تلك اللحظة التي يتوقف فيها الزمن، حين يخبرك الطبيب بأن طفلك مصاب بالتوحد، إنها لحظة صدمة الوالدين بالتوحد التي لا يمكن وصفها، حيث تتصارع مشاعر الحب والخوف والقلق. هذا المقال ليس فقط لشرح هذه المشاعر، بل ليكون رفيقًا ودليلاً داعمًا لكِ في هذه الرحلة، ليؤكد لكِ أنك لستِ وحدكِ، وأن هناك طريقًا لتحويل هذا الألم إلى قوة ودعم لطفلك.
تعريف اضطراب طيف التوحد (ASD)
قبل أن نغوص في المشاعر، من المهم أن نعرف أن اضطراب طيف التوحد وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، هو حالة عصبية تطورية تتميز بتحديات في التفاعل الاجتماعي والتواصل، مع وجود أنماط سلوكية متكررة ومقيدة. كلمة "طيف" مهمة جدًا، لأنها تعني أن التوحد عند الأطفال يظهر بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة من طفل لآخر.

إن الرحلة النفسية التي يمر بها الأهل بعد التشخيص تشبه كثيرًا مراحل الحزن الخمس (The Five Stages of Grief)، وهي ليست مسارًا خطيًّا، بل هي مشاعر متداخلة تحتاج إلى الفهم والاحتواء.
المرحلة الأولى: الصدمة والإنكار
من اللحظات الصعبة على الوالدين، تلك اللحظة التي يتم تشخيص طفلهما على أنه مصاب بالتوحد، يودَّان عندها أن يعودا من جديد إلى الطبيب لينفي هذا التشخيص. تقول إحدى الأمهات: «أذكر تلك اللحظة التي أخبرني فيها الطبيب أن طفلي البالغ من العمر أربع سنوات مصاب بالتوحد، شعرت وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميَّ، شعرت وكأنني في حلم أو كابوس».
مقابل هذه المشاعر من الحزن والغضب، نجد آباء وأمهات آخرين يرفضون الاعتراف بإصابة طفلهما بالتوحد، وقد يلجأ أحدهما إلى إلقاء اللوم على الطرف الآخر، كأن يتهم الزوج زوجته بالتقصير في رعاية الطفل، وقد يلقيان باللائمة على الطبيب أو الاختصاصي بحجة أنه تسرع في التشخيص، أو أنه لم يفهم طبيعة الطفل جيدًا. تروي إحدى الاختصاصيات العاملات بأحد مراكز التأهيل: «لا أنسى تلك اللحظة التي صرخ فيها أب لطفل تم تشخيصه بالتوحد، قائلًا: ابني طبيعي، أنتم لا تفهمون شيئًا..».

الأغرب أن يلقي الوالدان باللائمة على الطفل نفسه، عندما يرفض الاستجابة لهما، اعتقادًا منهما أنه يتعمد تجاهلهما، دون إدراك أن ما يقوم به خارج عن إرادته.
المرحلة الثانية: الغضب والمساومة.. لماذا ابني؟
في تلك اللحظة التي يعرف فيها الوالدان بتشخيص طفلهما على أنه توحد، تسود مشاعر مختلطة، من الحزن والغضب، وربما تساءل: لماذا ابني مصاب بالتوحد؟ ما الذي فعلته أنا لكي يُصاب طفلي بهذا الاضطراب؟
قد يتبادل الوالدان الاتهامات، ويلقي كل طرف باللائمة على الطرف الآخر، أو يتجه الغضب نحو الطبيب الذي شخَّص الحالة على أنها توحد. إنها حقًا لحظات صعبة، تتطلب تعاملًا من نوع خاص، يحتوي هذا الغضب والحزن في قلوب الوالدين.
وحينئذ تبرز أهمية التعامل مع الطبيب عند تشخيص التوحد بوعي. تختلف طريقة كل طبيب في تعامله مع المرضى وذويهم، فمنهم من يتفهم نفسية الشخص الذي أمامه بحس إنساني عميق، ومنهم من يرمي بكلمة، يكون وقعها أشد من السيف على قلب من يسمعها خاصة عند إبلاغهم بأن طفلهم مصاب التوحد.
تروي أم لطفل عمره 5 سنوات تلك التجربة المريرة والذكريات الأليمة عند سماعها تشخيص الطبيب لطفلها على أنه توحد: «لم أكن أتخيل أن أرى طبيبًا بهذه الدرجة من برود الأعصاب، لقد أخبرني أن طفلي مصاب بالتوحد، ثم أنهى الكشف وكأنه يخبرني بإصابته بالزكام، خرجت من عيادته وأنا أبكي».
حينئذ نؤكد أهمية مراعاة الطبيب مشاعر الوالدين في تلك اللحظة الحساسة التي يخبرهما فيها بأن طفلهما مصاب بهذا الاضطراب مع توضيح أن التوحد ليس وصمة عار أو إعاقة تمنع الطفل من ممارسة حياته ممارسة طبيعية، بقدر ما تتطلب التعامل بطريقة خاصة ومختلفة عن الأطفال العاديين، وأن التحسن المستمر حتى إن كان بطيئًا، من شأنه أن يقلل العبء على الوالدين، ويجعلهما يشعران بالراحة والرضا؛ لأنهما يقدمان الرعاية التي يحتاجها الطفل بكل إخلاص وتفانٍ.

المرحلة الثالثة: الشعور بالذنب والاكتئاب.. هل أنا السبب؟
من المشاعر الصعبة أن بعض الأمهات لا سيما العاملات منهن، يلقين باللائمة على أنفسهن، ويشعرن بالذنب، كونها عادت إلى العمل مبكرًا بعد الولادة بدلًا من الجلوس لرعاية الطفل في هذه المرحلة الحساسة من عمره التي يكون بأمس الحاجة فيها إلى قدر كبير من الحب والحنان.

المحزن في الأمر، أنه في الوقت الذي تنتظر فيه هذه الأم أن يبادلها طفلها ابتسامة أو علاقة حب، تصطدم بعدم رغبة الطفل في التواصل أو حتى النظر في عينيها، وهو شعور قاسٍ لا يمكن وصفه. إن هذه التجربة تؤثر بعمق في مشاعر الأم تجاه طفلها.
قد تتطور هذه المشاعر السلبية لدى الأم التي كانت يومًا تتمنى رؤية طفلها يداعبها ويقبلها ويبادلها النظرات، إلى أنها تتمنى موته؛ فهو يُشعرها بطريقة غير مباشرة أنها لا تستحق لقب «أم» بعدما فضَّلت عملها على رعاية طفلها.
يتساءل كثيرون من الآباء: هل أنا السبب في إصابة طفلي بالتوحد؟
الإجابة العلمية القاطعة هي لا، اضطراب طيف التوحد هو حالة عصبية تطورية معقدة ترتبط بعوامل جينية وبيئية متعددة، لا يوجد أي دليل علمي يربط بين أساليب التربية أو عمل الأم وإصابة الطفل بالتوحد.
المرحلة الرابعة: الطريق إلى القبول
هذه المرحلة هي نقطة التحول، وهي بداية الطريق الصحيح. إن مراحل تقبل تشخيص التوحد قد تكون طويلة، لكن الوصول إلى القبول هو مفتاح القوة.
في هذه المرحلة وبعد تجاوز المشاعر السلبية السابقة، يبدأ الوالدان الخطوة الأهم: رحلة العلاج والتأهيل، وهي علامة إيجابية على عودة الوالدين إلى الطريق الصحيح في التعامل مع حالة طفلهما التي جرى تشخيصها بالتوحد.

إن وصول الوالدين لهذه المرحلة، لا يعني استسلامهما للواقع، بل رغبة في تجاوز المشاعر السلبية، والتعامل مع الواقع بدعم الطفل ومساعدته على الاندماج في الوسط الذي يعيش فيه.
ما أهم خطوة بعد الحصول على تشخيص التوحد؟
أهم خطوة هي عدم التأخر في البدء ببرامج التدخل المبكر، كلما بدأ الطفل في تلقي الدعم المتخصص (مثل علاج النطق والعلاج السلوكي كـتحليل السلوك التطبيقي ABA، والعلاج الوظيفي) في سن مبكرة؛ كانت فرص تطوره وتحسن مهاراته أفضل بكثير.
ماذا بعد القبول؟ خطواتك العملية الأولى
القبول ليس نهاية المطاف، بل هو بداية العمل الواعي. إليكِ خطوات عملية لتبدئي بها:
-
امنحي نفسك الوقت للحزن: من الطبيعي أن تشعري بالألم. لا تكبتي مشاعرك، فالاعتراف بها هو أول خطوة لتجاوزها.
-
ثقّفي نفسك من مصادر موثوقة: المعرفة هي القوة. ابدئي بالقراءة عن اضطراب طيف التوحد من مصادر عالمية مثل Autism Speaks أو CDC Autism أو جمعيات محلية موثوقة. هذا سيساعدك في فهم عالم طفلك على نحو أفضل.
-
ابحثي عن مجموعات دعم: التواصل مع أهالي آخرين يمرون بنفس التجربة سيمنحك شعورًا بأنك لستِ وحدكِ، وستحصلين على نصائح عملية ودعم نفسي لا يقدر بثمن.
-
ركزي على التدخل والعلاج المبكر: أثبتت الدراسات أن التوحد والعلاج المبكر هما مفتاح تحقيق أفضل النتائج. ابحثي عن مراكز متخصصة في تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، وعلاج النطق، والعلاج الوظيفي.
-
ركزي على طفلك، لا على التشخيص: تذكري أن طفلك هو شخص فريد بنقاط قوة واهتمامات خاصة به. التشخيص هو مجرد أداة لفهم احتياجاته، وليس هوية كاملة له. إن دعم الأطفال المصابين بالتوحد يبدأ برؤيتهم كأطفال أولاً وقبل كل شيء.
هل يمكن لطفلي المصاب بالتوحد أن يعيش حياة طبيعية؟
مفهوم الحياة الطبيعية يختلف؛ لأن التوحد طيف، فإن القدرات والتحديات تختلف كثيرًا من طفل لآخر، مع الدعم المناسب والتدخل المبكر، يمكن لكثير من الأطفال المصابين بالتوحد أن يتعلموا ويكتسبوا المهارات، ويعملوا، ويعيشوا حياة مستقلة ومرضية.
إن تشخيص طفلك بالتوحد ليس نهاية القصة، بل هو بداية فصل جديد من الحب والدعم بطريقة مختلفة ومميزة، رحلتكِ كأم لطفل من طيف التوحد ستكون ممتلئة بالتحديات، ولكنها أيضًا ستكون ممتلئة بالانتصارات الصغيرة، واللحظات الفريدة من الفهم العميق. تذكري دائمًا أن قوتكِ وصبركِ وحبكِ هي أهم أدوات التعامل مع التوحد وأقوى محفز لتطور طفلك.
وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات، كيف تعاملتم مع تلك اللحظة التي أخبركم فيها الطبيب أن طفلكم مصاب بالتوحد؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.