لقد أحدث تطور الوعي المشهدي لدى الجيلين الأخيرين من شعراء القصيدة النبطية تطويرًا جذريًّا في رؤية هذه القصيدة، ثَمّ في تطوير إنتاجهم؛ فانتقل الشاعر من رثاء الطلل الجغرافي الحسي إلى تشييد ما يمكن تسميته بالطلل الخاص أو الروحي، وفي هذا النمط يتحول البيت/الملاذ من أثر مادي باقٍ تحت الرياح إلى فضاء رمزي يمثل مركزًا لتشكيل الهُويَّة وعتبة للبراءة الأولى المفتقَدة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الملمح في القصيدة النبطية الجديدة إنما يتجلى بوصفه ملمحًا خاصًّا بالجيلين الأخيرين من شعرائها بما يمتلكون من وعي بصري مغاير يتشكل عبر وعي جديد يتوازى مع مكونات الوعي البصري الشعري المعاصر، بما له من أبعاد تتلاقى مع فضاء الصورة الرقمية والسينمائية؛ ما جعل شعراء هذه الأجيال هم الأقدر على رصد المفارقة الصادمة بين أصالة الموروث وقسوة الراهن.
فهم لا يتعاملون مع المفردة التراثية كإرث ساكن يُبكَى عليه، بل يمتلكون الجُرأة التِّقْنِيَّة لإقحام هذا المعجم الأصيل في مواجهة مباشرة مع كادرات الحداثة المشوهة، ليصبح هذا الاغتراب السلوكي واللفظي سمةً أسلوبيةً فارقةً تُميِّز قصيدة الجيل الجديد، وتعبِّر عن أزمتهم الوجودية في عالم مادي سلب الأشياء هُويَّتها الأولى.
فالشاعر النبطي الحديث لم يجدْ لديه طللًا يقف عليه، ولم يكنْ قلقه الوجودي محدودًا كما كان الأمر في الطلل، فكان عليه أن «يبحث عن رموز جديدة، وأن يجد طريقة أخرى يركب بها هذه الرموز، ويساعده في إنجازها إدراكه الجديد للعلاقات الخفية بين جواهر الأشياء، وتحرره من أحادية الرؤية في المشابهة»([1])، وتبعًا لذلك فقد سعى لإعادة بناء المفاهيم القديمة، ولاكتشاف تلك التي لم تُعرَف بعد.
ويتجلى ذلك بوضوح في نص الشاعر عبد الله الكايد، الذي يربط بين انكسار هذا البيت الخاص وبين جغرافيا المكان المقدَّس بوصفه ملاذًا روحيًّا ثابتًا:
كان.. طفل يتهجا حلم عمره وشاف
أجمل العمر.. «بيت» في الخيال انشطب
يمكن يكون بحر ما لباله ضفاف
ويمكن يكون شعر بـ ضفته م انكتب
وانت، بينك وما رفرف بعينك وطاف
والمآذن وزمزم والمشاعر «نسب»
افتقدتك.. وحالك زي حالي كفاف..
واكبر احلامنا.. عيد و«طواقي قصب»
اذكر امي توصي.. «كلمتين خفاف»
مثل ما «هي» تعلمنا.. «سلوم العرب»!!
كانت اول «خطاوينا» بـ «مكة» .. طواف
واذكر اول «خطايانا» شقاوة هدب
مع هدبها تعلمنا وش الاختلاف
وان صعب الكتابة..، هي.. كتابة صعب([2])

فيفتتح الكايد مشهده الشعري برصد يوثق انكسار حلم الطفولة الباكر ونقض فكرة الاستقرار عبر علامة «بيت في الخيال انشطب»، ليعيد صياغة مفهوم الفقد الطللي في هذا السياق لا بوصفه دمارًا لحق بجدران واقعية، بل بوصفه غيابًا لحاضنة العمر الأولى.
ومن هذا الغياب الحسي ينتقل النص سريعًا نحو تكوين مكاني بديل يفيض بالقداسة واليقين، مستدعيًا الرموز الدينية التي تمثل عمق هُويَّته ونسبه الروحي «والمآذن وزمزم والمشاعر نسب» كلوحة بصرية مستمدة من جلال المكان الحرام، إذ تندمج القداسة برابطة الدم والوصايا الفطرية للأم لحماية الوعي من واقع الكفاف المادي الحديث «وأكبر أحلامنا.. عيد وطواقي قصب».
وتصل هذه الروحية إلى ذروتها بتثبيت المشهد عند حركة دائرية تقوم على مزاوجة بين طهر البراءة الأولى وطهر المكان المقدس «كانت أول خطاوينا بمكة.. طواف»، ليكون هذا التكوين الحركي الطفولي ممهدًا لبدايات تفتُّح وعي الشاعر متجاوزًا البراءة الأولى الممتزجة بالشقاوة الفطرية «واذكر أول خطايانا شقاوة هدب»، وبهذا الالتحام تغدو صياغة هذه العلاقة الروحية بالمكان تمهيدًا لصياغة كينونة الوجود وبحثًا عن الهوية ذاتها في زمن التحولات، معلنًا في الخاتمة صرامة هذا التدفق الإنساني وصعوبة رصده تعبيريًّا «وأن صعب الكتابة.. هي.. كتابة صعب».
وإذا كان مفهوم الطلل والبيت قد تحول عند الأجيال الأحدث إلى مساحة روحية وذاتية بديلة، فإن هذا التطور المنهجي ينسحب كذلك على مظاهر حركة التراث التأسيسية الأخرى في القصيدة النبطية، وفي مقدمتها إرث «الرحلة والحدَّاء»؛ بوصفهما حركتين تعبيريَّتين طالما توخاهما الوعي البدوي القديم لقطع الفراغ الصحراوي ومغالبة وعثاء السير. وإذ لم يعد الحداء غناءً خارجيًّا يسوق الركب، فقد أعاد الشاعر المعاصر شحن سياقاته ليتخذ منحًى وجدانيًّا خالصًا.
وفي هذا السياق، يتكئ الشاعر فهد عافت على آليات إشارية واعية تستدعي إرث «الحدَّاء» أو مغني القافلة، ليصنع مقاربة عاطفية مغايرة تذوب فيها مشقة السفر:
قلت رحلتنا تبي سكر وترنيمة أغاني
جاوبَت هات الأغاني وأترك السكر عليا
من شفايفها صباح الخير شكل وطعم ثاني
آه لو تدري وش اتسوي صباح الخير فيَّا([3])
وتتجلى إعادةُ إنتاج ملامح الرحلة التراثية بإحلال حضور المحبوبة كبديل بصري ونغمي عن أدوات ومؤثرات الصحراء القديمة؛ فعلامة «الرحلة» بما تحمله من ثقل ومكابدة في الوعي البدوي قد شُحِنت دلاليًّا بعناصر حسية تخفف من وطأة السير وفراغ المدى، لينتقل فعل الارتحال من سياقه الجغرافي الخشن إلى فضاء تعبيري يستعين بالإيقاع لترميم وعثاء الطريق.
وتتبدى الذروة البصرية والسمعية لهذا الاشتباك في الحوار الدائر بين الشاعر والمحبوبة، إذ يمثل الالتماس المشترك بين «ترنيمة أغاني» و«السكر» إعادة صياغة مشهدية ووجدانية لحدَّاء الركب الذي كان يسوق الإبل ويطوي المسافات، فيتحول في النص إلى صوت الأنثى وصورتها كمصدر وحيد لإمداد الرحلة بالحياة والتحريض على الحركة.
لتخرج في النهاية «صباح الخير» عن صيغتها اللفظية المجرَّدة إلى كونها علامة مشهدية لها «شكل وطعم ثاني»، تمثل ذروة التداخل الحسي «البصري والذوقي والسمعي» حين تصير إشراقة وجه المحبوبة وصوتها هما المشهد البديل والضوء الهادي الذي يوجه حركة الذات في تيهها المعاصر، محولًا إرث الحَدَّاء من غناء للإبل في الصحراء إلى وثيقة جمالية ذاتية توثق قدرة النغم على بعث الحياة في المدى الساكن.

وإذا كان المخرج يعتمد في عمله على اللقطة التي تلتقطها آلة التصوير، شريطة أن يتحقق فيها ما يسمى بالحركة السينمائية التي يحسن اختيارها وتحديدها وصياغتها في أسلوب فني معين يعبر عن مغزاها؛ فإن الشاعر «عندما يهتم بنقل فكرة أو تصوير مشهد يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على الصورة وما تصوره من حركة، فتغدو عينه هي الكاميرا التي تتحرك وتتابع وتلاحق كل ما يريد نقله وتصويره» [4].
وتتجاوز هذه السينوغرافيا الحركية حيزَ استدعاء الفنون الشفوية «كالحَدَّاء والنغم»، لتمتد نحو ارتدادٍ وِجْداني أعمق يقتنص جغرافيا التراث ويشتبك مع نصوصه الغابرة، كما يمكننا أن نلمسه في قصيدة الأمير بدر بن عبد المحسن «بيض الردون»:
يـبـنـي الـسـراب خـيـامـهـا
وسـط الـخـلا وأقـدامـهـا
تـنـبـت عـشـب وتـمـطـر غـمـام
لا مـن لـمـحـت آثـارهـا
يـطـري عَـلَـيْ عـشـق الـخـلا
وقـصـيـدة «لابـن غـيـام»!([5])
فلا يعمل التراث في هذا النص كقشرة خارجية، بل كبنية وِجْدانية أصيلة تعيد تفكيك المدى، ويبدأ ذلك من العتبة التراثية المحمَّلة برمزية العفة والنقاء التاريخيَّيْن «بيض الردون»، وصولًا إلى ذروة التناص السيميائي المباشر في قفل الكادر باستدعاء «قصيدة لابن غيام».
إن هذا الارتداد المشهدي المباغت نحو الذات الشاعرة القديمة يثبت أن الوعي المعاصر لا يقرأ تفاصيل امتداد الصحراء وعشق الخلا إلا من خلال شفرة النصوص التأسيسية الكبرى، فكما تحوَّل حدَّاء الركب عند عافت إلى صوت قائد للرحلة، تتحول «قصيدة لابن غيام» عند الشاعر إلى المرجعية النصية والوِجْدانية الكفيلة بتفسير حنين الذات الراهنة، محولةً التراث من مجرد ذاكرة شفوية غابرة إلى وثيقة حية وموقف معرفي كامل يوجه حركة الإبداع النبطي المعيش.
يمكننا كذلك الالتفات إلى زاوية أخرى، يمكننا أن نسميها «الطلل الخاص» الذي صاغه الشاعر النبطي بفضل وعيه المشهدي المتفاعل يوميًّا مع مؤثرات بصرية وتِقْنِيَّة خارجية، محوِّلًا إياه إلى فضاء روحي حي بوصفه مركزًا لتشكيل الهُويَّة والبراءة الأولى، ليعيد استقراء المكان المقدَّس بوصفه ملاذًا للذات وحاضنًا للقيم الفطرية، إذ يرتد بكاميراته بتِقْنِيَّة «الارتداد الزمني» ليصنع سيناريو مشهديًّا يربط فيه بين جغرافيا الطُّهر وتكوين هُويَّته الروحية في مواجهة جفاف الواقع الحديث، كما هو لدى عبد الله الكايد:
كان.. طفل يتهجا حلم عمره و شاف
أجمل العمر.. «بيت» في الخيال انشطب
يمكن يكون بحر ما لباله ضفاف
ويمكن يكون شعر بـ ضفته م انكتب
وانت، بينك وما رفرف بعينك وطاف
والمآذن وزمزم والمشاعر «نسب»
افتقدتك.. وحالك زي حالي كفاف..
واكبر احلامنا.. عيد و«طواقي قصب»
اذكر امي توصي.. «كلمتين خفاف»
مثل ما «هي» تعلمنا .. «سلوم العرب»!!
كانت اول «خطاوينا» بـ «مكة» .. طواف
و اذكر اول «خطايانا» شقاوة هدب
مع هدبها تعلمنا وش الاختلاف
وان صعب الكتابة..، هي.. كتابة صعب([6])
فيفتتح الكايد مشهده الشعري بزاوية مشهدية ترصد انكسار حلم الطفولة «بيت في الخيال انشطب»، لينتقل منها بقطع مونتاجي سريع نحو تكوين مكاني يفيض بالقداسة، إذ تلتقط عدسته الرموز المكانية المعجمية التي تشكل عمق هُويَّته ونسبه الروحي: «والمآذن وزمزم والمشاعر نسب»، صانعًا لوحة بصرية تفيض بالنقاء اليقيني المستمد من جلال المشهدية القرآنية للمكان الحرام، التي تندمج برابطة الدم والوصايا الفطرية للأم لحماية الوعي من واقع الكفاف الحديث «وأكبر أحلامنا.. عيد وطواقي قصب».
وتصل هذه السينوغرافيا الروحية إلى ذروتها في اللقطة الختامية التي ترصد حركة دائرية مقدسة في بؤرة المكان التراثي «كانت أول خطاوينا بمكة.. طواف»، ليتوازى هذا التكوين الحركي في مونتاج متوازٍ مع تفتُّح الوعي الإنساني وغواية البراءة في المشاعر الأولى «واذكر أول خطايانا شقاوة هدب»، ليؤكد الشاعر بعدسته المعرفية أن تدوين هذا الالتحام الروحي بالمكان هو صياغة لكينونة الوجود ذاتها «وأن صعب الكتابة..، هي.. كتابة صعب».
وتأسيسًا على ما تقدَّم، يتبدى لنا أن استنطاق المكان التراثي في هذا المقام لا يبدو متوقفًا يقف عند حدود الاستذكار العاطفي أو البكاء التقليدي على عتبات الماضي، بل شَكَّل بنية سينوغرافية متكاملة أعادت صياغة الأطلال والديار والقصور الغابرة بوصفها علامات سيميائية دالة على حركة الزمن وتحولاته.
فقد نجح شعراء القصيدة النبطية بمختلف أجيالها، بتدوير عناصر الكتلة والفراغ، وتوظيف حركة الإضاءة الطبيعية وتقلبات الرياح والمؤثرات السمعية المتداخلة، في تحويل الفضاء المكاني الساكن إلى مسرح حركي تتصارع فيه حتمية المادة مع حتمية الفناء كونيًّا وإنسانيًّا، فالمكان المعزول لم يعدْ جغرافيا ميتةً، بل تحول إلى وثيقة مرئية شاخصة تشهد على عبثية الاستقرار المادي أمام فيضان الزوال التاريخي.
ويبدو لنا من هذه القصائد أن التراث لا يقف مستسلمًا، بل يتشظَّى بصريًّا عبر المونتاج الشعري التبايني، فيُجبر الشاعرُ المتلقيَ على رؤية الرمز الموروث وهو يختنق أو يُباع داخل كادرات حديثة ومقيدة، ولعل إعادة تأطير التراث داخل هذه البيئات الطارئة لا تهدف إلى رثاء الماضي فحسب، بل تمثل إخراجًا سينمائيًّا للحظة الاغتراب تلك، فيتحول المعجم التراثي الأصيل إلى مرآة بصرية صادمة تكشف حجم التشوُّه والتمزق الذي يعيشه البطل المعاصر في مواجهة حداثة سلبت الأشياءَ قيمتَها الأولى.
ويمكننا تتبع ذلك لدى شعراء كثر، ومن ذلك على سبيل المثال قصيدة «علمونا كيف نتهجى وطن» لشيخة الجابري:
في مدارسنا
عرفنا الانفصام
بين تاريخ معاصر عولمي
وبين حلم نابت وسط الركام
علمونا كيف نتحرك فرق
وللصفوف نسير
واللحظة عرق
وكيف حصتنا الدراسية تكون
لوح أسود
عالق بجدران بيض
وامرأة توقف أمامه بانبهار
تشرح التاريخ
في عز النهار
وتتلو المنهاج من عصر التتار
لين صار اليوم يأكلنا الغبار([7])
وفي هذا التشابك اللفظي والمرئي، تتجلى خصوصية التَّجْرِبة الفنية في الشعر النبطي بانحيازها للغة الشاعر اليومية دون أي أبعاد لغوية أيديولوجية، «فكل نص له تكوينه الجمالي الفريد ومغامرته الأسلوبية الخاصة، لكنَّ هذا لا يعني انفصال التشكيل الجمالي عن التكوين الثقافي الحضاري المحيط، لكنْ ثمة أسبقية للجمالي على السياسي والاجتماعي»([8]).
وهو ما يبرهن على أن الشاعر النبطي قد جعل من الأسبقية الفنية والجمالية وسيلته المثلى لتعرية الأزمة الاجتماعية والحضارية، محولًا صدمة الراهن الرقمي إلى كشف جمالي يتجاوز السرد الإخباري ليدين واقع الاستلاب بأسلوب فني خالص.
بياع بن عمه بصالة وموكيت
والرا رشا من دونها تاج كسرى
من دونها الأحرار أشباه أسرى
بصحيبها لا عسعس الليل يسرى
لا طق يمنى فوق يسرى نضب زيت
هي حبها ناصر وهي حب ناصر
مثل البناصر والخناصر تقاصر
من دونها صيور ما طال قاصر
يا دافن بين الأواصر دناميت([9])

ومثل هذه القصائد وأمثالها تتجلى فيها ما يمكن أن نسميه سيناريوية الأداء في صياغة المشهد الشعري، بأشكال تدرجتْ من تشعير الموقف الإنساني كصورة موسعة مع عدم الاستغناء عن جماليات الصور الجزئية، وصولًا إلى حيادية التوثيق، تساوقًا من قريب مع طرح إليوت «T.S. Eliot» أن الشعر «يقدم حالة ويعبر عنها، ولكنه ليس منوطًا به حيثيات صحة ما يقول، فهو يطرح نماذج رؤيوية لفشل عالم أو الرغبة في صناعة عالم منشود أو مفتقد، هذا كله عبر حالة شعورية تستخدم الكلمات، ولكن ليس بتركيباتها المعتادة، فإعادة تركيب الألفاظ هي إعادة تركيب مفردات هذا العالم»([10]).
والمونتاج التبايني الحاد الذي يفتتح به الشاعر مشهده الشعري بلوحة بصرية صادمة ومغتربة تظهر وعيه بآليات التشويه الحديثة: «بياع بن عمه بصالة وموكيت»، وفي هذه اللقطة تتدخل عين الشاعر السينمائية لإحداث قطع حاد بين قيمة موروثة أصيلة «القرابة والدم» وبين بيئة حداثية طارئة ومصطنعة «صالة وموكيت»، محولًا الفضاء المكاني إلى مسرح لبيع القيم وتسليعها.
والمونتاج التبايني الحاد الذي يفتتح به الشاعر مشهده الشعري بلوحة بصرية صادمة ومغتربة تظهر وعيه بآليات التشويه الحديثة: «بياع بن عمه بصالة وموكيت»، وفي هذا الموضع تتدخل عين الشاعر السينمائية لإحداث قطع حاد بين قيمة موروثة أصيلة «القرابة والدم» وبين بيئة حداثية طارئة ومصطنعة «صالة وموكيت»، محولًا الفضاء المكاني إلى مسرح لبيع القيم وتسليعها.
ويتسع هذا التكوين المكاني في الأبيات التالية ليعيد إنتاج رموز الهيبة التاريخية القديمة مثل تاج كسرى والأحرار، واضعًا إياها في مواجهة لقطة مشهدية قاتمة ومقيَّدة «أشباه أسرى»، وهذا ما يوضح حجم الاختناق الذي يعيشه المعجم الموروث حين تبتلعه شروط العصر المادي ومصالحه الضيقة.
وتتبلور هندسة اللقطة وإخراجها الحركي في رصد الشاعرِ التفاصيلَ الدقيقةَ والرموزَ التراثيةَ التي تشظَّت قيمتها، فصوت حركة اليدين والندم «لا طق يمنى فوق يسرى» يتزامن في مرآة حداثته مع جفاف المادة ونضوب النِّفْط «نضب زيت»، في ربط ذكي بين جفاف الروح وجفاف الأرض.
وبفضل الخبرة البصرية التي يمتلكها الشاعر المعاصر في بناء المشاهد -التي سنعرض لها بالتفصيل في الفصل الرابع- فإنه يختتم هذا السيناريو بإطار بصري مشحون بالتوتر والخطورة الإيقاعية الحركية «يا دافن بين الأواصر دناميت»، فتُقحَم مادة تفجيرية حديثة ومدمرة «الديناميت» داخل بنية العلاقات الإنسانية والرحمية «الأواصر»، ليكون هذا الإحلال البصري الصادم بمنزلة وثيقة نقدية تعاين صراع الهُويَّة، وتدين حداثة استهلاكية مشوهة نسفت القيم الأولى للإنسان والوجود.
يتعمق وعي ناصر الفراعنة مستفيدًا من خبرته في بناء السيناريو، لينتقل من رصد تسليع العلاقات إلى مساءلة أشد خطورة تمسُّ تسليع الهُويَّة الفكرية والدينية للبطل المعاصر الذي انسلخ من جذوره ليلهث خلف بريق حداثي زائف. وتثبت هذه المشهدية أن «الصورة الأدبية لم تعد مجرد تشبيه أو استعارة أو كناية أو مجاز على وجه الضرورة، بل كثيرًا ما تُمثَّل في انزياحات اللغة الشعرية المعاصرة الخالية من ذلك»([11])، فالبناء البصري يتخلَّق من بنية المونتاج ذاتها، ونجده في قصيدة أخرى يقول:
يا ناقش بيدك خضاب الفرنجة
يا مبدل السبع المثاني كمنجة
عن الحرم لقيت وجهك لطنجة
وبدم كل عذراء يتيمة توضيت([12])
ويفتتح الشاعر هذا السيناريو بلوحة بصرية مكثفة تدين التبعية الثقافية من خلال رصد أدق تفاصيل الزينة والتحول: «يا ناقش بيدك خضاب الفرنجة»، ومن خلال هذه اللقطة تتدخل عين الشاعر الواعية بحركة الكاميرا لإحداث قطع حاد وصادم في البيت الثاني، حين يضع القيمة الدينية المطلقة في كِفة، ومظاهر العبث الحداثي في كِفة أخرى في قوله «يا مبدل السبع المثاني كمنجة».
وهذا التكوين المكاني واللفظي يبرز التشظِّي المعجمي في أبهى صوره، إذ تُنتزع «السبع المثاني» بفخامتها وقدسيتها من إطارها الإيماني الثابت، وتُقحم في مواجهة أداة عزف غربية حديثة «كمنجة»، في إشارة مرئية حاشدة بالدلالات تظهر اختناق الهُويَّة الأصيلة وتبدلها -وفق رؤية الشاعر- بلذَّات عابرة.
وتتضح هندسة اللقطة وإخراجها الجغرافي في رصد اتجاهات الحركة داخل الكادر، فالكاميرا ترصد تحولًا مرئيًّا معاكسًا للفطرة «عن الحرم لقيت وجهك لطنجة»، فينزاح الوعي البصري من مركز القداسة والاستقرار «الحرم» ليتجه نحو أقصى المغارب «طنجة»، في تجسيد بصري لضياع البُوصْلَة واغتراب الذات.
ويختتم الشاعر هذا المشهد بلقطة مشهدية بالغة القسوة والقتامة «وبدم كل عذراء يتيمة توضيت»، إذ تُدمَج شعيرة العبادة الطاهرة التراثية «الوضوء» بثقافة العنف والانتهازية المادية «الدم واليتم»، لتتحول هذه اللوحة البصرية الصادمة إلى إدانة إخراجية صارخة لحداثة استهلاكية شوهت المعجمَ الروحيَّ، وجعلتْ من قيم الموروث مجرد أقنعة لخدمة مصالح طارئة تتقاطع فيها الدماء بالزيف.

وكذلك تجلتْ في عديد من قصائد الشعر النبطي مستويات قوية من التناص الدرامي المعكوس، إذ تصير الآيات القرآنية بسياقها المقدس أداةَ إدانة لاغتراب الذات ورخص الواقع المعاصر، كما هو عند الشاعر فهد دوحان:
البارحة:
كان الورق مطفي ومقدود القميص..
جدًّا رخيص..
بكل ما للرخص من معنى فقير..
بكل ما للرخص من معنى وفير..
بكل ما للرخص من معنى
هو الأول – بقلب الناس الأحياء الميتين سنين
والمعنى الأخير!
البارحة:
حاولت أكون الصلح في حرب السلام..
حاولت أكون الصبح يا هذا الظلام..
أشعلت نار الذاكرة،،
لو يحترق كل الفراش..
أو يحترق بعضي..
لو «شاهد من أهلها»
يوقف على نبضي
فتحت الأبواب وصرختك:
يا سنيني «هيت لك»!!
تعالي راوديني..
علميني ليه إذا غنى الحمام بداخلي،
وتزعفر المعنى هناك.. ولملم العش وترك به بيضتين.. تضيعيني؟!(13])
يفتتح الشاعر شريطه الوِجْداني بوصف قسوة اللحظة والموت الروحي للأحياء، ثم يستدعي ذروة التحولات المشهدية في السورة القرآنية باقتباسين محكمين؛ الأول «شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا»، والثاني «هَيْتَ لَكَ». ويكمن البعد اللطيف والعميق في هذا التوظيف في قلب الأدوار الدرامية؛ ففي النص القرآني كانت «هيت لك» غواية ومراودة من امرأة العزيز ليوسف الصديق عليه السلام.
أما في القصيدة النبطية فإن الذات الإنسانية المأزومة هي التي تتقمص دور الصارخ المبتلي، وتطالب سنين عمرها بمراودتها «يا سنيني هيت لك.. تعالي راوديني»، بحثًا عن مخرج من واقع جاف، طالبةً شهادة نبضها كـ «شاهد من أهلها» لتوثيق هذا التمزق الداخلي. هذا التحوير الرؤيوي يحول الدال القرآني من طاقته التفسيرية إلى طاقة احتمالية حية تنبع من الانفعال الخالص، لتصبح قصة يوسف مرآةً لمعاينة صراع الروح المعاصرة ضد العزلة والتيه.
وفي ذات السياق، يمتزج هذا الثقل اليوسفي بلمحة وِجْدانية شديدة الرقة تستحضر معجزة الهجرة النبوية في غار ثور، وتحديدًا مشهد الحمام الذي باض على باب الغار لحماية الرسول ﷺ، فالشاعر يستعير هذا الرمز الروحي الكامن في الذاكرة الجمعية بوصفه دلالة على الأمان والسكينة العالية «علميني ليه إذا غنى الحمام بداخلي.. ولملم العش وترك به بيضتين.. تضيعيني؟!».
وتتبدى الصدمة السيميائية في هذه المقابلة المريرة، فالحمام وبيضتاه على باب الغار كانا سببًا تاريخيًّا للنجاة والأمن واستمرار الحياة، أما في الواقع الحداثي الجاف، فيغني الحمام في داخل الذات ويترك «البيضتين» كعلامة بركة وطهر، لكنَّ النتيجة تنقلب فجأة إلى «الضياع والتشتت» عوضًا عن الطمأنينة.

وأحيانًا ما ينتقل وعي الشاعر النبطي في هذا المسار إلى رصد تعطيل الوظيفة الإرشادية للموروث، فيستدعي معجمًا صحراويًّا ارتبط تاريخيًّا بالهداية، ليعيد إنتاجه خلال مونتاج تبايني يكشف عجز أدوات الإنقاذ القديمة عن إضاءة عَتَمة الواقع المعاصر الغارق في العزلة، وهو ما نقرأه لدى عبد الله الكايد على سبيل المثال:
لو قلت بالنجم اهتدى من تاه وأعياه السهاد
البارحة والريح ما تبت عن أطرافي يدا
من يهتدي يا سيدة للضو من تحت الرماد؟
من يستمع صوتي؟ ومن يحبس عن الصوت الصدى؟!([14])
فينطلق عبد الله الكايد في هندسة هذا السيناريو من مرجعية بصرية تتقاطع فيها الطبيعة بالثقافة القرآنية، إذ يعتمد وعي الشاعر النبطي على تمثُّل الآيات الكريمة التي جعلت من النجوم علامات هداية مرئية في ظلمات البر والبحر، كما في قوله تعالى «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»([15]). وقوله تعالى «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»([16]).
يفتتح الشاعر نصَّه بـ«لوحة بصرية» تظهر هذا التناص المستقر في لغته العادية اليومية: «بالنجم اهتدى من تاه وأعياه السهاد»، ليعيد بناء المشهدية القرآنية كعلامة أمان واستقرار وجودي ترصد فيها الكاميرا اتساع الفضاء الكوني المضيء ونظام الخلق الإلهي الذي يمنح الإنسان بُوصْلَة النجاة.
لكنَّ هذا الاستقرار البصري واليقين العقائدي سرعان ما يواجه قطعًا مونتاجيًّا مباغتًا يضعه في مواجهة بيئة الحداثة المأزومة، إذ تتدخل عناصر الطبيعة كقوة طارئة ومقيدة تحاصر جسد الشاعر المعاصر «البارحة والريح ما تبت عن أطرافي يدا»، ليتحول التكوين المكاني من فضاء المشهدية القرآنية الرَّحْب إلى إطار مشهدي خانق، يتناص فيه الشاعر بطريقة بصرية حركية مع سورة المسد في قوله تعالى «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ»([17])، مستثمرًا لفظة «تبَّت» التي تعني الهلاك والخسران والقطع ليصنع بها لقطة مشهدية ذات حركة مستمرة ومحاصِرة، فالريح في هذا التصوير كائن حداثي شرس يرفض الهلاك أو التراجع، ويداها ممدودتان بقسوة لا تنقطع عن أطراف الشاعر المعاصر «والريح ما تبت عن أطرافي يدا».
واستدعاء مشهدية «تبَّت يدا» تحديدًا نجده منتشرًا للغاية بين شعراء كُثر، فنقرأ لدى شيخة الجابري في قولها:
تبت الآلام تبت والألم أصله «جسد»، هو صديقي وهو رفيقي وهو عدو لي لدود([18])
وعند محمد بن ساقان في قوله:
تبت يديني والتعب ما بعد تب للحين يطعني وانا اصيح يافلان
ذبح غيابات الوطن واسئل الترب من وين بـ لقاني وانا مالي اوطان([19])
وقد ظهر ذلك في لقطات شعرية مكثَّفة، كقول ردة السفياني على سبيل المثال:
هزيت جذع الثلاثين وتساقط عمري إفلاسًا واللي بقى «لا إله إلا أنت» عفوك في صلاتي([20])
يعيد الشاعر تشكيل انكساره الذاتي بالتناص مع مشهد الجذع في قوله تعالى «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ»، محولًا فعل الهزَّ إلى علامة يأس تُسقِط أعوام العمر المهدورة وتوثق إفلاسه، وصولًا إلى بؤرة الالتجاء الختامية في صلاته التي تستدعي دعاء ذي النون في قوله تعالى «لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»؛ ليتحول النص إلى وثيقة بصرية تجمع بين قسوة المراجعة الذاتية وشفافية طلب النجاة.
وجماع القول، فإننا حاولنا أن نجعل هذا الفصل رصدًا متكاملًا لكيفية انصهار المادة الموروثة في بنيان القصيدة النبطية الجديدة، مخرجًا إياها من حيز الاستذكار اللغوي البسيط إلى أفق التشكيل البصري الحي، وكشفت القراءة عن تولد رؤية طيفية مغايرة للمكان، غادرت بكاء الأطلال التقليدي لتستحيل إلى تَجْرِبة ذاتية تنبش في مكامن الذاكرة وتصنع جغرافيتها الروحية الخاصة.
([1]) صلاح فاروق، تحولات القصيدة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، 2007، صـ81.
([2]) عبد الله الكايد، قصيدة «محتاج أخاف!»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/122682.
([3]) فهد عافت، قصيدة «مريم»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/119209.
[4] ناهد راحيل، الشعر والفنون: دراسة مقارنة في آليات التداخل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 2017، صـ 229.
([5]) بدر بن عبد المحسن، ديوان «شهد الحروف»، وزارة الثقافة السعودية، 2025، صـ14.
([6]) عبد الله الكايد، قصيدة «محتاج أخاف!»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/122682.
([7]) شيخة الجابري، قصيدة «علمونا كيف نتهجى وطن»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/126340.
([8]) علاء الدين رمضان، القصيدة العربية المعاصرة وتحولات النمط «التشكيل والدلالة»، الهيئة العامة لقصور الثقافة- وزارة الثقافة، مصر، الطبعة الأولى، 2005، صـ 9.
([9]) ناصر الفراعنة، قصيدة «اليتيمة»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/120399.
([10]) فرانك جوتيران، فنون السينما «كتاب جماعي»، ترجمة عبد القادر التلمساني، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2001، صـ 132.
([11]) عبد الملك مرتاض، نظرية البلاغة: متابعة لجماليات الأسلبة العربية، أكاديمية الشعر، الطبعة الأولى، 2011، صـ 153.
([12]) ناصر الفراعنة، قصيدة «اليتيمة»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/120399.
([13]) فهد دوحان، قصيدة «تجليات الرؤى في سجن العزيز»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/121589.
([14]) عبد الله الكايد، قصيدة «ساعة حياد»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/122681.
([15]) سورة النحل، الآية رقم 16.
([16]) سورة الأنعام، الآية رقم 97.
([17]) سورة المسد، الآية رقم 1.
([18]) شيخة الجابري، قصيدة «ما طلبت الليل حاجة»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/126348.
([19]) محمد بن ساقان، قصيدة «نص مجهض»، موقع الديوان https://folk.aldiwan.net/poems/126730.
([20]) محمد مهاوش الظفيري، الصورة الشعرية في القصيدة النبطية، دراسة موضوعية وصفية تطبيقية، أكاديمية الشعر، أبوظبي، 2018، الطبعة الأولى، صـ 185، روايةً عن: ردة السفياني.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.