تُعد التعددية اللغوية في عالمنا المعاصر نافذة تفتح آفاقاً معرفية وثقافية واسعة أمام الأجيال القادمة. يستعرض هذا المقال التحليلي الدوافع العميقة التي تجعل الآباء يحرصون على تربية أطفالهم بلغات متعددة، ويتجاوز السرديات البسيطة ليناقش التحديات المنهجية والنفسية، مثل أسلوب شخص واحد، لغة واحدة.
بتسليط الضوء على الأبحاث الأكاديمية والضغوط المجتمعية المرتبطة بالتربية المكثفة، نقدم دليلًا معرفيًّا يوضح القيمة الحقيقية لتعلم اللغات في تعزيز الكفاءة الثقافية وتخريج مواطنين عالميين متسامحين.
دوافع الآباء لتربية أطفال متعددي اللغات
لدى الوالدين أسبابٌ عدة لتربية أطفالهم بلغات متعددة. فبعضهم يأمل في فرص وظيفية أفضل لذريتهم، في حين يركز آخرون على الفوائد المعرفية والفكرية المبلغ عنها لتعلم لغة إضافية، بما في ذلك مهارات أفضل في التركيز، وتحسين الذاكرة، وسرعة أكبر في صنع القرار. ويرغب آخرون، مثل الكاتب بن فاتشيني «Faccini» في «Aeon»، في محاربة هيمنة اللغة الإنجليزية في جميع أنحاء العالم.
أخيرًا، بالنسبة إلى كثير من العائلات، تعد التعددية اللغوية أسلوب حياة ببساطة، وتقليدًا يريدون منحه لأطفالهم. ولكن بغض النظر عن الدافع وراء رغبة الآباء في تربية أطفالهم تربيةً متعددة اللغات، فإن الأسئلة والهموم هي نفسها: كيف يمكنني أن أعلم طفلي كل هذه اللغات؟ ما أفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف؟ وكيف يمكنني أن أقف بقوة أمام التحديات والصعوبات التي تأتي حتمًا مع تربية عائلة تختلف عن «القاعدة»؟

فهم المصطلحات: ثنائية اللغة مقابل التعددية اللغوية
بادئ ذي بدء، ساد شيء من الارتباك بشأن المصطلحات. يستخدم كثير من الأشخاص «ثنائية اللغة» و«متعددة اللغات» بالتبادل. وتقليديًّا، يشير المصطلح الأول إلى معرفة لغتين، في حين أن الآخر يعني أن شخصًا ما يتحدث ثلاث لغات أو أكثر. ويستخدم أنيك دي هوور، أستاذ اكتساب اللغة وتعدد اللغات في جامعة إرفورت في ألمانيا، مصطلح «ثنائي اللغة» لوصف شخص يعرف لغتين أو أكثر.
حقيقة طريقة (OPOL) في التعليم اللغوي
تزعم معظم الكتب والمقالات الموجهة إلى العائلات التي تربي أطفالًا ثنائيي اللغة أن أفضل طريقة لتعليم الطفل لغة ما هي «أوبول» (OPOL) -one person, one language-، أو طريقة الشخص الواحد واللغة الواحدة. ووفقًا لهذا النهج، يتحدث أحد الوالدين لغة واحدة «وغالبًا ما تكون لغة الأغلبية»، في حين يتحدث الآخر لغة الأقلية. ولأسباب عدة، فإن هذه الطريقة ليست مثالية.
في الواقع، عندما حللت دي هوور عينة ضخمة من الأطفال ثنائيي اللغة الذين يعيشون في الجزء الفلمنكي من بلجيكا، وجدت أن نسبةً منهم فقط انتهت إلى التحدث باللغتين. وكان معدل النجاح مرتفعًا على نحو خاص عندما تحدث كلا الوالدين باللغة المحلية، في حين تعلم الأطفال اللغة الأخرى في المدرسة.
وزيادة على ذلك، حتى إذا كان الوالدان يتكلمان أكثر من لغتين، فإن الأطفال لا يكتسبون إلا اللغات التي يستخدمها الوالدان بنشاط في المنزل. وهذا منطقي؛ نظرًا لوجود علاقة مباشرة بين مقدار الوقت الذي يُقضى في التحدث إلى الطفل ونجاح اكتساب اللغة. ومع ذلك، فإن مقدار الوقت المطلوب بالضبط غير معروف.
ويعتقد بعضنا أن الطفل يحتاج إلى سماع لغة أكثر من 30% من ساعات الاستيقاظ من أجل التحدث بها بطلاقة، ولكن لا يوجد دليل علمي يدعم ذلك.

تحدي المفاهيم الخاطئة والتمييز اللغوي
في النصف الأول من القرن العشرين، كانت التعددية اللغوية كلمة منبوذة، وكان التحدث بأكثر من لغة مرتبطًا بمعدل ذكاء أقل وبنقص في المهارات المعرفية. وفي حين أن هذه الافتراضات السلبية خاطئة، فإن كثيرًا منها لا يزال سائدًا.
وقد طُلب من عائلات لا تُعد ولا تُحصى التوقف عن التحدث بلغتها الأم مع أطفالها، خشية أن يؤدي التحدث بلغة إضافية أو لغتين إضافيتين إلى إرباك الأطفال، وإعاقة اندماج أطفال المهاجرين أيضًا. وقالت دي هوور إن هذه المخاوف لا أساس لها، وإنها تستند إلى عدم الثقة بالاختلافات في لون البشرة والثقافة والهوية الدينية.
تؤدي الهيبة التي تتمتع بها اللغة دورًا في نجاح تعدد اللغات. ففي أوروبا، تُحترم لغات مثل الإنجليزية والألمانية والفرنسية وتُعترف بها، في حين تُعد اللغات الأوروبية الشرقية مثل الروسية أو البولندية، وكذلك لغات الشرق الأوسط مثل العربية أو التركية، موضع شك.
وتحذر دي هوور من أن هذا قد يؤدي إلى فقدان الأطفال الدافع إلى تعلم لغاتهم الأم. وأشارت إلى أنه إذا لم تحظ لغاتهم بالقبول، فإن الأطفال لا يشعرون بالقبول.
وزيادة على ذلك، ينتهك التمييز اللغوي المادة 30 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. ويمكن للوالدين أن يقررا عن عمد إرسال أبنائهما إلى مدرسة تُحترم فيها اللغة والثقافة.
المدارس ثنائية اللغة وتوجهات التنشئة المتضافرة
بفضل عمل الباحثين مثل إيلين بياليستوك في جامعة يورك في كندا، أصبحت ثنائية اللغة موضةً إلى حد ما. ففي الولايات المتحدة، تستقطب المدارس ثنائية اللغة ومدارس الانغماس اللغوي، المصممة خصيصًا لمساعدة الأقليات على الإبقاء على لغاتها، حاليًا عائلات من خلفيات بيضاء من الطبقة الوسطى، اغتنمت فرصة منح أطفالها هبة التعدد اللغوي. وهذا الهدف، رغم أنه يستحق الثناء، قد يدفع فعلًا المجموعات المستهدفة التي أُنشئت هذه المدارس لدعمها إلى الهامش.
كما كانت أسر الطبقة المتوسطة أكثر عرضة للانخراط في ما وصفته عالمة الاجتماع آنيت لارو في جامعة بنسلفانيا بـ«التنشئة المتضافرة»، وهو نهج يعمد فيه الآباء والأمهات بنشاط إلى تعزيز مهارات الأطفال وقدراتهم من أجل تحقيق أقصى قدر من النجاح. ولكن هذه المجموعة من الأطفال كانت أيضًا أكثر عرضة للإجهاد، وتفتقر إلى وقت للعب، وتشعر بالملل، وتُحرم فرصة أن تكون مجرد أطفال. والآن، أصبحت التعددية اللغوية جزءًا من اتجاه الأبوة والأمومة المكثفة.
يقترب بعض الآباء اليوم من تربية أطفال متعددي اللغات بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها مع التغذية، أو الانضباط، أو التعليم؛ فهي لعبة محصلتها صفر، يُنظر فيها إلى الطريقة الصحيحة الوحيدة للنجاح على أنها التضحية والاستسلام لجميع احتياجات الوالدين. وهذا ليس ضروريًّا، بل قد يكون ضارًّا أيضًا. وأظهرت البحوث أن الآباء والأمهات، ولا سيما الأمهات، الذين يؤمنون بمبادئ الأبوة والأمومة المكثفة كانوا أكثر عرضة للاكتئاب.

متى نبدأ؟ خرافة التعلم المبكر
تتعرض هذه الفكرة للنقد بسبب الاعتقاد بأن «كلما كان التعلم أكثر تبكيرًا كان أفضل». وقالت دي هوور إن الأطفال يتعلمون اللغة الأجنبية على نحو أفضل بعد سن الثانية عشرة، مشيرة إلى أن الاتجاه الحالي في الدول الأوروبية نحو تعليم الأطفال الإنجليزية في سن مبكرة لا يحقق النتائج المرجوة. وإن البدء في تعلم لغة في سن مبكرة جدًّا -خاصة إذا كان الطفل يتعلم لغة أخرى فعلًا في المنزل من أحد والديه- قد يؤدي إلى فقدان الطفل دافعه إلى التعلم.
وقد يكون الكم الهائل من المعلومات المتاحة لأولياء أمور الأطفال متعددي اللغات مربكًا، خاصة في ظل سيل النصائح الموجهة إلى الآباء والأمهات. ونتيجة لذلك، قد يصبح الوالدان قلقين ومتوترين وغير واثقين من أنفسهم ومن أساليبهم التربوية.
وفي حين أن تربية الأطفال متعددي اللغات عمل شاق، فقد حان الوقت للاسترخاء. ففي نهاية المطاف، ليس هذا الهدف نادرًا أو استثنائيًّا. ووفقًا للتقديرات، فإن نحو نصف سكان العالم يتحدثون فعلًا لغتين أو أكثر، وكثير منهم يتحدثون لهجةً إضافية إلى جانب ذلك.
الكفاءة الثقافية والتسامح: الغاية الكبرى
يمكن أن يكون فعل تعلم اللغات ذاته بمنزلة نعمة عاطفية. وكانت أكبر فائدة، كما وجدت عالمة اللغويات إيمي طومسون في جامعة جنوب فلوريدا، هي أن تعدد اللغات يجعل الناس أكثر تسامحًا؛ لأنه يساعدهم على اكتساب مهارتين مهمتين للغاية: الكفاءة الثقافية «فهم أفضل للطرائق المختلفة التي يتصرف بها الناس ويتواصلون بها»، والتسامح مع الغموض «كيفية تعامل الناس مع المواقف الجديدة».
ويترتب على ذلك أن أكبر درس يمكن تعلمه من ثنائية اللغة لا يتعلق في الواقع بالجوانب التقنية: كيف يحدث ذلك، أو حتى لماذا يحدث. فالأمر أكبر من ذلك بكثير. إن تربية الأطفال متعددي اللغات تعني تربية مواطنين منفتحين ومتسامحين وعالميين. وإذا كان الأمر كذلك، فعلى الآباء التغلب على التحديات وقيادة الطريق.
إن رحلة تربية أطفال متعددي اللغات تتجاوز فكرة التلقين اللغوي لتصل إلى بناء أجيال تتسم بالمرونة والكفاءة الثقافية، وعلى الرغم من التحديات والمخاوف المنهجية التي تفرضها أساليب مثل (OPOL) والضغوط الناتجة عن التربية المكثفة، يبقى الهدف الأسمى هو تعزيز التسامح والانفتاح لدى الأطفال؛ لذا يجب على الآباء الاستمتاع بهذه الرحلة التعليمية، والتركيز على غرس قيم قبول الآخر والتواصل الإنساني بدلًا من الانغماس المفرط في مطاردة الكمال اللغوي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.