تكاد البلاغة بعد عبد القاهر والزمخشري أن تبتعد تمامًا عن الدراسة القائمة على الذوق والتحليل الخصب المُثري للنصوص، لتدخل في طور التقرير والتقعيد. ومما يمثل تلك المرحلة كتاب «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» لفخر الدين الرازي (المولود سنة 544 هـ، والمتوفى سنة 606 هـ).
وواضح من عنوانه قصده إلى الإيجاز والإجمال والاختصار؛ فهو محاولة لتنظيم وتبويب ما كتبه عبد القاهر - كما يقول - في صورة تنضبط فيها القواعد البلاغية، وتنحصر فروعها وأقسامها بدقة؛ لما أدخله فيها من بحث في الدلالات ومسائل فلسفية ومنطقية وكلامية، وإقصائه النزعة الذوقية التحليلية التي كانت طابع كتابي عبد القاهر.
وإذا كان لهذا الكتاب من فضل، فهو تلك المحاولة في حصر مباحث البلاغة وتحديد أبوابها تحديدًا أوحى للسكاكي بكتابه «مفتاح العلوم».
ثورة السكاكي في «مفتاح العلوم»: صياغة القوانين الجافة
لذا فقد تصاعد اتجاه التحديد في محاولة سراج الدين أبي يعقوب السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم»، الذي تميز بالتقنين والتقرير والتمييز الدقيق، فضلًا عن التلخيص لآثار سابقيه، لا سيما عبد القاهر والزمخشري، وأثر المنطق فيه واضح جدًّا.

وهو بهذا القسم الذي لخص فيه ما سبقه من كتابات في البلاغة قبله، وما أضافه من أفكار إليه، قد أعطى للبلاغة العربية صيغة شبه نهائية عكف عليها العلماء من بعده بالشرح أو التلخيص.
وقد كان تلخيصه أدق من تلخيص الفخر الرازي، حتى أصبحت البلاغة لديه منضبطة في قوانين وقواعد ذات قوالب منطقية جافة، كما تميزت بالإحاطة الكاملة بالأقسام والفروع، فغدت قواعد كقواعد النحو، وتجردت تمامًا من التحليلات الفنية الذوقية، ومالت تمامًا إلى المعيارية المجردة.
تقسيمات العلوم البلاغية عند السكاكي
وقد حصر مباحث علم المعاني بقوله إنه: «تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليُحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره». وبحث فيه الخبر والطلب، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، والقصر.
كما حدد موضوع علم البيان بقوله معرفًا له: البيان معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة، بالزيادة في وضوح الدلالة عليه أو بالنقصان؛ ليُحترز بالوقوف على ذلك من الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه، وقد بحث هنا التشبيه والمجاز والكناية. وبعد ذلك يأخذ في تلخيص القول عن البلاغة والفصاحة، فبيَّن أن البلاغة تشمل علمي المعاني والبيان. وبالنسبة للفصاحة، فقد أرجع قسمًا منها إلى اللفظ، وقسمًا آخر إلى المعنى، وما وضعه من شروط هنا يذكرنا بشروط ابن سنان في هذا المجال.
وقد تميزت ألوان البديع لديه باستقلال مباحثها، ولم يجعلها متداخلة مع المعاني والبيان كما فعل الفخر الرازي؛ فجنَّب كتابه «المفتاح» الخلط والتداخل، بل إنه ألحقها بالفصاحة وجعلها قسمين: قسمًا يعود إلى المعنى، كالطباق والمقابلة والمشاكلة ومراعاة النظير؛ وقسمًا آخر يرجع إلى اللفظ، نحو التجنيس والسجع والترصيع.
ولقد كان يبرهن منطقيًا على كل فكرة يقدمها قبل أن يعرضها، مثل تقديم المعاني على البيان مثلًا.
وهكذا طغى المنطق والتعقيد والفلسفة وعلم الكلام على البلاغة؛ وهو ما أفقدها الذوق والتحليل فأصابها الجمود بعد أن فقدت نضرتها ورواءها، بل أصبح ينقصها الوضوح أحيانًا، وإن كانت المحاولة لا تخلو من جانب إيجابي يتمثل في ضبط مصطلحات البلاغة وأصولها ضبطًا علميًا، ومحاولة تقنينها وجمعها.
عصر التلخيص والشروح: ما بعد السكاكي
تتابعت بعد السكاكي دراسات تسير في نفس الاتجاه، فلم تزد عليه شيئًا ذا بال، لا من ناحية المادة ولا من ناحية طريقة العرض؛ اللهم إلا ما كان من محاولات للتلخيص والتوضيح والشرح، منها:
- «التبيان في علم البيان» عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني الدمشقي (651 هـ).
- «الإيضاح» للخطيب القزويني (666 هـ - 734 هـ).
- «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» يحيى بن حمزة العلوي اليمني (749 هـ).
- «كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلوم البيان» - ابن قيم الجوزية.
- «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» - أبو الحسن حازم القرطاجني (684 هـ).
- «المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع» - بدر الدين محمد بن جمال الدين بن مالك الطائي الأندلسي أصلًا الدمشقي (686 هـ).
- «الأقصى القريب في علم البيان» - محمد بن محمد بن عمرو التنوخي (692 هـ).
- «المطول، والمختصر» كتابان - سعد الدين بن مسعود التفتازاني (791 هـ).
تمثيل الخطيب القزويني لاتجاه المعيارية بعد السكاكي
ويمكن أن نمثل لذلك بالخطيب القزويني (666 هـ - 734 هـ) في كتابه:
«تلخيص المفتاح»؛ إذ اختصر فيه القسم الثالث من كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي، وقد نال هذا التلخيص شهرة واسعة؛ لأنه يتميز عن غيره من التلخيصات بحسن عبارته ووضوح دلالته إلى حد كبير.

وقد كان الدافع إلى تأليفه تهذيب كتاب السكاكي مما فيه من حشو وتطويل، كما حاول أن يُخلي تلخيصه من التعقيد قليلًا، وناقش السكاكي في غير موضع، واستبدل ببعض تعريفاته الملتوية تعريفات أكثر دقة ووضوحًا، كما حاول أن يستفيد من كتابي عبد القاهر «الأسرار» و«الدلائل»، ومن كتاب «الكشاف» للزمخشري، فأضاف بعض الفوائد.
والقزويني، وإن تابع السكاكي في طريقته، فإنه لم يتقيد به كل التقيد؛ من ذلك مثلًا أنه بحث في الفصاحة أولًا وجعلها مقدمة على غيرها، ولعله في ذلك متأثر بابن سنان في «سر الفصاحة»، وقد سبق أن عرفنا أن السكاكي أخرها في بحث ملحق بعد تناوله لعلمي المعاني والبيان. ومما خالفه فيه أيضًا المجاز العقلي؛ فقد تكلم عنه السكاكي في علم البيان، في حين تناوله القزويني في المعاني.
الفنون الثلاثة في منهج القزويني (المعاني- البيان- البديع)
وبعد المقدمة في فصاحة المفرد والكلام، يعرف البلاغة بقوله: «مطابقة الكلام لمقتضى الحال»، ثم يتحدث عن تفاوت مقامات الكلام، وعلى أساس ذلك يقسم البلاغة إلى فنونها الثلاثة:
الأول: علم المعاني، ويعرفه بقوله: «علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال»، وقد حصره في ثمانية أبواب هي:
- أحوال الإسناد الخبري.
- أحوال المسند إليه.
- أحوال المسند.
- متعلقات الفعل.
- القصر.
- الإنشاء.
- الفصل والوصل.
- الإيجاز والإطناب والمساواة.
ويلاحظ أن تعريفه غير تعريف السكاكي، كما أنه وضع الإنشاء في مقابل الخبر ليشمل الإنشاء غير الطلبي، وهو لا يكتفي بهذا الحصر، بل يحاول تعليله، كما يوضح سبب حصره لعلم المعاني في هذه الموضوعات بقوله: لأن الكلام إما خبر أو إنشاء؛ لأنه إن كان لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه فخبر، وإلا فإنه إنشاء.
والخبر لا بد له من مسند إليه ومسند وإسناد، والمسند قد لا يكون له متعلقات إذا كان فعلًا أو في معناه، وكل من الإسناد والتعليق إما بقصر أو بغير قصر، وكل جملة قُرِنت بأخرى إما معطوفة عليها أو غير معطوفة، والكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد، ثم يتناول كل لون مقرنًا التعريف والقاعدة بالمثال أحيانًا.
أما الفن الثاني فهو علم البيان، ويعرفه بقوله: «علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه». ثم يتحدث في أنواع دلالة اللفظ: إما على تمام ما وضع له، وهي الدلالة الوضعية والمطابقة، وإما دلالة على جزئه، وهي التضمن، أو على خارج عنه، وهي الالتزام، وإذا كانت الأولى وضعية فالأخيرتان عقليتان، وقد أدخل - كالسكاكي - المجاز والكناية في دلالة الالتزام، وهكذا حصر علم البيان في التشبيه والمجاز والكناية، ثم يفصل الحديث في كل لون على حدة.
وقد اعترض كثيرًا على السكاكي في هذا الفن.
والفن الثالث: البديع، وقد عرفه بقوله: «علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة».
كما يقسم هذه الوجوه إلى ضربين: معنوي ولفظي، وبرغم متابعته للسكاكي، فقد توسع في عرضها، ومرد ذلك إلى ولع معاصريه بهذه المحسنات البديعية؛ ولذلك فقد ساق من المعنوي ثلاثين لونًا، منها المطابقة ومراعاة النظير والتورية والتقسيم... إلخ، كما ساق من اللفظي ثمانية أنواع، منها الجناس والسجع ورد العجز على الصدر... إلخ.
وهو يشير إلى أن أصل الحسن هو أن تتبع الألفاظ المعاني. هذا، وقد ختم القزويني كتابه بحديثه عن السرقات الشعرية، فأشار إلى الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح، كما أوصى أن يتأنق الأديب في ابتداء الكلام، وفي التخلص من النسيب إلى غيره، وفي نهاية الكلام.
والملاحظ أن القزويني – تقريبًا – لم يأتِ بجديد؛ فقد كان متابعًا لسابقيه، وإن حاول أن يخفف من صرامة منطق التقنين ومعياريته كما جاء عند السكاكي؛ ولكننا كنا نتمنى التجديد والإضافات؛ لأن السكاكي قد فعل شيئًا للحفاظ على البلاغة العربية، وربما وُجدت مسوغات اجتماعية تدعو لذلك، كتمزق الدولة وضعفها وتسلل العجمة؛ فكان لا بد من الحفاظ على هذا التراث، ولكن ما مسوغ التقليد والمتابعة؟!
كتاب «الإيضاح»: محاولة لفك جمود التلخيص
وسواء أحس القزويني بالحاجة إلى كتاب ثانٍ يبسط فيه بعض القضايا التي في «التلخيص»، أو يفسر ما أجمل فيه، أو لم يحس بذلك؛ فإن هذه المحاولة في حد ذاتها بعد «التلخيص» يمكن أن تبين لنا الدائرة الفكرية التي أحاطت بالبلاغة العربية بعد عبد القاهر والزمخشري، وهي دائرة الجمود؛ سواء من خلال التلخيصات أو الشروح.
وإذا كان منهج القزويني في «الإيضاح» لا يختلف عن منهجه في «التلخيص»، فإن طريقة العرض مختلفة؛ لا سيما أنه لم يعمد إلى وضع الشروح على التلخيصات كما كان مألوفًا في عصره، وإنما عرض قضاياه وبسط موضوعاته، مفصلًا في أحيان كثيرة ومجملًا في بعض الأحيان، وهو يعتمد في مادته الأساسية على «مفتاح العلوم»، كما يضيف بعض الأفكار من «دلائل الإعجاز» أو «أسرار البلاغة» وغيرهما، وقد يكثر من الأمثلة، وقد يناقش هذا أو ذاك من البلاغيين؛ كما تتضح لديه هنا بصفة عامة روح السرد.

ويعد القزويني خير من خلف السكاكي ممن عكفوا على كتابه «المفتاح» بالتلخيص والشرح.
التفتازاني والشروح المتأخرة: «المطول» و«المختصر»
كما يعد سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني المتوفى بسمرقند عام 791 هـ أهم من خلف القزويني في شرح «التلخيص»؛ فقد شرحه في كتابيه «المطول» و«المختصر».
وقد ألف الثاني منهما بعد إلحاح كثير من الفضلاء عليه بأن يختصر «المطول»، ويقتصر على بيان معانيه وكشف أشعاره؛ فكان أن وضع «المختصر» أو الشرح الصغير.
ولا يخرج الشرحان عما رسمه السكاكي واختطه القزويني؛ بل لقد سلك طريقة الشراح في تلك المرحلة من ناحية أخذ الكلمة أو العبارة ثم شرحها.
وقد أشار إلى استعانته بكتابي عبد القاهر «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، وبـ«كشاف» الزمخشري، كما يشير إلى بعض اللغويين كالجوهري والمبرد والزجاجي.
وقد اهتم بدفع اعتراضات القزويني على السكاكي؛ لذلك نجده مثلًا لا يأخذ بتعريف القزويني لعلم المعاني، ولا يعجب بتقسيمه له، مفضلًا عليه تعريف السكاكي لدقته في نظره.
وقد وضع تعريفًا لعلم البيان بأنه «علم يبحث في التشبيه والمجاز والكناية». كما رفض التقسيمات الكثيرة للتشبيه عند السكاكي ومن تبعه، مادحًا طريقة عبد القاهر في الإكثار من الأمثلة للتشبيه وتحليلها للكشف عما فيها من لطائف وجمال؛ ولكنه لم يستفد من ذلك كثيرًا.
ولم يأتِ بجديد في البديع، وإن كان قد أضاف ثلاثة أقسام إلى «رد العجز على الصدر».
وقد عد القدماء هذا الشرح خير شروح «التلخيص»، كما وضعت كثيرٌ من الحواشي عليه، كحاشية السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816 هـ.
أثر المعيارية على الإبداع العربي
ومن اللافت للنظر أن الخطيب القزويني والتفتازاني وغيرهما من البلاغيين يكشفون عن تأثرهم بعبد القاهر الجرجاني وإعجابهم بكتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»؛ لكننا لا نجد أثرًا واضحًا لذلك، كالاهتمام بالنواحي الفنية مثلًا أو التأكيد على القيمة البلاغية من ناحية أثرها في التعبير ودورها الجمالي والدلالي؛ لكننا، على العكس، وجدنا انخراطًا في المعيارية وتعميقًا لها، الأمر الذي ساعد على التجرد المعياري لقيم البلاغة العربية؛ فوصلت إلينا جسمًا بلا روح، وعقلًا بلا وجدان.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.