تشبهني وأشبهها (قصة قصيرة)

نثرت القطرة الأخيرة على اللوحة باللون الذهبي، ثم تركت الفرشاة بمللٍ وتوجهت نحو الشرفة، بعد أن تأملت بعثرة الألوان على الطاولة، جلستْ على مقعدها الخشبي تراقب اللّيل البهي، والقمر الساطع، ترتشف من شاي الياسمين رشفات بطيئة، عيناها على ضياء القمر المُسدل على صفحة بحيرة صناعية كثوب زفاف أبيض، رائحة الشتاء وبرودته التي استهلت منذ ليالٍ أصابتها بقشعريرة لذيذة، نواح كلب وهدير عربات يصلها من بعيد وكأنه آت عبر بئر عميق، انهمرت نفسها على حين غرة على رغبة في الكتابة بعد زمن طويل من التوقف، فأسرعت الخطا للداخل، سحبت كراسة وقلماً، وعادت لمقعدها الخشبي الذي تأمن عليه نفسها، فقد بات مؤخراً يحتوي تنوع أطوارِها وتقلبَ مزاجها، خصلة من شعرها المعقود سقطت على عينها اليمنى، أزاحتها خلف قرطها، انكبت على الورقة تكتب:

اليوم يوم الأحد في منهاتن، حيث انتقلنا قبل أشهر بإصرار منقطع النظير، وقرار فرديٍّ من خالد، تبدو نيويورك أنثى غجرية، ضوضاء روحها يقتل هدوء روحي المنشود، الطمأنينة فيها غادرتني، وحتى أنصفها ربما طمأنينتي الغائبة لا صلة لها بهذه الفاتنة، لكن كثيراً ما يُهيَّأ لي أنني في المنفى وأنا على أرضها، كيف لا وشقوق القلق فتقتْ قلبي وخدشت أمانه، فالاستقرار عند خالد عين الخطيئة، وكلما استقر في جغرافيا أصابته لوثة انتقال جديد، وإن لم يكن ما يريد دخل في نوبة كآبة عصيبة.

كنت إلى حدٍّ ما قادرةً على مجاراة نمط حياته، بل ربما كنت قادرة على التأقلم معها، وحاولت الاستفادة طولاً وعرضاً من كل انتقال، العديدُ من المعارف، والعلاقات اللطيفة، لكن..

ماذا بعد لكن؟

لست مرتاحة، أبتعد عن نفسي كما تبتعد السفينة في المياه عن الشاطئ.

أحياناً أصبُّ الأسباب كلها في خالد، وتقلب مزاجه الذي أشبه ما يكون بإعصار يثور من حين لآخر، خوفه وقلقه من أجل توفير سبل الحياة الكريمة كحمًّى فيروسية لا تكاد تهدأ حتى تعود، وكل ما أفهمه حالياً أنني بتُّ أشعر بالغربة معه، غربة لا تخلو حلاوتها من مرارة، ولا تخلو مرارتها من حلاوة.

حسنا ماذا أريد حقاً؟

لو اتبعت هواي لن أبقى، وسأكفر بمفردة التضحية، فقد طفح قلبي بالاشتياق..

اشتقت لأن أستقر.

اشتقت لطمأنينة نفسي.

لأشياء بسيطة وعميقة لا أجدها في ضجيج مانهاتن.

اشتقت لمدينتي.

اشتقت لنفسي على أرض تشبهني وأشبهها.

توقفتْ عن الكتابة وهي تتلو ألف اشتياق لم تتمكن من كتابته.

توقفتْ وهي تمعن النظر في زاوية انعكس عليها ضوء القمر، وظلّ أوراق شجر.

لم تشعر بقدومه ولا وقوفه ولا قراءته لما تدون وهو يقف خلفها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.