تريند الخلاف الديني المتكرر


البارحة إحدى النساء نشرت صورة صغيرتها، وكانت الصغيرة قد أخذت نقاب والدتها للتجربة، فأعجب الشكل الأم، والتقطت الصورة، ونشرتها بمناسبة ختم صغيرتها سورة الانفطار، ففوجئت الأم بسيلٍ من الانتقادات، وبعض السباب، وسريعًا حولوها لمتشددة ونشبت المعركة بين من يرون أنفسهم يتبعون الدين الوسطي الجميل بلا تعقيد، ويصفون من ليس على نهجهم بالمتشدد المنفر من الدين، وبعضهم يبالغون فيقولون عليهم دواعش، ومن يرون أنهم يتمسكون بدين الله الصحيح بلا تهوين، ويصفون الآخرين بالمتهاونين مستسهلين الدين، والدين بريء من هذا الاستسهال المهين أو ربما يطلقون عليه مصطلح الإسلام (الكيوت) - إسلام المرج -.

لا أدري لِمَ لا يكتفون برؤيتهم لأنفسهم؟ لِمَ يجب أن يضعوا توصيفاً للآخر؟ ولِمَ كل طرف يريد أن يظهر أنه الدين الحق رغم أننا دين واحد؟ ولِمَ أصلًا نشب الخلاف في أمر شخصي؟ ألم نر كثيرات يلبسن فتياتهن الحجاب بسن صغير، وقد خضنا ذلك النقاش مئة مرة على الأقل، وصار تريندًا! والأهم لِمَ تم تأويل النوايا، وأيضًا يستبيحونها تحت مسمًى آخر!

حتى أصبح الدين لا يصير (تريندًا) إلا في موضوع خلافي، والمضحك أنها خلافات مكررة، مثل: "هل نهنئ المسيحيين بعيدهم أم لا؟ شم النسيم حرام أم حلال؟ هل يجوز الترحم على غير المسلم إذا كان طيباً في الدنيا لا يعادي الإسلام؟ هل يجوز الترحم على المنتحر؟ هل لبس الألوان للفتيات حلال أم تدخل تحت بند الملفت فيخل بالحجاب الشرعي؟ هل نفرح بموت شاذ أو ملحد كان ينشر فساده أم الإنسانية تحتم الحزن؟

ألا نعرف القاعدة "إذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله"؟ لماذا لا نرد الأمر ونعرف الأحكام ومن عمل بها عمل، ومن لم يعمل بها نسأل الله له الهداية بلا جرحه؟ لماذا البعض لا يعرف ولا يكلف نفسه عناء البحث ليعرف الآراء المختلفة للحكم؟ ولماذا من يعرف الحكم لا يكتفي بنشره مستقلًا وليس تعقيبًا على أحد؟ رغم تحفّظي أننا أمة المفروض عليها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لكن لم يعد الجو العام صالحاً لهذا، ولم نعد نعرف كيف نفعل هذا.

لكنهم يصرون أن يخوضوا كل مرة الجدال بين "أقنعني وأرني دليلك" وليس عند ذلك الحد، وإنما ألا يمكن أن يكون دليلك هذا شيخ متطرف ولا يعتد به، كما أن رأيي، وبالمنطق، والإنسانية، و ... إلخ، ثم إنك تريد تكفيري، أليس كذلك؟ تريد أن تكون وصيّاً على ديني، وقريبًا ستزهر الأجنحة من عضديك، وصار الإسلام غريبًا في أهله، هؤلاء شيوخ الساسة لا يقبل منهم فتوى، تعلموا دينكم، ليس هذا الدين الذي أنزله الله، قد استهزؤوا بالدين يا رسول الله، و ... إلخ، على رغم وجود آراء ليست على هذا الشكل لكن يرون مبغاها، ويدرجونها هي الأخرى تحت ذلك الأسلوب طالما اتفقت الغاية.

هنا أتحدث عن جدالات دينية أحكامها من قديم الأزل لها نصوص، وبين فئتين متنازعتين ليستا بالمنحلين أو المتشددين؛ فقط عوام المسلمين من الطبقة الوسطى التي تهتم لدينها بتفاوت، لكن يظل الاهتمام متقارباً وتطبيقهم إياه متقارب.

هذا الجدال يتوه به الكثيرون وكنت منهم، حتى إنني قد عزفت عن البحث، وصرت من هؤلاء الكسالى خوفًا من التضليل أو أظن خوفًا من الحقيقة وأنا أخدع ذاتي.

لنتخيل فقط

جاء شم النسيم؛ فريق نشر احتفاله به فلم يرد عليهم أحد، وإن كان ضده ويريد أن يكسب ثواب إنكار المنكر، لكنه أنكره في قلبه وانضم للفريق الآخر، والفريق الآخر عدّ شم النسيم عيد وثني يحرم الاحتفال به، ولم يستجب الفريق الأول، وكان رده أننا نتخذه بنية أخرى، ولا تكن متشددًا وما شابه ذلك.

وانتهى الأمر، واتضح لنا الرأيان على حد بعيد عن نسبة الخطأ المتواجدة منطقيًا أن الرأيين لن يصلا لنفس الناس بنفس القدر، لكن الأمر مرّ بلا جدالات وبدء منازعات قد تصل لنزاع شخصي ليس فقط للآراء، والحكم معروف وكلٌ ونيته، والله الذي سيحاسبنا، أليس الأمر كذلك سيكون مريحًا؟ ألن نساهم هكذا في الحد من التشتت وننبذ المتصيدين؟

نعم، ربما كوننا شعب يخرج ضغوطاته في الجدالات وصنعها (تريندًا) سيصعب تطبيق ذلك، لكن أليس هناك من المواضيع الاجتماعية والثقافية ما يكفي لـ (تريندات) جدالية عشر سنوات على الأقل، وكفانا نقحم الدين في مثل هذه (التريندات) المتنازعة!

أو لربما رأيي خطأ، ولهم الحرية في النزاع، وأنهم إن سببوا لي تشتتاً وخوفاً فهذا ناتج من خللٍ بتفكيري، ولستُ ضحية ذنبهم، بل هم لا ذنب عليهم.

الأمر بحاجة لمزيد من الدراسة، أو لربما بحاجة لمزيد من التفكير العقلاني "اترك أفعال الناس للناس واهتم لشأنك".

ما رأيكم في هذا الأمر؟ وما السبب الرئيس للنزاعات من وجهة نظركم؟ وما هو الحل؟

شاركوني بالتعليقات.

بقلم الكاتب


مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

قطر الندى - Nov 26, 2021 - أضف ردا

لست معكي في ان نؤول الأمر الى الله دون القيام بالنصح فاساكت عن الحق شيطان اخرس
وثانيا مصطلح الجو العام لا يسمح فهذا تناقض مع أن كلام الله صالح لكل زمان ومكان
فابالعكس هذا الزمان هو بحاجة الى أن نكون يداً وجسدا واحدا نذكر بعضنا البعض بالقرأن وبالأحاديث لنتجمب الوقوع في الكبائر نحن نقحم الدين لانه أحد دليل
والتريندهو مجرد وسيلة لتوعية الناس والسبب الرئيسي هو قلة الوازع الديني بين الناس وكثرة الفتاوي المغلوطة
وضكرا على هذا الموضوع الشائك الذي اصبح يفتك مجتمعاتنا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم