآداب بينها، واتساع نطاقها، وأسباب ترقّيها، ونتائجها الطيبة في إصلاح القوم وتحسين أخلاقهم».
رحلة كلمة تفصح عن رحلة أمة
إن تطور دلالة كلمة الأدب عبر العصور لم يكن مجرد تغيير لغوي، بل كان مرآة لتاريخ الأدب العربي نفسه ورحلة الأمة العربية من البداوة إلى الحضارة، ومن الاهتمام بالخلق والسلوك إلى بناء صروح شامخة من الشعر والنثر والفكر. إن فهم هذه الرحلة يمنحنا تقديرًا أعمق لتراثنا الغني ويجعلنا ندرك أن الأدب سيظل دائمًا ذلك الفن الذي يعبر عن أرقى ما في الإنسان.
بعد هذه الرحلة في تطور لفظ الأدب، يتضح أن هذا المفهوم لم يكن جامدًا بل كان كائنًا حيًّا يتغير بمرور الزمن. من معناه اللغوي القائم على الأخلاق، إلى اتساعه ليشمل الثقافة العامة في العصر الأموي، ثم تأصيله فنًّا بليغًا في العصر العباسي. إن مفهوم الأدب اليوم هو نتاج كل هذه المراحل، وهو ما يجعل منه مرآة تفصح عن تاريخ الأدب العربي وتطوره عبر العصور، ويؤكد أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فقط، بل هي سجل حي لتاريخ أمة بأكملها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.