من الطبيعي أن تتغير أولويات الإنسان إذا تغيرت ظروفه، فمع الوقت تتغير المعطيات لدى الشخص فيزداد نضجًا ومعرفة، وتتغير أوضاعه المهنية والاجتماعية، وربما تتغير صحته الشخصية؛ وبالتالي يركز الإنسان على ما يرغب فيه في هذه المرحلة وما تسمح به الموارد والظروف ليحقق الاستقرار والنجاح بالشكل الذي يتوافق مع رؤيته ونضجه وخبراته في تلك المرحلة.
وفي هذا المقال نوضح لك لماذا تتبدل أولويات الإنسان مع تغير ظروفه، وكيف يوازن الإنسان بين أولوياته الثابتة وأولوياته المتغيرة، وكيف يمكن للإنسان إعادة ترتيب أولوياته بوعي.
ما الذي يجعلنا نغير أولوياتنا مع تغير الظروف؟
جميعنا نمر بهذا الأمر إذ نلجأ إلى تغيير أولوياتنا مع تغير الظروف والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، وهو ما يعود لأسباب عدة من أبرزها ما يلي:
التكيف مع المتغيرات
من الطبيعي أن تحدث تغيرات وتحولات في حياتنا سواء بإرادتنا أو بغيرها، وهو ما يحتاج منا إلى التكيف مع هذه المتغيرات؛ وبالتالي نقوم بتغيير وتبديل أولوياتنا مثلما يحدث عند الزواج أو الإنجاب أو تغيير الوظيفة.
النضج والخبرات
كلما تقدم الإنسان في العمر وزادت خبراته، أصبح أكثر نضجًا وتغيرت نظرته للأمور؛ وبالتالي يبدأ في تبديل أولوياته حيث تصبح العلاقات الإنسانية والسلام النفسي أهم من النجاح والطموح السريع وإثبات الذات.
المشاكل والفرص
في كلا الحالتين يحتاج الإنسان إلى حلول عاجلة وتغييرات كبيرة، سواء لحل المشاكل أو لاقتناص الفرص؛ وهو ما يجعله يعيد ترتيب أولوياته ويتخلى عن بعض الأمور التي كانت مهمة ويضع مكانها أمورًا أخرى.
المرونة النفسية
كلما كان الشخص يتمتع بالمرونة النفسية، كان قادرًا على تغيير آرائه ونظرته للأمور، وبالتالي تغيير أولوياته بما يتناسب مع المرحلة والظروف والموارد المتاحة.
تغير المسؤوليات
من أهم الأسباب التي تجعلنا نبدل أولوياتنا هي المسؤوليات التي نتحملها مع الوقت. فالإنسان عندما يتزوج ويصبح مسؤولًا عن أسرة وأطفال، غالبًا ما يغير أولوياته بحيث يضع العائلة والأمان قبل أي شيء.

ما الفرق بين الأولويات الثابتة والمتغيرة؟
الأولويات الثابتة غالبًا ما تتعلق بمنظومة القيم الأخلاقية والدينية؛ وبالتالي يكون من الصعب تغييرها، وإلا فقد الشخص هويته وجوهره. أما الأولويات المتغيرة، فهي ترتبط بطبيعة المرحلة؛ وبالتالي هي قابلة للتبدل والتغير والتفاوض، ولا ترتبط بقيمة الإنسان ونظرته إلى نفسه.
من الأمثلة الواضحة على الأولويات الثابتة: العقائد الدينية والقيم الأخلاقية مثل الأمانة والصدق والعدل، وكذلك العلاقات والروابط العائلية العميقة، وجميعها غير قابلة للتبديل لصالح أولويات أخرى. أما الأولويات المتغيرة فبطبيعتها مرنة ومؤقتة، مثل التفوق الدراسي أو الترقّي في الوظيفة أو تعلم مهارات جديدة أو ادخار بعض المال لشراء منزل أو سيارة. فرغم أن جميعها مهمة لأصحابها، فإنها قابلة للتنازل والتفاوض والتبديل والتأجيل.
الشيء المهم الذي يجب أن نفهمه جميعًا أن القيم الثابتة هي ما تمنح الشخص الشعور بالاستقرار النفسي والقيمة والهوية، أما الأولويات المتغيرة فهي تمنحه القدرة على التكيف والنجاح والتعامل مع الظروف المختلفة.
كيف نوازن بين القيم والمبادئ وبين المنفعة المؤقتة في ترتيب الأولويات؟
في بعض الأحيان يكون من الصعوبة الموازنة بين القيم الثابتة وبين المنفعة المؤقتة، لكن هذه الظروف تعد اختبارًا حقيقيًا لصلابة الشخصية وقدرتها على التمسك بمبادئها من خلال القواعد التالية:
- الخطوط الحمراء: لا بد أن تكون لك مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا تقبل المساومة في أخلاقك وعلاقاتك، حيث إن خسارة هذه الخطوط لا يعادل أي منفعة مؤقتة.
- اختبار المدى الطويل: عليك أن تسأل نفسك دائمًا إذا واجهت أي اختيار صعب (هل سأكون فخورًا بهذا القرار بعد عدة سنوات)، حيث ستنتهي المنفعة ويبقى أثر الاختيار الخاطئ في نفسك وسمعتك.
- المرونة الوسطية: يوجد كثير من الأمور التي يمكن الوصول فيها إلى حلول وسطية دون تصلب، بحيث تتحقق المنفعة دون المساس بالقيم الأساسية، وهو ما يتطلب بعض التفكير والاستشارة والمرونة.
- التضحية الواعية: من الوعي والذكاء أن يضحي الإنسان أحيانًا ببعض الأشياء من أجل الأشياء الأخرى ذات القيمة الأعلى، فقد يضحي بمكسب مادي مقابل الحفاظ على سمعته، أو يضحي بفرصة أو ترقية مقابل الحفاظ على مصداقيته وأمانته.
- تقييم الأثر المتعدي: عليك دائمًا أن تنظر إلى أثر ما تفعله على الآخرين، ولا تنظر فقط إلى المنفعة التي ستحصل عليها بشكل شخصي، بحيث توازن دائمًا بين ما يفيدك وما يفيد الآخر، وأن تكون حريصًا على عدم الضرر كما لا تقبله لنفسك.
متى يكون تبدل الأولويات أمرًا سلبيًا؟
غالبًا ما يكون تبدل الأولويات مع الزمن نتيجة النضج أو تبدل الاهتمامات أمرًا طبيعيًا، لكن توجد حالات يكون فيها تبدل الأولويات أمرًا سلبيًا، ومن أبرزها الحالات التالية:
- غياب المرجعية: ليس من الطبيعي أن يبدل الناس أولوياتهم بسرعة واستمرار دون أسباب مقنعة أو منطقية؛ وبالتالي يدخلون في حالة من التشتت وضياع الجهد وعدم إتمام المهام.
- التضحية بالثوابت: من أسوأ ما يفعل الإنسان في نفسه أن يضحي بالثوابت من أجل أي منفعة مؤقتة، وهو ما يعد انحدارًا وليس تكيفًا مقبولًا.
- الاستسلام للضغط: عندما يستسلم الشخص لضغوط الآخرين الذين يدفعونه لتغيير وتبديل أولوياته على حساب أهدافه ورغباته الحقيقية.
- الخوف والهروب: إذا كان تبديل الأولويات نابعًا من الخوف أو الرغبة في الهروب والابتعاد عن التحدي؛ وبالتالي يلجأ الشخص إلى أولويات أسهل وأقل ضغطًا.
- إهمال الأساسيات: من الأخطاء الشائعة التي نراها حاليًا حينما يضع الشخص الأمور التافهة كأولويات مثل الترفيه الزائد أو الرد على الإشعارات بدلاً من الأمور الهامة مثل المذاكرة أو التخطيط للمستقبل.
هل هناك أدوات علمية لترتيب الأولويات؟
بالطبع هناك عدة طرق وأدوات علمية شهيرة يمكن التعرف عليها باختيار أحدها للمساعدة على ترتيب الأولويات بعيدًا عن العشوائية، ومن أبرز هذه الأدوات ما يلي:
- مصفوفة أيزنهاور: أشهر الأدوات التي يستخدمها كثيرون في ترتيب أولوياتهم، وتعتمد على تقسيم الأولويات إلى 4 مربعات (هام وعاجل / هام وغير عاجل / غير هام وعاجل / غير هام وغير عاجل).
- طريقة ABCD: تقسم المهام والأولويات إلى 4 أقسام بحسب الضرورة والعواقب، وما يمكن تفويض شخص للقيام به، وما يمكن الاستغناء عنه تمامًا.
- طريقة موسكو: طريقة أخرى تُستخدم في ترتيب الأولويات في المشاريع والمهام المتعلقة بإدارة الوقت حسب الضرورة، وتقسم الأولويات بحسب ما لا غنى عنه، وما ينبغي القيام به، وما يمكن فعله إذا سمح الوقت، وما يمكن تأجيله.

في الختام، إعادة ترتيب الأولويات علامة نضج ومرونة نفسية تمكنك من التكيف مع أمواج الحياة المتغيرة.و تكمن البراعة الحقيقية في قدرتك على التمسك بثوابتك الأخلاقية والإنسانية كبوصلة لا تنحرف، مع إبقاء أهدافك المرحلية مرنة وقابلة للتعديل باستخدام أدوات التخطيط العلمي. ما هي الأداة التي تجدها الأنسب لك لإعادة تنظيم حياتك اليوم؟ شاركنا رأيك في التعليقات، ولا تتردد في مشاركة المقال مع أصدقائك لنشر الوعي والتوازن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.