منذ ما يزيد على 60 عامًا قبل اليوم ونحن في حاجة إلى ثورة ونهج جديد ومبتكر من تخليق الأفكار ومعالجتها، ففي الخمسينيات حتى نهاية السبعينيات على سبيل المثال كان رواد أي مجال والمتحكمين في سوقه يقودون هذا المجال سنوات عدة، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك وتسارعت المدة إلى أن باتت تتراوح من ساعة إلى ستة أشهر؛ ما جعل اتخاذ القرار في شراء أي شيء صعبًا.
ونقلًا عن بحث نشرته جامعة هارفارد في عام 1964 م عن التغيير والسرعة والمنافسة، قيل إن العالم سيشهد تغييرًا كبيرًا لم يره من قبل وبسرعة كبيرة؛ وذلك سيؤدي إلى قوة المنافسة. وأضاف إن لم يتحرك الناس بسرعة تتماشى مع السرعة التي يعيشها العالم، وبمرونة تامة تتماشى مع هذا التغيير الكبير، وبابتكار وتقديم كل ما هو جديد، ستكون النتيجة أن بعض البلاد والشركات والمؤسسات ستواجه مشكلات مادية خطيرة قد تؤدي إلى الإفلاس، وهو ما عجَّل بولادة تكنولوجيات مبتكرة من تخليق الأفكار ومعالجتها من رحم تلك الأزمة العالمية.
ثورة البرمجيات والإنترنت ميلاد بدائل التخليق
حينئذ لا يمكن إغفال دور ثورة البرمجيات والإنترنت في ابتكار بدائل المعالجة والتخليق. فمنذ أن انطلقت لغات البرمجة وتطورت على إثرها برامج تشغيل الحاسوب الحديثة، انفجر بركان من بدائل التخليق موازيًا، ويتفاقم طرديًا مع تطور تلك اللغات والبرامج، والاحتمالات غير النهائية لكل شيء.

يقول أنتونى روبنز: «في الواقع هناك عدد لا محدود من طرائق تفسير أي تجربة، فنحن نميل إلى تشكيل الأشياء حسب طريقة إدراكنا لها في الماضي، وكثيرًا ما يمكننا خلق فرص أعظم في حياتنا من هذه الأنماط الإدراكية التي تعودنا عليها».
ولادة واقع جديد: ما الذي تغير بعد عام 1989؟
خلال السنوات القليلة التي انقضت، شهد العالم قفزات هائلة في حجم ونوعية الإنجازات العلمية الناتجة عن مبتكرات حقيقية تفوقت بها على كل ما أنجزته البشرية طول تاريخها. وجدير بالذكر أن الأجيال الحديثة كانت هي الأكثر حظًا في معايشة ذلك التسارع الذي أتت به بدائل الأفكار والمعالجات مع مطلع كل يوم جديد، وإن حقبة الثمانينيات كانت حقبة فارقة في هذا الخصوص على وجه التحديد؛ إذ تحول كل شيء إلى شيء جديد، بل وسطعت أشياء من سماوات معتمة، لم يكن في السابق يُرى بها سوى ظلام دامس.
يقول (ستيفن آر كوفي) في كتاب (العادة الثامنة): «يعد كثيرون عام 1989 م -العام الذي شهدنا فيه سقوط جدار برلين- بداية عصر المعلومات وولادة واقع جديد، ودخول مرحلة من التغييرات العاصفة ذات الأهمية الكبيرة، إنها بحق بداية عصر جديد». وفي فقرة أخرى يقول: «البقاء والتطور والابتكار والتفوق والقيادة في هذا الواقع الجديد، تتطلب منا الوصول إلى ما هو أكثر من الفاعلية».

وبالمرور خلال الفترة من سطوع نجم الثورة الرأسمالية وشعارات الحرية والديمقراطية.. إلى آخره من الشعارات الرنانة، ووصولًا إلى الجيل الرابع من ثورة الاتصالات والإنترنت، تفتحت مدارك الإنسان وأبواب العقل والإبداع على مصارعها، فبات الجميع يبحث عن مبتكر جديد ليبهر به الجميع، الشركات والمؤسسات وحتى أصغر المعامل والوكالات، وعلى المستوى الفردي، الكل يبحث ويبتكر لينتج كل يوم فكرة مغايرة، ومهما كانت مدى نفعيتها، فالكل ينطلق دون توقف، وتضخمت منتجات الحواسيب والهواتف الذكية وتكنولوجيات الذكاء الصناعي، والبرمجيات الوظيفية والوقائية والهجومية في آن، وتنوعت منتجات التصنيع التي لم تعرف من قبل، وكثرت الهيئات والمؤسسات الداعمة لكل شيء ونقيضه، سواء أكان خادمًا للبشرية من عدمه، الكل يفكر ويتطور ويتنامى ويبحث، وما زال يبحث، وآلاف الأفكار يتم ضخها كل لحظة إلى ساحات التطبيق والتجريب والفحص، وملايين المنتجات تصرخ على أرفف المتاجر والأسواق.
ولكن السؤال الأهم: ما الذي تحتاج إليه لتكون لاعبًا في العصر الصناعي والتكنولوجي الجديد؟
إنك سوف تحتاج إلى منظومة جديدة من المهارات والأدوات تختلف كليًا عمَّا كنت تستعين به في السابق. وما هو أهم من ذلك سوف تحتاج إلى منظومة عقلية جديدة، أي طريقة جديدة للتفكير، حيث سيفوق إنتاج عصر المعرفة والمعلومات «الذي بدأ سباقه منذ عام 1967 م» إنتاج العصر الصناعي خمسين ضعفًا على أقل تقدير؛ لذا فذلك العصر الذي نعيشه الآن من تاريخ الإنسان يتطلب مهارات ومؤهلات خاصة، إذ كانت كلفة الإنتاج سابقًا مقسمة بنسبة 80 % للمواد الأولية، و20 % للمعرفة. أما اليوم فلها تقسيم آخر: 70 % للمعرفة، و30 % للمواد الأولية، فمنذ أربعة عقود وصاعدًا ومفتاح كل شيء هو المعرفة.
7 تغيرات عالمية مزلزلة (حسب ستيفن كوفي)
وطبقًا لما ورد في كتاب (العادة الثامنة) لـ(ستيفن آر كوفي) فإنه توجد 7 تغيرات عالمية مزلزلة، هي التي صعدت بالإنسان إلى تلك النقطة من التطور المذهل:
- عولمة الأسواق والتكنولوجيا: فقد تحولت معظم الأسواق المحلية والوطنية إلى أسواق عالمية لا حدود فيها.
- بروز ظاهرة التواصل العالمي: وهو التواصل الذي يربط نشاطاتنا بكل فرد في هذا العالم. يقول جى إم كوتزي «إن تأريخ الإبداع الإنساني هو تأريخ التخصيب المتبادل والمتواصل بين الأفكار خارج حدود الجدران والحدود المصطنعة بين الثقافات».
- ديمقراطية المعلومات والتوقعات: حيث إنه لا أحد يدير شبكة الإنترنت العنكبوتية؛ ما نتج عنه أن تجاوزت الحوارات بين البشر كل الحدود، وما بات من ممنوع أو محظور.
- الزيادات الأسية في المنافسة: إذ لم يعد التفوق على المنافسين كافيًا، والمطلوب اليوم التفوق على مستوى العالم كله.
- الانتقال من الاعتماد على رأس المال المالي في ابتكار الثروة، إلى الاعتماد على رأس المال الفكري والاجتماعي؛ فأكثر من ثلثي القيمة المضافة إلى منتجات اليوم تأتي من عمل المعرفة.
- حرية الاختيار: بعدما بات الناس يحصلون على مزيد من المعلومات، فيزداد إدراكهم للفرص والبدائل التي يملكونها.
- ماء مزبد باستمرار: إننا نعيش في بيئة تتغير باستمرار، فعندما تجدف مجموعة من الناس في نهر جارف يملؤه الزبد الأبيض -وهذا هو الحال اليوم- يتوجب أن يكون لدى كل شخص شيء ما في داخله يرشده إلى اتخاذ القرار الصحيح.
مفارقة التقدم: الإبداع والخلق في مواجهة الهدم
لذا فاليوم بات كل شيء مبهرًا ولافتًا، فعلى الرغم ما تضج به ساحات الإنتاج من منتجات مكرورة في الكل والجزء والطبيعة، ما زالت أنباء توقفك مشدوهًا مندهشًا، ولا يمكن تصنيف بدائل تلك الحضارة، وما ناهزته من تنامٍ في كل شيء، بأنه صعود أو انحدار، فهو محض تطور مذهل، بصرف النظر عن مدى نفعيته للبشر، فذلك العالم الذي يشهد تطورًا في الطب وتكنولوجياته، ما زالت تطلق في شرايينه الأوبئة والفيروسات.

فبتتبع الخطوات الزمنية للانطلاق لن تجد قطار العلاج والتعافي وحده، فثمة قطارات أخرى تتلاهث وتتسابق من الأوبئة الجائحة «الطاعون، الكوليرا، التيفود، البلهارسيا، الدرن، الجدري، شلل الأطفال، الملاريا، الإيدز، الجمرة الخبيثة، إنفلونزا الطــيور والخنازير، الســـرطان... إلى آخره»، وأخيرًا فيروس كورونا (Covide 19)، والمتحورات التي زلزلت العالم بأثره.. وهددت وجود البشرية خلال الشهور السابقة.. وإلى الآن.
وما زال الكل يبحث عن بدلاء وسبل للاندفاع في أوردة الحياة، حتى الإنتاج الافتراضي للبرمجيات والإنترنت، تم تخليق أوبئة تعيق حركته، بتنا نسير في الطريق وعكسه، ولكلٍ هدفه ومقاصده، وفي كل المجالات ستجد البشر يخلقون المشكلات جنبًا إلى جنب مع حلولها، وهي محض جولات، في كل جولة فائز إما بخديعة أو بديل جديد، السلام والحرب، التعافي والمرض، الجهل والعلم، الدين واللادين.... إلى آخره، كل شيء ونقيض كل شيء، وما زلنا في استمرار واستطراد.
وفي محاولة لتفسير ما يحدث.. لن نستطيع أن نتفوه ببنت شفة إلا بأنها سنة الحياة، تلك الحياة وكأنها كائن آخر يسير معنا في الدرب نفسه، يضاهي الإنسان في رحلته من ضعف إلى قوة، وبالنهاية ضعف وفناء، وكل ما يحدث يفسر لنا جليًا حكاية الأرض ونهايتها الحتمية التي وردت في الحكي القرآني والكتب السماوية الأخرى، بيد أنه بنظرة فاحصة سنجد أن التطور هو القاسم المشترك في كل مراحل الحياة، بصرف النظر عن المقاصد ووتيرة السير، وجنبًا إلى جنب يصطف مطورو الأوبئة ومطورو النماء والترقي.
وإنا إذ نحاول جاهدين إبراز الطرق الجديدة لتوليد الأفكار، إنما أريد من تجربتنا المتواضعة الانضمام إلى صفوف رواد التنمية في كل مناحى الحياة، وفي هذا السبيل نُعنى بتقديم استراتيجيات واضحة يمكن لأي فرد «مهما كانت ثقافته أو خبرته المعرفية» تطبيقها بكل سهولة ويسر على حياته الخاصة والعملية، لتكن ترسًا رشيدًا في تلك الآلة التي لا تتوقف ولا تكل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.