تربية الخوارزميات.. هل يقتل تيك توك عقول أبنائنا؟

في عصر الشاشات المضيئة و المعلومات الرقمية، يواجه الآباء والمربون تحديًا غير مسبوق: من يربي أبناءنا؟ هل هي المدارس بمناهجها التقليدية، أم خوارزميات تيك توك وفيسبوك التي تحقن عقولهم بمحتوى سريع الانتشار؟ هذا المقال يطرح تساؤلات حادة عن تأثير منصات التواصل الاجتماعي على جيل المستقبل، وكيف تحولت الرقصات السخيفة والمنشورات الفارغة إلى بديل للمعرفة والقيمة. هل نحن أمام جيل تربيه الخوارزميات، جيل يتقن التمرير السريع أكثر مما يتقن التفكير؟

في زمن لم تعد فيه المعارف تُلقن في الفصول، بل تُحقن في العقول بشاشات مضيئة، أصبح الطفل لا يحتاج إلى معلم، بل إلى متابعين، فما الحاجة إلى كتاب حين تكفي رقصة سخيفة على تيك توك لتحصيل ملايين المشاهدات، أو منشور فارغ في فيسبوك يوزع الجهل بالمجان؟

جيل تربّيه الخوارزميات

إن أخطر ما في الأمر ليس في المنصات نفسها، بل في القائمين عليها: مجموعة من البشر، معظمهم بلا وعي حقيقي، يقدّمون محتوًى لا غاية له سوى الربح، ويغذون عقولًا صغيرة لا تميز بين القيمة والقمامة، يُقدَّم الجهل في أبهى حلّة، ويُحتفى بالسخافة كأنها وحيٌ جديد.

تقدم هذه المنصات محتوًى لا غاية له سوى الربح ويغذون عقولًا صغيرة لا تميز بين القيمة والقمامة

خوارزميات تلك المنصات لا تسأل: هل هذا المحتوى مفيد؟ بل تسأل: هل يحقق التفاعل؟ فإن كان الجواب نعم، فمرحبًا به ولو كان السم مدسوسًا في العسل، والنتيجة؟ جيل مشوه فكريًا، يتقن التمرير السريع أكثر مما يتقن التفكير.

فلسفة السطحية.. حين يتحول العبث إلى سلطة

قد نكون قد تجاوزنا مرحلة سيطرة الإعلام التقليدي، ودخلنا عصرًا تُصنع فيه الحقائق بالتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي. أصبح مستوى الذكاء في عدد من المجالات يُقاس بعدد المتابعين والإعجابات، لا بعدد الكتب المقروءة أو الأفكار المفهومة. بمرور الوقت، أصبح التافه هو المهيمن، في حين تضاءل الاهتمام بالعقول العميقة، كلما انحدر مستوى المحتوى زاد انتشاره، كأننا في مسابقة كونية للانحدار، يتربع على عرشها من يتقن الرقص على قبور المعرفة.

حلول ممكنة...

1. زر (هل فكرت قبل النشر؟)

تقترح الفلسفة الساخرة وضع زر إلزامي لكل منشور: (هل فكرت قبل أن تكتب هذا؟) إن أجاب بلا يُمنع النشر تلقائيًا.

2. فرض امتحانات فكرية على المؤثرين

هل يعقل أن يملك أحدهم مليون متابع ولا يستطيع كتابة جملة مفيدة؟ لنفرض اختبارًا بسيطًا في المنطق والتاريخ وأبجديات الأخلاق لمن يرغب في التأثير في الناس.

يجب أن يوجد نوع من المسؤولية الثقافية تجاه هؤلاء الذين يصلون إلى ملايين المتابعين. امتحانات بسيطة في التاريخ، الفلسفة، والأخلاق يمكن أن تكون خطوة لتقييم قدرة هؤلاء على التأثير الإيجابي.

3. خوارزميات مسؤولة اجتماعيًا

لمَ لا تُبرمج الخوارزميات لتروّج للمحتوى الراقي، لا لما يُضحك فقط؟ أليست الشركات مسؤولة أخلاقيًا كما هي مسؤولة ماليًا؟

4. تفعيل الرقابة الثقافية الذكية

ليس المقصود بالرقابة الذكية الرقابة السلطوية، بل خوارزميات ذكية تميّز بين التافه والمفيد، لا تحذف الآراء، بل تحجب التفاهة الصرف.

5. عودة (العار الثقافي)

فلنعد إلى ثقافة العيب، لا بمعناها التقليدي، بل العيب في أن يكون شاب في عمر 25 عامًا لا يعرف ابن خلدون، لكنه يحفظ ترند تيك توك الجديد عن ظهر قلب.

العيب أن يكون شاب يبلغ 25 عامًا ولا يعرف ابن خلدون لكنه يحفظ ترند تيك توك الجديد عن ظهر قلب

خلاصة تحذيرية 

إن لم نضع حدًا لهذا السيل الجارف من المحتوى التافه، فإن الأجيال القادمة لن تحتاج إلى مدارس، بل إلى إعادة تأهيل عقلية، نحن اليوم نعيش في سجن رقمي كبير، قضبانه ليست من الحديد، بل هي إشعارات، أما الحراس فهم حفنة من أصحاب الحسابات الكبرى، لا يملكون من الوعي إلا ما يسمح لهم بجني الأرباح.

فإما أن نعيد التوازن بين التقنية والعقل، أو نترك المجال مفتوحًا لخوارزميات تيك توك وفيسبوك لتعيد تشكيل الإنسان الجديد: كائن سريع التمرير، بطيء التفكير.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في كيفية استخدامها وتأثيرها على عقول الأجيال القادمة. إذا لم نتحرك لوضع حد لهذا السيل الجارف من المحتوى التافه، فإننا نخاطر بإنتاج جيل يحتاج إلى إعادة تأهيل فكرية. إن لم نعد النظر في كيفية تأثير خوارزميات تكتوك وفيسبوك على عقول الشباب، فإن الأجيال القادمة ستكون أكثر انغماسًا في السطحية وأقل قدرة على التفكير النقدي.

 الخيار أمامنا واضح: توازن العقل والتكنولوجيا هو الحل قبل فوات الأوان، إما أن نعيد التوازن بين التقنية والعقل، أو نترك المجال مفتوحًا لخوارزميات تيك توك وفيسبوك لتكوين إنسان جديد سطحي التفكير وسريع التمرير.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

إن وسائل التواصل بالمجمل تقتل عقول الأطفال وهم في طور النمو .. العقلي والمعرفي ويصبحون غير قادرين على التفاعل مع المجتمع والمحيط وعدم القدرة على اكتساب المعرفة اللازمة في حياتهم واقترح أن يتم التعامل من قبل الآباء والأمهات في تأثير وسائل التواصل بشكل عام عن طريق المتابعة والمراقبة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة