الطفل الذي يطيعك خوفًا من العقاب اليوم، سيعصيك حتمًا حين غيابك غدًا، هذه هي الحقيقة التربوية الصادمة التي يغفل عنها كثيرون؛ فالتربية الحقيقية ليست في إسكات الطفل بالأوامر، بل في إنطاق ضميره بالقيم.
هل يطيعك طفلك لأنه مقتنع أم لأنه مرعوب؟ الفرق بين الحالتين هو الفرق بين بناء شخصية قيادية وبين صناعة تابع. وتشير الدراسات النفسية إلى أن الاعتماد على طاعة الخوف يقتل الوازع الداخلي.
في هذا المقال، نساعدك في تربية الطفل أخلاقيًّا والانتقال به إلى بر الأمان، وكيف يمكن للأهل تربية طفل واعٍ أخلاقيًا، يسلك طريق الحق والصواب بوصفه خيارًا نابعًا من ضميره، لا خوفًا من العقاب أو الحرمان، وكيف يمكنهم مساعدة طفلهم على الانتقال من أخلاق التبعية إلى أخلاق الاستقلال.
يسود بين الأهل اعتقاد خاطئ بأن الطفل يتعلم القيم والسلوكيات الأخلاقية منذ نعومة أظفاره عن طريق الأوامر والنواهي أو العقاب القاسي. غير أن الحقيقة التي لا غبار عليها، أن طاعة الخوف أو الطاعة الزائدة لا تنشئ طفلًا صاحب ضمير حي يقظ، ولا تعدُّ دليلًا على حسن التربية.
وهو ما تعبر عنه الكاتبة «هدى الناشف» في كتابها «الأسرة وتربية الطفل»: «الأطفال يتعلمون القيم والسلوكيات الأخلاقية منذ الصغر بتفاعلهم اليومي مع الأسرة، وليس فقط عن طريق الأوامر أو العقاب».
وتؤكد نظرية لورانس كولبرج في التطور الأخلاقي، أن الطفل يمر بمستويات متدرجة، أخطرها المستوى الأول المسمى ما قبل التقليدي، فيحكم الطفل على الفعل بناءً على عواقبه المباشرة (عقاب أو مكافأة) وليس بناءً على قيمته الأخلاقية. دورك مربيًا هو مساعدته على تجاوز هذه المرحلة البدائية.

مراحل نمو الوعي الأخلاقي عند الطفل
لكي ننمي الوعي الأخلاقي عند الطفل يجب أن نميز بين مرحلتين أساسيتين، وهما تتفقان مع نظرية عالم النفس السويسري جان بياجيه في التطور الأخلاقي.
أخلاق التبعية (مرحلة تجنب العقاب)
في هذه المرحلة، الطفل يفعل الصواب ويتجنب السلوكيات الخاطئة؛ لأنه إما يخاف العقاب أو يريد الحصول على مكافأة، وهو ما يمكن تسميته بـ «طاعة الخوف».
تقول «الناشف» عند حديثها عن هذا النوع من الأطفال: «الطفل المطيع جدًا في هذه المرحلة يتبع قواعد سلوكية دون فهم داخلي للسبب». أي إن الطفل لا يفعل الصواب عن علم ومعرفة ودراية بالعواقب، بل خوفًا من العقاب، أو رغبة في المكافأة.
عندما يعتمد الطفل على طاعة الخوف، ينشط في دماغه اللوزة الدماغية المسؤولة عن رد فعل الكر أو الفر، ما يعطل عمل قشرة الفص الجبهي المسؤولة عن التفكير المنطقي واتخاذ القرار الأخلاقي. إذن، الخوف يمنع الطفل فيسيولوجيًّا من تعلم الأخلاق!
أخلاق الاستقلال (مرحلة الضمير الداخلي)
النوع الثاني هو أخلاق الاستقلال التي نبغيها في أطفالنا جميعًا، حيث الضمير الحي اليقظ، الذي يدفع الطفل لفعل الصواب وتجنب ما سواه، فقط لأنه يملك ضميرًا حيًا بدأ يتشكل.
قد يتساءل البعض: كيف ينتقل الطفل من أخلاق التبعية إلى أخلاق الاستقلال؟
نقل الطفل من التبعية إلى الاستقلال ليس بالأمر الصعب، فبالتجارب الحياتية والتفاعلات اليومية، والأساليب التربوية التي تدعم شخصية الطفل وتحترم رأيه ورغبته، يمكن تحقيق ذلك.
وهو ما تعبر عنه «الناشف» بقولها: «التحول من الضبط الخارجي إلى الضبط الداخلي هو جوهر تنمية الضمير الأخلاقي عند الطفل».
أي إن الطفل لا يهتم بمراقبة الناس له، وإنما يسلك الصواب ويتجنب الخطأ؛ لأنه يدرك أن الخالق عز وجل هو الرقيب والمطلع عليه، فيستيقظ ضميره، ويأبه فعل المنكرات.
بفضل خبرتي التربوية ومتابعة الحالات السلوكية، الطفل الذي يُربى على الضمير قد يجادلك أكثر ويناقشك في الأسباب، وهذا قد يكون مرهقًا للأهل في البداية مقارنة بالطفل المطيع الصامت. ولكن، تذكر أن هذا الجدال هو الدليل على أن عضلة الضمير تنمو لديه. لا تقمع تساؤلاته، فالطفل الذي يسأل لماذا هذا خطأ؟ هو طفل يبني قناعاته، في حين الطفل الذي ينفذ بصمت هو قنبلة موقوتة ستنفجر عند أول غياب للرقيب. الخلاصة: استثمر في الإقناع الآن، لترتاح من المراقبة لاحقًا.

كيف تعرف أن طفلك في مرحلة أخلاق التبعية أو الاستقلال؟
توجد علامات يمكن بها معرفة ما إذا كان طفلك لا يزال في أخلاق التبعية أم أنه وصل لمرحلة الاستقلال على النحو التالي:
علامات مرحلة التبعية
- الطاعة الصارمة في وجود رقابة الوالدين.
- الخوف من العقاب أو الحرمان من المزايا.
- الرغبة في المكافأة.
علامات مرحلة الاستقلال
- المبادرة بفعل السلوكيات الجيدة وتجنب القبيح منها دون حاجة لأن يراه أحد.
- التعبير بصراحة عن الصواب والخطأ دون حرج.

كيفية تنمية الضمير عند الطفل.. إستراتيجيات عملية
يمكن للأهل مساعدة الطفل على الانتقال من أخلاق التبعية -أو ما يمكن تسميته بطاعة الخوف- إلى مرحلة أخلاق الاستقلال من خلال عدة استراتيجيات منها:
تشجيع التفكير النقدي
يمكن للوالدين تشجيع التفكير النقدي لدى الطفل، بطرح تساؤلات مثل: «لماذا تعتقد أن هذا التصرف صواب؟»، والاستماع الفعال والإنصات الجيد لما يقوله الطفل.

التواصل الوجداني
التواصل الوجداني للطفل يعني مدح سلوكياته وتصرفاته الجيدة ومكافأته عليها. وتشير دراسات علم النفس السلوكي إلى أن التعزيز الإيجابي يبني مسارات عصبية في الدماغ تربط بين الفعل الجيد والشعور بالرضا، ما يجعله عادة دائمة.
الألعاب والأنشطة التربوية
قد يبدو غريبًا للبعض إذا قلنا إن الألعاب والأنشطة التربوية من شأنها أن تعزز مفهوم السبب والنتيجة والضمير لدى الطفل منذ نعومة أظفاره.
وهذا لأن الطفل لا يتعلم بالموعظة، بل بالتجربة. فالطفل عندما يطلب منه توزيع الطعام على الفقراء والمحتاجين، يشعر بقيمة ما يفعله والامتنان للخالق الذي منحه النعم التي يفتقدها آخرون.
تقول الدكتورة «هدى الناشف»: «التجارب اليومية، الألعاب، والحوارات مع الطفل هي أدوات قوية لبناء الضبط الداخلي والوعي الأخلاقي».
متى تكون الطاعة المفرطة خطرًا على طفلك؟
عزيزي المربي، لا أخطر على الطفل من التربية على الطاعة الزائدة، كونها تضعف ثقته بنفسه وتعلمه الخضوع والجبن، وسهولة التأثر بالآخرين فيصير تابعًا للجميع، غير قادر على اتخاذ قرار دون العودة لوالديه.
أنشطة مقترحة لبناء أخلاق الاستقلال
- لعبة ماذا لو؟: اطرح عليه سيناريوهات أخلاقية (مثلًا: وجدت محفظة في الشارع، ماذا تفعل؟) وناقش إجاباته دون حكم مسبق.
- قصص الأبطال: احكِ له قصصًا لأشخاص تمسكوا بمبادئهم على الرغم الصعاب، لتعزيز القدوة.
أخطاء يجب تجنبها في تربية الطفل
مع ذلك هناك مجموعة من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثير من المربين أبرزها:
- الإفراط في العقاب أو المكافأة المادية.
- تجاهل مشاعر الطفل أو فرض قواعد صارمة.
- التركيز فقط على طاعة الأمر دون شرح السبب.

هل الطاعة الزائدة دليل على حسن التربية؟
لا، فالطاعة الزائدة تخرج لنا طفلًا ضعيف الشخصية، فاقدًا القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
كيف يتكون الضمير عند الطفل؟
يتكون الضمير عند الطفل بالتربية الإيمانية وتمثل مبادئها وقيمها في شخص المربي، فيتشرب منه الطفل هذه القيم والمبادئ والضمير الحي.
كيف أربي طفلي على الضمير وليس الخوف؟
بالثقة في قدراته وإمكاناته، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن رأيه، والاعتماد على نفسه، وتحميله بعض المسؤوليات منذ صغره بما يتلاءم ومرحلته العمرية.
ما أثر القيم الأخلاقيَّة والمثل العليا في تكوين شخصية الإنسان؟
لا شك أن القيم الأخلاقية والمثل العليا تسهم في تكوين شخصية الإنسان على نحو كبير بتوجيه سلوكه، وبناء ضميره الداخلي، بتنشئته على التمييز بين الصواب والخطأ دون خوف أو ضغط خارجي.
اعلم عزيزي المربي أنه لكي يتطور الوعي الأخلاقي لدى طفلك، وتصل به من مرحلة التبعية إلى الاستقلالية، يجب عليك دعم ثقته بنفسه وتنميه شخصيته من كافة الجوانب، ليس بالخطب والمواعظ، وإنما بالقدوة الصالحة، بالتواصل الفعال، والأنشطة اليومية التي هي مفتاح تنمية الضمير الأخلاقي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.