تساؤلات منارية

منارٌ أنا، فتاة بالثالثة والعشرين، أعيش في القرية وأرتاد الجامعة، يعتليني السؤال "لماذا" و"كيف" دومًا، ففي كل يوم تتكرر الأحداث التي تستوجب هذين السؤالين، ولا أجد الإجابة ولا الحل.

سأصحبكم معي خلال يوم عادي في حياتي؛ إنه اليوم ٢٨ أبريل ٢٠٢١ الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٢.

يلزمني للاستيقاظ ضبط عدة منبهات، وعادة ما أطفئ جميعها إلا الأخير، تساءلت دومًا لماذا لا أضبط واحدًا فقط؟! لم لا تطاوعني يديّ ولا عقلي على الإقدام على هذه الخطوة؛ ظنًا مني أنني سأقوم وأطفئ هذه المنبه الواحد ولن أستيقظ، وأن هذه المنبهات العديدة تخفت من شعور النوم لدي خطوة بخطوة حتى أصل للصحيان، وربما تكون هذه النظريات صحيحة، لكن في الحقيقة فأمي هي من توقظني مع كامل الاحترام للمنبهات، وعدم فائدتها عندي لكنني يجب أن أضبطها!

بدأ اليوم بمنادي يجهر بميكرفون المسجد "توفى فلان... وممنوع عزاء الحريم"؛ ومن المتعارف عليه حينما تُقال هذه الجملة فتوقع أن نساء البلدة بأكملها ستذهب لذاك العزاء، معتبرات أنفسهن من ذوي الميت الذين يجب أن يساندوا أهله، ولا تنطبق عليهن تلك العبارة (ممنوع عزاء الحريم)! لا أدري هل الممنوع مرغوب حتى في هذه الظروف! أم هم على حق فعلًا، وأنا نظرتي للأمور ضيقة، خاصة وأن أقارب المتوفى يغضبون على النساء اللواتي لا تذهبن، ويقولون هل اتخذتموها حجة فالجميع حضر إلا أنتن! أم هي حركة خداعية من أقارب المتوفى يقولونها لتزداد عدد النساء في العزاء!

لا بأس سأتجاوز هذا السؤال، فيجب أن أرتدي سريعًا حتى أصل بالموعد إلى الكلية، لكن هيهات اليوم الأربعاء! الأربعاء هو يوم السوق في قريتي، وعلى الرغم من توافر الحلول لإفساح الطريق إلا أن التزاحم وعطلة الطريق صارا المرادف الآخر ليوم السوق، ولن يتنازل أحد عن تواجد هذه الزحمة؛ ليطرح السؤال نفسه لِماذا؟ لماذا لا ينظموا تواجد التكاتك وحدود مناطق البائعين؟ لماذا يسلك السائقين الناحية الأخرى عمدًا -ظنًا أنها الأسرع- رغم أنه جرب كثيرًا ويعرف أنه سيقع في مأزق وسيتعطل ويوقف الطريق؟!

وصلت متأخرة لكن حمدًا لله فالمواعيد بالكلية هي الأخرى تتأخر، ها قد نزلت من العربة الأخيرة وهو طريق سأعبره سأصل للكلية، لكن سائقين يأبيان أن يكون هذا مجرد طريق يمكنني عبوره ببساطة؛ سائق "عمر قبلي" الذي يأتي مسرعًا ثم يتباطأ أمامي مباشرة لن تعبري لا ولا بد أن أسألك "عمر قبلي؟"، كيف حال عقلك أيها العم؟ هل لا تصدق عينيك! رأيتني أنزل لتوي من العربة، فلماذا سأحتاجك وأنت بمسار نفس ذات العربة التي أوقفتها قبل النهاية لأنني وصلت! لماذا تسألني! ولماذا لا يحلو الوقوف إلا أمامي! كيف سأعبر الآن وها قد جاء سيل العربات الأخرى! هل أنا جاذبة للعربات أم يُكتَب على جبيني موقف انتظار عربات! أذكر تلك العربة التي خان سائقها تقدير المسافة وحينما توقف، توقف بعدي، فرجع مباشرة وأصابني.

ولم تنتهِ رحلة عبوري الطريق، لأن الطريق المعاكس الذي يجب أن أعبره هو الآخر ينتظر على ناصية شارع الكلية تلك العربات التي قد جئت لتوي في مثلها لكنها للإياب، لأجد السائق يتتبعني وينادي "تلا؟"، أجيب مئات المرات "لا"، لكنهم لا يسمعون! ربما لم يسمعوا لكن ألم يلاحظوا أنني قد نزلت لتوي من عربة تلا! لقد تتبعتموني بنظراتكم من حين نزولي لكن فاتكم التركيز من أي عربة نزلت! لماذا يخسرون من طاقتهم في الصراخ لسؤالي وهم يتوقعون أنني لا أريد!

يجب أن تتوقف هذه الأسئلة الوجودية لأن طريق الصحراء قد بدأ، قد تم تكسير شارع الكلية منذ شهور عديدة، تم افتراشه بالصخور أسابيع وأسابيع، ثم رحموا أحذيتنا وأقدامنا وبدلوا الصخور برمال! لا أفهم في الهندسة والمقاولة ولن أعدل عليهم، لكن سؤالي لماذا لا تتم الإصلاحات إلا وقت الدراسة؟ قد نزلت لهذا الشارع في الإجازة وكان ممهدًا! هل كانت الأموال هي سبب التأخير؟ فليتم التأخير أكثر للإجازة القادمة! أو لربما الرمال سيزداد سعرها! يصرخ عقلي كفانا تساؤلات ساخرة على أمرٍ نحن نجهله، لكن هذا العقل حينما يجد قدمي عَلقَتْ في الرمال يبدأ الغضب وإرسال اللعنات وسكب التساؤلات الساخرة، عزيزي المتسبب في تحول الشارع لبحر رمال هل تعلم أنني لا أجيد العوم في الماء! كيف لي أن أصارع قطرات الرمال! أضطر لاجترار قدمي وأحمل من الرمال حفنات في حذائي ويظل السؤال لماذا تصنعون بنا هكذا! نحن شباب ربما نتحمل لكن المرضى كيف سيعبرون!

يقطع لعناتي حضور الطبيب ليبدأ الشرح، يأتي المريض الذي يعاوننا لنتعلم؛ هذا ما يجب أن يكون تعريفه في أذهاننا لكن المتواجد العكس من الطرفين. سيبدأ الطبيب الحديث مع المريض الآن، فيقول الطبيب لنا "من المفترض أن أعرفه بنفسي وأستأذنه لفحصه، هذه خطوة بغاية الأهمية"، يبدأ الطبيب تطبيق فلا يذكر للمريض خطوة التعريف والاستئذان! وهذا خير مثال للقول "ليس كل ما نقوله، نعمل به أو نصدقه!"، فهم يرون هذه الخطوة رفاهية وتضييع للوقت، لكن كل الكتب العلمية تنص على هذه الأخلاقيات وأهميتها، فلا بد أن نضعها في بنود تقييمهم بالامتحان وإلا سيُقال فينا الأقاويل ونذكرها لهم أنها مهمة للامتحان وأن غالبًا ما تنسوها، والحقيقة أننا ننساها لأننا لم نراهم يفعلونها أمامنا.

ومع هذا الاسترسال في التفكير تذكرت القصة التي كتبتها من تعرضت لها، كان محتواها أنها تعرضت للتنمر بسبب اسمها، وذكرت أمثلة لهذا التنمر من ضمنهم مثال: زوجها الذي كان يمزح أو يستظرف -متاح للكل أن يفسرها كما يحتمل- وقد علق لها زوجها بمزاح أو استظراف آخر فقد سألها "المهم أعددتِ الفطار أم لا يوجد فطور؟ إحداهن قد أثار التعليق حفيظتها فردت عليه أن ما يفعله سيئًا بحق زوجته وأسأت له ووجهت الخطاب لزوجته أنها قد اختارت شخص لا يعبئ بها وستعاني معه.

زوجها امتعض وأخذ كلامها ونشره منفردًا وجعل كل من يعرفه يرد على هذه المرأة ويقسو عليها وعلى رأس هؤلاء زوجته! ألستِ أنتِ السبب ومن ضربتِ به من ضمن الأمثلة في حكاية شديدة الجدية ولعبت على تعاطف الناس تجاه ما تعرضتِ إليه من تنمر ضيّق عليكِ حياتك! لماذا تذكرينه كمثال وتحفزي الناس على الإساءة له ثم يتضح أنكِ تقبلينه كمزاح! لماذا كل هذه المظلومية التي أشعرتنا أنكِ تتعرضين لها! والعجيب رد من يفعل مثلها "أنتن تشددن الأمر ولا تعرفون المزاح، ثم ما دخلكم!"، والحقيقة أنه نعم ما دخلنا! ولماذا نستثار لمن لا نعرفهم بسبب حكاية منهم لا نعلم صحتها، بل ممكن أن نتبنى الدفاع عنهم وهم بكل هدوء سيقولون لم نطلب دفاعكم!

نبهني مجددًا للدرس زملائي خلفي وقد وقفوا وأصواتهم صارت لصيقة من أذني، يريدون الرؤية جدًا كيف نفعل الفحص على المريض المستلقي بالأمام، ومع ارتفاع أصواتهم تذكرت المرات التي أخذوا فيها الكرسي حينما قمت دقيقة أتحدث على الهاتف، وتلك المرات التي وقفوا يرون من خلال المجهر وقتا طويلا أجبرني على ترك المعمل والمغادرة بلا رؤية شيء، فمتى سأرى وهم لا يتركون المجهر مهما طلبت! ولا داعي أن أحدثكم أنه وبرغم طول قامتهم كانوا يصرون على الوقوف بالأمام، أما أنتن فاجلبوا الكراسي وافقوا عليه لتروا أو لا تروا من الأساس، هم لديهم القاعدة "ما دُمتِ تخليتِ عن منزلك وجئتِ إلى هنا تناطحيننا، وتطلبين المساواة فتحملي هذه المعاملة"، المشكلة أن من تطلب المساواة تجدها وتجد أكثر أما أنا أطلب العدل والذوق، وكما قال الإسلام فلا أجد إلا ما يعينني على كره الرجال، ربما بي أنا المشكلة ويظنون بي الظنون فألقى هذا لأنني أظهر صارمة لكنني لا أظهر إلا وقت انفجاري، ومن الطبيعي أن يكون هكذا.

انتهى دوام الكلية ورجعت لمنزلي فرأيت أبي وتذكرت عناده معي، والدي الذي رأى وصفة شعبية باليوتيوب لعلاج المعدة، تلك الوصفة فيها خل والحقيقة أن الخل يؤثر على المعدة بعكس ما يريد وقد أوصلت له تلك المعلومة لكنه أبى تصديقي، وقد ترك الدواء وقال لي: "قد سألتكِ عن دواء فلم تستطيعي الإجابة، وقد ذهب للطبيب فلم أرتاح بالدواء. فلماذا تتحدثين الآن؟ أنا مقتنع بما رأيته وقد شعرت بالتحسن!". 

فلماذا أدخلني كلية الطب وهو لا يقتنع بالدواء؟ ولماذا يعلموننا في كلية الطب أن الأعشاب ليست علاج وهم يرتاحون عليها! نعم علمونا أنه هناك شفاء بالإيحاء لكن من سيفهم! نداء للصيادلة زيدوا من فاعلية أدويتكم -رحمكم الله- لم ينتهِ النهار ولم تنتهِ أسئلتي في هذا اليوم، لكن ربما هذه الأبرز، وهذه معاناتي دومًا تزعجني الأسئلة. هل لديكم جواب؟

بقلم الكاتب


مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم