يبدأ تطور اللغة عند الطفل منذ صرخة الولادة الأولى عبر التواصل البصري والبكاء، وليس عند نطق كلمته الأولى. يمر هذا النمو بست مراحل أساسية تبدأ بـ«اللغة الاستقبالية» (الفهم) في الشهور الأولى، وصولًا إلى «اللغة التعبيرية» (الكلام) وتكوين الجمل بحلول العام الثاني.
في هذا الدليل، نوضح لكِ متى ينطق طفلك، وعلامات تأخر الكلام التي تستدعي تدخلًا متخصصًا، ونأخذك في رحلة لفهم تطور النمو المعرفي للطفل، منذ مرحلة المناغاة الأولى وصولًا إلى إتقان الحوار.
قد يبدو صادمًا لكثير من الأمهات القول بأن الكلام عند الطفل لا يبدأ بالكلمة الأولى، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما كان جنينًا في بطن أمه. غير أن هذه الحقيقة تفتح بابًا أوسع لفهم تطور اللغة عند الطفل.
وفقًا لكتاب «تطور النمو المعرفي»، فاللغة ليست كلمات تُقال، ولكنها منظومة تبدأ بالفهم والانتباه والتفاعل، وصولًا إلى مرحلة التعبير بالكلام.
ماذا يعني تطور اللغة عند الطفل؟
تمر اللغة عند الطفل بسلسلة من التطورات، تبدأ بالفهم «اللغة الاستقبالية» حتى تصل إلى مرحلة الجملة وإتقان الحوار وسرد القصص «اللغة التعبيرية».
غير أن ذلك لا يحدث فجأة، ولا تبدأ اللغة بالكلام، بل تبدأ بالفهم والانتباه والتفاعل مع البيئة من حوله، في مسار تدريجي متكامل.

مراحل النمو اللغوي عند الأطفال
يمر الطفل برحلة معرفية مذهلة لاكتساب اللغة، وتُقسم هذه الرحلة علميًا إلى المراحل الآتية:
المرحلة الأولى: ما قبل اللغة (من الولادة – 6 أشهر)
مرحلة ما قبل اللغة كما يسمها بعض المتخصصين، ولكن: كيف يتواصل الطفل دون كلام؟
في هذه المرحلة الدقيقة من حياة الطفل، لا يتواصل بالكلام فقط، وإنما يلجأ إلى البكاء أول وسيلة تواصل مع البيئة من حوله، وكأنه اختبار لصوته. وقد يكون البكاء تعبيرًا عن الجوع أو الألم وغير ذلك، ما يظهر احتياجاته الأساسية.
وبالتدريج، ومع الأشهر الأولى، يبدأ الطفل الرضيع بالانتباه إلى الأصوات من حوله خاصة صوت الأبوين؛ لأنه يمكنه تمييزهما عن باقي الأصوات الأخرى، وهو دليل مبكر على تطور الإدراك السمعي.
التواصل البصري في هذه المرحلة مهم للغاية، وهو علامة على سلامة الطفل أو العكس؛ لأنه قد يكون غيابه دليلًا على إصابته باضطراب طيف التوحد. وهذا ما يجعل مسؤولية الوالدين كبيرة في مراقبة سلوك الطفل في هذه المرحلة، وملاحظة أي تغير يظهر عليه مقارنة بأقرانه في المرحلة العمرية نفسها.
المرحلة الثانية: المناغاة (6 – 9 أشهر)
المناغاة: الأساس الحقيقي لنطق الطفل، وهي أصوات متكررة ينطقها الطفل، مثل: «با با»، «دا دا»، «غا غا». وفي هذه المرحلة يبدو الطفل وكأنه يختبر صوته للمرة الأولى ويلعب به، في إطار اكتشافه لقدراته الصوتية.
في تطور نمو اللغة عند الطفل، تُعد المناغاة خطوة حاسمة نحو النطق، حتى وإن بدت دون معنى أو غير مفهومة؛ لِكونها تدريبًا للجهاز العصبي، وتمهيدًا عضليًا للنطق، ومؤشرًا صحيًا على تطور دماغ الطفل.
المرحلة الثالثة: الفهم يسبق الكلام (9 – 12 شهرًا)
يتساءل بعض الآباء والأمهات: لماذا يفهم الطفل قبل أن ينطق؟ عزيزي الأب، عزيزتي الأم، في هذه المرحلة من عمر الطفل، من الطبيعي أن يستطيع تنفيذ الأوامر البسيطة، مثل: هات الكوب، أغلق الباب، اضرب الكرة، حتى وإن لم يكن قادرًا على التعبير لفظيًا بعد.
كذلك يستجيب الطفل لاسمه عند النداء عليه، ويفهم ما تعنيه كلمة «لا» و«تعال». ولذلك نجد أن الفهم «اللغة الاستقبالية» يسبق الكلام «اللغة التعبيرية» عند الطفل.
المرحلة الرابعة: أول كلمة (12 – 18 شهرًا)
يسألني كثير من الأمهات: متى ينطق الطفل أول كلمة؟ وما دلالتها المعرفية؟ غالبًا ما ينطق الطفل أول كلمة في عمر تسعة أشهر، ويُطلق على هذه المرحلة «البأبأة»، إذ غالبًا ما تكون الكلمة الأولى «بابا»، بوصفها أسهل الأصوات تكرارًا.
ومع ذلك، يختلف الأطفال فيما بينهم؛ فقد ينطق أحدهم في عمر عام، وقد يتأخر آخر إلى عام ونصف، وقد ينطق البعض بعد ذلك. وهذا التفاوت أمر طبيعي ولا يستدعي القلق، طالما أن الطفل يفهم ما يُقال له.
يربط بعض الأمهات بين عدد الكلمات التي ينطقها الطفل وبين الذكاء، بعدِّ أن زيادة عدد الكلمات دليل على ارتفاع الذكاء، وهو أمر غير صحيح؛ فالطفل الذي يستمع لكلامك ويذهب لإغلاق الباب دون أن ينطق كلمة واحدة هو طفل ذكي، لأنه استجاب للفهم لا للكلام.
لذلك يمكن القول إن قلة عدد الكلمات لا تدعو للقلق، في حين أن فهم الطفل للأوامر والتعليمات هو المقياس الحقيقي للذكاء، تمامًا كالتلويح باليد كوسيلة تواصل ذات دلالة.
المرحلة الخامسة: انفجار المفردات (18 – 24 شهرًا)
طفرة الكلام: لماذا يتكلم الطفل فجأة؟ عادة ما تشهد هذه المرحلة تسارع وتيرة الكلمات لدى الطفل، ليس هذا فحسب، بل أيضًا ربطها بالمعنى المقصود، وهو ما يظهر تطورًا ملحوظًا في قدراته اللغوية.
وقد يعود ذلك إلى تحسن التحكم العضلي في جهاز النطق، فضلًا على نضج الدماغ، ما يؤدي إلى أن يبدأ الطفل في تكوين جملة بسيطة من كلمتين.
المرحلة السادسة: من الكلمة إلى الحوار (2 – 4 سنوات)
كيف يتحول الكلام إلى حوار؟ في هذه المرحلة من عمر الطفل يمكن ملاحظة:
- الفطام
- الالتحاق بالحضانة
- قدوم مولود جديد
بصفتي اختصاصي ألاحظ أن التحدث الموازي هو أداة فعالة جدًّا، بدلًا من سؤال الطفل طوال الوقت «ما هذا؟»، اوصف ما تفعله أمامه، مثل: «نحن الآن نفتح الباب.. الباب كبير». هذا الأسلوب يغذي دماغه بالمفردات دون ضغط نفسي، ويسرّع من قدرته على الحوار تدريجيًّا، وهو ما تدعمه توصيات الجمعية الأمريكية للنطق واللغة والسمع (ASHA).
فهذه العوامل كفيلة بزيادة حصيلة الكلمات من ناحية عدد المفردات وطول الجملة، نتيجة اتساع دائرة التفاعل الاجتماعي. فالفطام، على سبيل المثال، وبعد أن كانت طلبات الطفل تُلبَّى دون نطق كلمة واحدة، يصبح الآن مضطرًا للتحدث والتعبير عن احتياجاته.
كذلك الالتحاق بالحضانة والتعامل مع أشخاص جدد، سواء كانوا معلمين أو زملاء أو غيرهم. ومع وصول الطفل إلى عامه الثالث، تبدأ بعض الأسر في استقبال مولود جديد، وهو عامل إضافي يساعد الطفل على زيادة حصيلته اللغوية.

متى يكون التأخر طبيعيًا؟ ومتى نقلق؟
عزيزي المربي، إذا كان طفلك يفهم ما يُطلب منه، ويستطيع التواصل بصريًا مع من حوله، والتفاعل معهم، فضلًا عن تقليد الأصوات والحركات، فلا داعي للقلق وإن تأخر في الكلام.
أما القلق فيكون في حال افتقاد الطفل لمهارات ما قبل اللغة، مثل: عدم الاستجابة للاسم، وضعف التواصل البصري، وعدم تقليد الأصوات والحركات، أو عدم فهم ما يُطلب منه. وفي هذه الحالة ننصح بالتدخل المبكر لتفادي تفاقم التأخر.
هل كل طفل يفهم قبل أن يتكلم؟
نعم، الفهم «اللغة الاستقبالية» يسبق الكلام «اللغة التعبيرية» بمدة قد تصل إلى ستة أشهر أو أكثر.
هل تأخر الكلام وراثي؟
قد يكون له عامل وراثي، لكنه ليس السبب الوحيد؛ بل يشمل الأمر غياب البيئة المحفزة وأسبابًا عضوية أخرى.
هل الذكاء مرتبط بسرعة الكلام؟
لا، الذكاء يُقاس بالفهم والتفاعل، لا بعدد الكلمات التي ينطقها الطفل. فقد يحضر الطفل جهاز التحكم «الريموت» دون أن ينطق بكلمة واحدة.
كيف يدعم الأهل تطور لغة الطفل؟
للأسرة دور مهم في تنمية نطق الطفل وتطور لغته بواسطة:
- كثرة التحدث معه والاستماع الفعال لما يقوله
- تسمية الأشياء من حوله في أثناء اللعب
- وصف ما يدور حوله وفي بيئته
- قراءة القصص المصورة
بفضل خبرتي بصفتي طبيب أطفال أنصحكم أنه لكي تعززي تطور لغة طفلك، توقفي عن سؤاله الدائم: «ما هذا؟». بدلًا من ذلك، استخدم إستراتيجية التحدث الموازي. على سبيل المثال، وأنت تلبسه حذاءه، قل بصوت واضح: «الآن نلبس الحذاء الأحمر.. الحذاء جميل.. نضعه في القدم».
هذا الأسلوب يغذي دماغه بالمفردات دون ضغط عليه للإجابة، ما يسرِّع عملية اكتساب اللغة طبيعيًّا وبأسلوب مذهل، وهو ما نوصي به دائمًا في عيادات التخاطب.
وصيتي للآباء والأمهات في هذا السياق أن اللغة تمر بسلسلة من الخطوات والمراحل، وليست سباقًا يخوضه الطفل؛ فهي تنمو بتدرج. وما عليكم إلا المراقبة والتفاعل الفعَّال، وتوفير بيئة لغوية داعمة، والاطمئنان ما دام أن علامات فهم الطفل لما يدور حوله وفي بيئته موجودة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.