الإتكالية هي الاعتماد على الغير في حل الأمور الخاصة إلى درجة كبيرة تنتفي فيها المسؤولية الخاصة والمجهود الذاتي على الغير لحل مشاكلنا الخاصة جداً. حيث أن الشخص الاتكالي يكتفي برمي مسؤولية تدبير شؤونه المادية أو حتى المعنوية على الغير قبل استنفار مقوماته الشخصية والخاصة. والإتكاليه في مجتمعاتنا سلوك موروث وعاده اجتماعية سيئة نتربى عليها منذ الصغر تسلب استقلاليتنا، تحت ضغوط من العادات والتقاليد المجتمعية، والتي لها جوانب كثيرة ومتعددة.
ونأخذ أحد هذه الجوانب مثلآ جانب (الإستقلالية الفكرية) فإننا اعتدنا منذ الصغر داخل بيوتنا وعائلاتنا، أن ينوب عنا في التفكير والدانا أو من هم أكبر منا سناً سواء في اعتناقنا للأفكار والرؤى أو في ما يتكون لدينا من قناعات من خلال التجربة أو القراءة وصولاً إلى تحديد ما نختار من توجه مستقبلي في الدراسة، حتى ينسحب ذلك على أبسط خيارتنا في المأكل والملبس نجد هناك من ينوب عنا في تحديدها.
إن ذلك النوع من التربية هو البذرة الأساسية التي تنتج عنها صفة الأتكالية، وتجاوزها ومعالجتها لا يتم إلا بتنمية روح الإستقلالية والإعتماد على الذات بداخل الطفل منذ الصغر، لينشأ وهو متسلح بثقافة الإستقلالية والاعتماد على الذات.
وتبدأ الاتكالية والاعتماد في حياة الطفل بالتناقص شيئًا فشيئًا مع تقادم العمر، حيث تتوزع وتمتد انطلاقًا من الأم، ثم الأم والأب فالإخوان والأخوات، وصولاً إلى الأقارب والأصدقاء والزوار. ويبقى الطفل في البيئة الأساسية معتمدًا على ذويه بشكل كامل حتى سن المراهقة، فهو يطلب الحماية الأمنية والإقتصادية والمعيشية من الوالدين، وهم بدورهم يقدمون له هذه الحماية دون كلل أو ملل وبرضاء وعطاء كامل، لأنها تعطيهم السيطرة والنفوذ الكاملين على حياة الطفل، فهم يتصرفون بشكل مطلق في حياة الطفل بالطريقة التي ترضيهم وتشبع غرورهم ونرجسيتهم ونزعتهم التملكية. ومن هنا يبدأ الطفل في تشكيل شخصيته وهويته وانتمائه، والتي ترتبط بشكل كامل بالأبوين في المقام الأول وكل ما بعد ذلك يأتي في المقام الثاني أو الثالث.
إن الأسباب التي تؤدي إلى تكوين هذه الشخصية كثيرة ومتناثرة، منها النزعة الفطرية الخام الموجودة في جينات هؤلاء الشباب، والتي وجدت لها في الواقع أرضًا خِصبةٌ تنمو فيها روح التبعية والإتكالية على الآخر، ودون العودة إلى قيم الفطرية الأخرى في الأصالة والشجاعة والإقدام وحُسن الخُلق، إضافة إلى النزعة التملكية التي يعانيها الوالدان في ممارسة التنشئة الإجتماعية والنفسية لأولادهم، ونزعة السيطرة والبيروقراطية التي يمارسها بعض المعلمين والمدرسين على طلبتهم دون إعطائهم الفرصة للتعبير عن آرائهم وأفكارهم بحرية واستقلالية. وهذا طبعًا ينعكس على البيئة التي يعيش فيها الشاب، حيث الممارسات القسرية والتسلطية من قبل المؤسسات وقطاعات المجتمع المدني والإعلام وغيرها، والتي تحاول أن تفتح بابًا واحدًا لا غير أمام الشباب، فتلغي فرصة الانتقاء والاختيار من قبل الشاب كجزءٍ من الحرية الفردية التي يجب ممارستها بفاعلية من قبله بعد أن يتعود عليها ويألفها كسلوك اعتيادي مقبول من قبل المجتمع وغير مرفوض.
ومن الأسباب العامة لترسيخ روح الشخصية الإتكالية، مناهج التعليم التقليدية التي تعتمد على التلقين والحفظ وتجميع المعلومات ورصها في جهاز الذاكرة دون فسح المجال أمام الطالب في المدرسة والجامعة، لمناقشتها وإبداء الآراء حولها، أو إعطائه الفرصة لطرح أفكارٍ جديدة أخرى في المواضيع المختلفة ذات الطابع الإنساني أو الفلسفي أو الفكري، والتي قد تكون مناقضة للأفكار المطروحة. وقد يخضع الطفل والمراهق والشاب للأسلوب نفسه من التعامل المنهجي في البيت، وبذلك ينشأ وهو لا يرى أمام عينيه وفي فكرهِ وعقلهِ إلا ما يعرفهُ عن طريق الكتاب المنهجي والمدرس والأب والأم، معتبرًا أن هذه المصادر هي ثابتة ولا نقاش فيها ولا يمكن الجدل حولها، وبذلك تتحول هذهِ المفاهيم مع مرور الزمن إلى موروثات عقلية ثابتة لا يمكن زعزعتها في عقل الشباب حتى وإن يكونوا قد نسوا مصدرها الأصلي، لأنهم يحفظونها عن ظهر قلب دون مناقشة أو حوار. إن هذه الصيغة من التعامل في المجتمع العربي مع الطفل والمراهق والشاب، تجعل منهم أدوات تتحرك لأداء الواجبات، فضلاً عن الكم الهائل من الإحباط المكبوت الذي يتراكم في أعماق اللاشعور ليبني الاكتئاب فالعدوان، فيصبح الشاب قنبلة موقوتة سرعان ما تتفجر تحت تأثير أي ضغط نفسي شديد أو توجيه فكري جديد أو فرصة طارئة من الحرية غير الملتزمة، فيؤدي إلى الإنفلات والتطرف، بل وحتى العنف والعدوان، دون أن يدرس الشاب، ماهية الأسباب التي أدت إلى هذا السلوك الرافض والمتمرد، وبهذا نكون قد خسرنا عددًا من شبابنا الذين يمثلون دعامة قوية لمجتمعنا.
بقلم/ حمدي حسن عبد السيد
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.