كيف تطور السرد العربي في القرن العشرين؟

إذا استطعنا أن نلقي نظرة تاريخية واسعة على الرواية العربية منذ بداية القرن العشرين وحتى نهايته، فسنلاحظ التطور الكبير الذي حل بالسرد العربي على مدى 100 عام، وسنرى كيف تطورت التقنيات السردية نتيجة التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو ما تجلى في النهاية في شكل الرواية الحديثة التي لا يمكن أبدًا فصلها عن الرواية الكلاسيكية، بل هي نتيجة التطور والتجريب والإبداع المستمر لآلاف الكتاب العرب.

وفي هذا المقال، نصحبك في رحلة أدبية تاريخية لنعرف سويًا كيف تطور السرد العربي في القرن العشرين، ونرى أثر النهضة الفكرية على الرواية الحديثة، وكيف تأثرت الرواية العربية بالتحولات الاجتماعية والسياسية.

محطات تطور السرد العربي في القرن العشرين

حينما نتحدث عن تطور السرد العربي في القرن العشرين، فإننا حتمًا نقصد الرواية العربية التي شهدت كثيرًا من التحولات الكبيرة على المستوى الفني نتيجة التحولات الكبيرة على مستوى الواقع من الناحية الفكرية بسبب التغيرات الاجتماعية والسياسية التي مر بها العالم العربي على مدى 100 عام.

ومع تغير المفاهيم الاجتماعية، تغيرت المفاهيم الأدبية، وبدأ الأدباء يمزجون ما بين التقاليد السردية القديمة المرتبطة بالتراث الأدبي العربي، وبين التقاليد السردية الجديدة الوافدة من الغرب نتيجة الانفتاح على العالم والثقافة الغربية، والتي حملت الحداثة والعديد من تقنيات الكتابة الجديدة.

وهنا يمكن أن نلاحظ أن الرواية العربية شهدت مرحلة من مراحل الازدواجية الفكرية التي تحمل وجهين يبدوان عكس بعضهما وهما الوجه العربي التقليدي الكلاسيكي والوجه الغربي الثوري والحداثي. إلا أن الأمر يمكن النظر إليه من ناحية التطور باعتباره يعكس الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي كان يحمل نفس الازدواج في محاولة للخروج بشخصية جديدة تناسب العصر.

بدأ الروائيون العرب يصنعون الرواية الجديدة باستخدام الأساليب التراثية العربية واستخدموا اللغة نفسها بشكلها الكلاسيكي مع تضمين الموروثات الحضارية والدينية والأسطورية. لكن الجديد ظهر في تقنيات الأشكال التي جاءت من الغرب مثل أشكال المدارس الأدبية المختلفة، وعلى رأسها الرواية التجريبية والرواية الواقعية والرواية الوجودية. وبالتالي حملت الرواية العربية صراعًا جديدًا بين الأصالة والتجديد، ليس على مستوى الأفكار فقط وإنما على مستوى البنية أيضًا.

ومع الوقت استطاعت الرواية العربية أن تصنع لنفسها هوية جديدة من خلال معالجة القضايا العربية نفسها حتى وإن استخدمت آليات وتقنيات السرد الغربي، حيث برزت قضايا الاستعمار والهوية وقضايا الفقر والتغريب والتحولات الاجتماعية وقضايا المرأة، وهو ما يعد توثيقًا فنيًا وسرديًا وأدبيًا للتاريخ العربي في تلك الفترة.

ورغم تأثر الرواية العربية بالرؤى الجمالية والتقاليد السردية الغربية، فإن الأمر لا يمكن حصره في الرواية العربية فقط؛ فقد تأثرت الرواية العالمية بشكل كبير بالثورة الأدبية الأوروبية، وهناك على سبيل المثال الرواية الآسيوية ورواية أمريكا اللاتينية والرواية الأفريقية. وبالتالي، كان التحول في الرواية العربية تحولًا عالميًا وليس نتيجة ضعف أو تقليد أعمى من الأدباء العرب للتقنيات والآليات السردية الغربية.

أثر النهضة الفكرية على تطور السرد العربي في القرن العشرين

عندما نعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، أول ما سنلاحظه في هذا العصر هو الحالة الفكرية الجديدة التي أُطلق عليها تاريخيًا النهضة الفكرية العربية، والتي شهدت دعوات وجهودًا كبيرة من مثقفين وكتّاب ونقّاد ومترجمين عرب لإحياء الثقافة العربية وتحريك حالة الجمود الثقافي التي عانى منها الوطن العربي لسنوات طويلة. وبالتالي، شهدت تلك الفترة حركة ترجمة كبيرة ومكثفة وانفتاحًا هائلًا على الفكر الأوروبي.

ونتيجة النهضة الفكرية العربية، حدثت طفرة كبيرة في الأدب العربي من خلال الانفتاح على الأدب الأوروبي، وتبنى الأدباء العرب مجموعة كبيرة من المفاهيم الأدبية والفنية الجديدة التي تناسب إيقاع العصر على مستوى الشكل والمضمون؛ حيث بدأ الأدباء يناقشون أفكارًا جديدة تتحدث عن الذات، وعن الواقع، وعن قضايا المجتمع، وتستخدم أساليب سردية جديدة مناسبة لحاجات الإنسان العربي في تلك الفترة.

ومع الوقت ظهر جيل جديد من الكتاب أصحاب الثقافة الواسعة والذين اطلعوا على الثقافة الغربية وقرأوا الشعر والقصة والرواية الأوروبية، ومنهم من سافر وتعلم في أوروبا، وبالتالي ظهرت إبداعات عربية ذات طبيعة حداثية، وهو الأمر الذي تعمق مع الوقت بسبب تطور التعليم وظهور المؤسسات الثقافية ودور النشر، فأصبح الوطن العربي مجالًا خصبًا للتطور الفكري والأدبي، وهو ما انعكس على تقنيات وآليات السرد بشكل كبير.

وكما تأثرت الرواية العربية بالنهضة الفكرية، ساعدت الرواية أيضًا في تطوير الفكر العربي وشاركت في القفزة الفكرية العربية في القرن العشرين؛ حيث استطاعت الرواية أن تستوعب كل المنجزات الفنية والفكرية الحديثة، والأجمل من ذلك أنها ظلت محتفظة بالهوية التراثية العربية، وحملت التوازن الرائع بين التراث والانفتاح على العالم الجديد، وبين التعبير عن الذات وعدم الهروب من الواقع العالمي.

تأثير التحولات الاجتماعية على الرواية العربية في القرن العشرين

من الطبيعي أن يتأثر الأدب بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحدث في المجتمع، ومن الطبيعي أيضًا أن يكون الأدب هو مرآة المجتمع التي تعكس تلك التحولات، وهو ما حدث بالضبط للرواية العربية وتقنيات السرد العربي في القرن العشرين نتيجة التحولات الكبيرة في المجتمعات العربية.

يمكننا أن نلاحظ أثر التحولات الكبيرة في الرواية العربية من خلال انتقال المجتمعات العربية من الأنماط التقليدية إلى الأنماط المعقدة نتيجة اتجاه المجتمع العربي نحو التعليم والحضارة، وما تبع ذلك من تغييرات اقتصادية وتغيرات كبيرة في حياة الناس ومفاهيمهم وروتينهم اليومي وعلاقاتهم ببعضهم البعض، وكذلك علاقاتهم بالمجتمع.

وبالنسبة للرواية العربية فقد بدأت في إعادة تشكيل العلاقات من خلال السرد؛ حيث بدأت تهتم بقصة الفرد وحكايته وهمومه أكثر من الاهتمام بقصة الجماعة، وبدأت الرواية تركز على التجارب الفردية بالإضافة إلى إفساح المجال لأفكار جديدة تتعلق بالهوية والنظر إلى العالم بدلًا من الأفكار الكلاسيكية.

تبنت الرواية العربية آليات السرد الواقعي لكي تعبر عن التحولات التي شهدها الإنسان العربي في القرن العشرين، وعن المشاعر والأحاسيس الجديدة مثل الاغتراب النفسي والاجتماعي نتيجة تحول الإنسان العربي من العيش في القبيلة والجماعة إلى العيش في المدينة الحديثة. وأظهرت الرواية العربية تدهور العلاقات الاجتماعية وما تبع ذلك من تغير في اللغة والأسلوب، وظهور اللغات العامية في بنية الرواية العربية، وتعدد الأصوات والتداخل الزمني في بنية السرد الروائي في محاولة لمحاكاة ذلك التداخل والتعقيد الموجود في الواقع.

الأمر الآخر في تأثير التحولات الاجتماعية الاقتصادية على بنية الرواية العربية هو اتجاه الروائيين العرب إلى استحضار التراث العربي ليس من باب الحكي والسرد وإنما من منظور نقدي؛ حيث بدأوا يعيدون قراءة التاريخ مرة أخرى ويبدأون في نقده وتفكيكه وتحليله كما يفعل الكتاب الغربيون، وهو ما جعل كثيرًا من الروايات العربية تشهد ذلك الصراع بين التراث والحداثة في القرن العشرين لتصبح الرواية العربية مرآة تعكس ما يدور في نفس وذهن المثقف العربي وتصبح أيضًا أحد مواد صناعة الوعي الجديد في الثقافة العربية.

كيف تطورت قضايا السرد العربي في القرن العشرين؟

كما تطور السرد وآليات وتقنيات الكتابة نتيجة النهضة الفكرية والانفتاح على الغرب، ونتيجة التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العالم العربي في القرن العشرين، تطورت أيضًا القضايا التي ناقشتها الروايات العربية في القرن العشرين، حتى لا يكون التطور فقط على مستوى الشكل، وإنما تطور في المضمون الذي يناسب البنية السردية الجديدة.

وعلى سبيل المثال، شهدت قضايا المرأة في الرواية العربية تطورًا هائلًا وأفكارًا جديدة، وتناول الكتاب العرب الكفاح النسوي الذي ظهر في القرن العشرين بغرض التحرر من القيود والتقاليد القديمة، وهي أفكار يمكن أن نقول إنها جاءت من الغرب، كما جاءت الأساليب السردية الجديدة.

كما قدمت الرواية العربية نماذج نسائية متعددة، وأصبحت المرأة شخصية رئيسية في النص الروائي، وظهرت روايات تتحدث عن معاناة المرأة من القهر والتهميش، وتعكس التناقضات الكبيرة التي تحاصر المرأة في البيئة العربية، وبدأ الكتاب يحللون شخصية المرأة ويغوصون في أعماقها على مستوى المكنونات النفسية والاجتماعية.

من ناحية أخرى ظهرت موضوعات جديدة في الرواية العربية على مستوى مناقشة الفقر والطبقات الاجتماعية والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي الكبير الموجود في البيئة العربية، إلا أن التناول الجديد كان معنيًا بالفئات المهمشة التي غالبًا ما كانت تضيع في آليات السرد القديمة، وبدأت الشخصيات المسحوقة التي تعيش في ظروف قاسية تبرز لتكون مركز الرواية وقضيتها الأساسية.

كذلك ناقشت الرواية العربية أفكار العزلة والإقصاء وطرحت كثيرًا من الأسئلة حول السلطة والعدالة بلغة بسيطة مباشرة ودون تجميل من أجل أن تكون القضية هي البطل الرئيسي وليس اللغة الروائية أو تقنية السرد، مما يعد انتصارًا كبيرًا للقيمة الإنسانية داخل بنية الرواية العربية الجديدة في القرن العشرين.

الرواية هي المرآة الحقيقية للمجتمع؛ فقد رصدت الرواية العربية الجديدة التحولات التي شهدتها العلاقات الاجتماعية في تلك الفترة، وناقشت آثار الهجرة الداخلية، وكيف انهارت الروابط الاجتماعية في البيئات الفقيرة، وأشارت إلى حالة من حالات الفقر الثقافي والروحي والعاطفي، وكيف أن هذه الحالة تجذرت في الحياة العربية وأصبحت سمة من سمات تلك المرحلة التاريخية.

كما أن الرواية العربية لم تتجاهل الأحداث السياسية والثورات، سواء تلك التي شهدها الوطن العربي أو التي شهدها العالم، وكيف أثرت على الوطن العربي؛ فظهرت الروايات التي تتحدث عن القمع والاستبداد، وردود الفعل الشعبية، والشخصيات التاريخية التي كان لها دور كبير في تلك الفترة، بالإضافة إلى شخصيات المنكوبين والمناضلين والمعتقلين، في إطار حداثي يتناول التفاصيل البسيطة والمشاعر الداخلية بقدر ما يهتم بالأحداث التاريخية الكبيرة.

أما التطور الأكبر على مستوى بنية الرواية العربية فهو في قدرة الرواية على طرح الشكوك والأسئلة والمساءلة التاريخية للأحداث والأبطال والشخصيات والمواقف التي مر بها الوطن العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، مثل ما حدث مثلًا في هزيمة 1967 عندما خرجت الروايات العربية لتفكك الأيديولوجيات وتعرّي الشعارات وتحاكم الشخصيات لتكتسب الرواية العربية دورًا جديدًا وهو دور الوثيقة الأدبية التاريخية التي تشهد على المشهد السياسي العربي من زاوية الوعي الجمعي.

ناقشت الرواية العربية أفكار العزلة والإقصاء وطرحت أسئلة حول السلطة والعدالة

أمثلة على تطور السرد العربي في القرن العشرين

  • اتجاه كثير من الكتاب إلى إعادة كتابة السيرة والأسطورة والتراث العربي في قالب جديد، كما حدث مع إعادة كتابة السيرة الهلالية بشكل حداثي ومعاصر، واستحضار الشخصيات القديمة مثل أبي زيد الهلالي كرموز يمكن إعادة قراءتها بحسب تقنيات العصر الحديث.
  • ظهور الشعر القديم في بنية السرد الحديث، واعتماد الكثير من الكتاب والروائيين على الشعر العربي كمرجع ثقافي وجمالي، من خلال استحضار اللحظات التاريخية أو الوجدانية أو الشخصيات القديمة، والاقتباسات الشعرية، والتناص مع الكتابات العربية القديمة في النصوص الروائية الجديدة.
  • استخدام الروائيين العرب التقنيات السردية الحديثة مثل البناء الدائري والتداعي الحر للذكريات وتعدد الأصوات في بناء الأعمال الروائية العربية في القرن العشرين، وهي تقنيات سردية تعود إلى الغرب، إلا أنها اندمجت تمامًا مع المضمون العربي لتشكل الرواية العربية الجديدة.
  • ظهر الاتجاه التجريبي في الرواية العربية حيث بدأ الكتاب العرب يختبرون أدوات سردية جديدة مثل تعدد الأصوات والتقطع الزمني واستخدام اللغة الشعرية داخل الرواية، وبدأت الأصوات الجديدة تتخلى عن البناء الكلاسيكي العربي الذي كان يرتبط بالراوي العليم والتتابع الزمني والحبكة المتماسكة لصالح النصوص الفسيفسائية التي تحمل العديد من الأصوات والأزمنة والدلالات والتعقيد الذي يتشابه كثيرًا مع تعقيد الواقع في تلك الفترة.
  • شهدت العديد من التجارب الجديدة في الرواية العربية استخدام تيار الوعي وتقنية التداعي الحر وتدفق الأفكار لإظهار الحالة النفسية وتشعباتها وإكساب الرواية العربية بعدًا وجوديًا جديدًا لم يكن معروفًا من قبل، وهو ما ظهر مثلًا في أعمال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.
  • بدأت الرواية العربية تستفيد من المدارس الجديدة في الكتابة، فظهرت الروايات العربية التي تمزج ما بين الواقعية والرمزية لكي تتغلب على آليات التعبير في ذلك العصر، لتظهر الرواية العربية ما هو مرئي وما هو كامن في النفس بانتقالها ما بين الواقع والرمز والخيال والأسطورة والحلم.
  • شهد تطور الأساليب السردية والبنية الروائية في القرن العشرين ظهور مجموعة من الأسماء التي يمكن اعتبارها علامات فارقة في المشهد الروائي العربي في تلك الفترة من أمثال نجيب محفوظ، وإبراهيم الكوني، وعبد الرحمن منيف، وغسان كنفاني، والطيب صالح، والذين استطاعوا تجاوز الأشكال الكلاسيكية في الكتابة وتبني الأساليب السردية الجديدة وتوظيفها في خدمة الرواية العربية.

أخيرًا، إن تأمل مسيرة الأدب العربي تكشف لنا أن الرواية لم تكن مجرد أداة لتزجية الوقت، بل كانت العقل اليقظ والأرشيف الحي الذي سجل نبض الإنسان العربي في قرنٍ مليء بالانكسارات والتحولات الكبرى؛ فمن عهد المحاكاة والبدايات الكلاسيكية إلى آفاق التجريب وتيار الوعي وتعدد الأصوات، نجح الروائي العربي في تمصير وتبيئة التقنيات الغربية لتصبح خادمةً للقضايا المصيرية، ومفككةً للواقع، ومحافظةً في الوقت ذاته على سحر الموروث والأسطورة الشرقية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.