تحيز السلبية: كيف يبرمجنا الدماغ على تضخيم المشكلات وتجاهل النعم؟

لا أدري لماذا يخشى البعض الاعتراف بأنهم بخير وأن أمورهم بخير؟ ما دفعني إلى التأمل في هذا الأمر ومحاولة البحث عن تفسيره هو ما رأيته في أحد أماكن العمل؛ إذ يتكرر المشهد يوميًا: شكاوى من ضيق الحال، وتذمُّر من قلة المال، وحديث دائم عن «الزنقة» و«الظروف الصعبة»، لكن حين تنظر بتمعُّن إلى الواقع، ترى صورة مختلفة: هناك مستوى معيشة مستقر، وإنفاق واضح، ومظاهر حياة لا تعكس ضائقة حقيقية.

الغريب أن الأمر لا يقتصر على مكان بعينه، بل يبدو كأنه ظاهرة اجتماعية؛ حتى ليخيَّل إليك أن الناس يخشون أن يقولوا ببساطة: نعم، نحن بخير… الحمد لله. فما الذي يجري في واقعنا؟ أهو مجرد مبالغة اجتماعية، أم أن وراء ذلك تفسيرًا نفسيًا أعمق؟

هذا السلوك ليس مجرد تشاؤم عابر، بل هو نتاج لآليات نفسية عميقة تُعرف باسم تحيز السلبية ومتلازمة الضحية المكتسبة. وفي السطور التالية سنناقش كيف تحولت الشكوى من تعبير عن ألم حقيقي إلى نمط معرفي واستراتيجية دفاعية نستخدمها للهروب من المسؤولية، أو للاندماج في محيط اجتماعي لا يحتفي إلا بالمنكوبين.

الشكوى المتكررة رغم الاستقرار غالبًا ما تعكس تحيز السلبية والمقارنة الاجتماعية ومتلازمة الضحية المكتسبة، حيث تمنح الشكوى أمانًا نفسيًا وقبولًا اجتماعيًا أكثر من الاعتراف الصريح بالرضا.

تحيُّز السلبية «Negativity Bias»

في علم النفس، يوجد مفهوم يُعرف بتحيُّز السلبية، وهو ميل الإنسان إلى التركيز على الجوانب السلبية في حياته أكثر من الإيجابية.

تحيُّز السلبية هو ميل الإنسان إلى التركيز على الجوانب السلبية في حياته أكثر من الإيجابية

والتحيز السلبي (Negativity Bias) هو ظاهرة نفسية تجعل الأحداث أو التجارب ذات الطبيعة السلبية (مثل الأفكار المزعجة، التفاعلات الاجتماعية السيئة، أو الأخبار الصادمة) لها تأثير أكبر على الحالة النفسية والذهنية للفرد من التجارب الإيجابية، حتى وإن كانت متساوية في القوة.

الدماغ البشري تطوَّر تاريخيًا ليبحث عن الخطر لا عن الطمأنينة؛ لذلك نجد أنفسنا نُضخِّم المشكلة ونتجاهل النعمة، فالاعتراف بأن «أحوالنا جيدة» يحتاج إلى وعي وانتباه؛ في حين أن الشكوى تلقائية وسهلة.

ما هي نظرية التحيز السلبي؟

تستند هذه النظرية إلى مبدأ التطور التكيفي؛ حيث يعتقد علماء النفس أن عقول أسلافنا تطورت لتعطي الأولوية للمخاطر والتهديدات لضمان البقاء. ففي العصور القديمة، كان تجاهل خطر محتمل (سلبية) يؤدي للموت، بينما تجاهل فرصة لقطف ثمار (إيجابية) يعني فقط فوات وجبة. لذا، أصبح الدماغ البشري مبرمجاً بيولوجياً على أن يكون مغناطيساً للسلبية وسيراميكاً للإيجابية، وهذا ما يجعل الشكوى في بيئة العمل تخرج عفوية، بينما الاعتراف بالخير يحتاج إلى جهد ذهني.

ما هي أنواع التحيز الأربعة؟

تتعدد أنواع التحيزات الإدراكية، ولكن الأشهر والأكثر تأثيراً في اتخاذ القرار هي:

  • تحيز التأكيد (Confirmation Bias): الميل للبحث عن معلومات تدعم معتقداتنا الحالية وتجاهل ما يعارضها.
  • تحيز التوافر (Availability Heuristic): المبالغة في تقدير أهمية المعلومات التي تتبادر إلى الذهن بسرعة (مثل تضخيم خطر الطيران بعد سماع خبر حادث طائرة).
  • تحيز المربوط (Anchoring Bias): الاعتماد المفرط على أول معلومة نتلقاها عند اتخاذ القرارات.
  • تحيز الثقة المفرطة (Overconfidence Bias): ميل الفرد لتقييم مهاراته وقدراته بشكل أعلى من واقعها الفعلي.

ماذا تعني درجة التحيز السلبية؟

في السياقات الإحصائية أو التحليلية، تعني درجة التحيز السلبية وجود انحراف منتظم في التقدير يؤدي إلى نتائج أقل من القيمة الحقيقية (Underestimation). أما في السياق النفسي والاجتماعي فهي تشير إلى حدة استجابة الفرد للمؤثرات السلبية؛ فكلما زادت هذه الدرجة، صار الشخص أكثر ميلاً لرؤية الكوب فارغاً، وأكثر استغراقاً في دور الضحية.

المقارنة الاجتماعية «Social Comparison Theory»

قدَّم عالم النفس ليون فستنغر نظرية المقارنة الاجتماعية، التي تقول إن الإنسان يقيِّم نفسه دائمًا مقارنةً بالآخرين. ففي مجتمع تتصاعد فيه معايير الرفاهية، يصبح «الجيد» غير كافٍ، فمن يملك سيارة يقارن نفسه بمن يملك سيارتين، ومن يسكن شقة مستقلة يقارن نفسه بمن يسكن فيلا، وهكذا يتحوَّل الشعور بالرضا إلى سباق لا ينتهي؛ فيشعر الفرد -رغم استقراره- بأنه «أقل مما يجب».

قدَّم عالم النفس ليون فستنغر نظرية المقارنة الاجتماعية

وتنص نظرية فستنغر على أن لدى الإنسان دافعاً داخلياً فطرياً لتقييم آرائه وقدراته بدقة، وفي غياب معايير موضوعية مادية للقياس، فإنه يلجأ حتماً إلى مقارنة نفسه بالآخرين.

وقد قسّم فستنغر هذه المقارنة إلى نوعين:

  1. مقارنة تصاعدية (مع من هم أفضل منا) وغالباً ما تولد شعوراً بالدونية أو عدم الرضا.
  2. مقارنة تنازلية (مع من هم أقل منا) لتعزيز الشعور بالذات.

وبحسب فستنغر، فإننا نميل لمقارنة أنفسنا بمن يشبهوننا في المحيط الاجتماعي؛ ولذا حين يرى الموظف زميله يشتكي من ضيق الحال رغم يسره، فإنه يخشى إظهار رضاه لئلا يبدو خارج السرب أو يفقد نقاط التشابه مع مجموعته.

متلازمة الضحية المكتسبة

بعض الأفراد -دون وعي- يتبنون دور «الضحية»؛ ليس لأنهم يعانون فعلًا، بل لأن الشكوى تمنحهم تعاطفًا اجتماعيًا، وتخفيفًا للضغوط، وتبريرًا للتقصير، وتجنُّبًا للحسد أو الغيرة.

في بيئات معينة، الاعتراف بالنعمة قد يُقابل بالحسد أو النقد؛ في حين أن الشكوى تمنح أمانًا اجتماعيًا، فيصبح التذمُّر «درعًا نفسيًا».

ومتلازمة الضحية المكتسبة هي حالة نفسية يعتاد فيها الشخص على تقمص دور المظلوم أو المستهدف من قِبل الظروف أو الأشخاص، حتى وإن كانت لديه القدرة الفعلية على تحسين حياته. في هذه الحالة، يتوقف الفرد عن كونه فاعلاً في حياته ويصبح مفعولاً به دائماً؛ فهو لا يرى في الأحداث إلا مؤامرة ضده أو سوء حظ لا ينتهي.

المثير في هذه المتلازمة أنها لا تنبع من ضعف حقيقي بقدر ما تنبع من مكاسب خفية يجنيها الشخص من وراء الشكوى، مثل الحصول على تعاطف المحيطين به، وامتلاك عذر دائم لتبرير الفشل، والتهرب من ثقل المسؤولية التي يتطلبها النجاح والرضا.

لتبسيط الأمر أكثر، يمكننا فهمها من خلال النقاط التالية:

  1. إلقاء اللوم: دائماً ما يكون الآخر (الحكومة، المدير، الحسد، الزوج) هو السبب في تعاسته.
  2. العجز الوهمي: الشعور بأنه لا فائدة من المحاولة، لأن النتيجة محسومة بالفشل سلفاً.
  3. اجترار السلبية: التركيز فقط على الجروح القديمة والآلام السابقة واستدعاؤها في كل حديث.
  4. رفض الحلول: عندما تقترح عليه حلاً، يبادر بكلمة "نعم، ولكن..." ليثبت أن حالته مستعصية ولا حل لها.

القلق الاقتصادي الجمعي

حتى في حال الاستقرار النسبي، قد يعيش الإنسان تحت تأثير خطاب عام عن الغلاء والأزمات، فيتكوَّن ما يُشبه «قلقًا اقتصاديًا مزمنًا» يجعله يشعر بعدم الأمان، حتى لو لم يكن مهددًا فعليًا، وعندئذٍ لا تكون الشكوى كذبًا متعمدًا، بل تعبيرًا عن خوف داخلي من المستقبل.

والقلق الاقتصادي الجمعي هو عدوى نفسية تسود المجتمع، حيث ينتقل الخوف من الأزمات المالية بين الأفراد عبر الأحاديث اليومية والإعلام. في هذه الحالة، يشعر الشخص بالتوتر وعدم الأمان المادي ليس لأنه فقير، بل لأن الجو العام مشحون بالقلق، مما يدفعه للشكوى الدائمة وإخفاء الرضا تماشياً مع خوف المجموعة من المستقبل المجهول.

التواضع الدفاعي: الهروب من عيون الحاسدين

في بعض الثقافات، يُنظر إلى إعلان الرضا أو الاستقرار المادي على أنه استعراض أو تباهٍ؛ فيختار الإنسان خطاب الشكوى كنوع من التواضع الاجتماعي. هو لا يكذب، بقدر ما يتبنَّى لغة مألوفة تحميه من الأحكام.

والتواضع الدفاعي (Defensive Humility) هو استراتيجية اجتماعية ونفسية يلجأ إليها الفرد لإخفاء نجاحاته، واستقراره المادي، أو شعوره بالرضا خلف ستار من الشكوى أو التقليل من شأن ما يملك. ولا ينبع هذا السلوك من تواضع حقيقي أو زهد، بل هو وسيلة حماية استباقية؛ ودرع يقيه عيون الحاسدين، أو ليدفع عنه الأحكام الاجتماعية التي قد تصنفه كمستعرض أو متباهٍ.

التواضع الدفاعي هو استراتيجية اجتماعية ونفسية يلجأ إليها الفرد لإخفاء نجاحاته

وتتلخص أبعاد هذا السلوك في النقاط التالية:

  • الأمان الاجتماعي: تبني لغة الجماعة السائدة (الشكوى) لضمان القبول وعدم الظهور كشخص مستفز في محيط يعاني.
  • تجنب الحسد: الاعتقاد بأن إظهار الرضا يجلب العين، لذا تصبح الشكوى تمويهاً نفسياً لحفظ النعمة.
  • خداع الذات: أحياناً يستخدمه الشخص ليقنع نفسه بأنه لا يزال يحتاج للمزيد، كنوع من المحفز الملتوي للاستمرار.
  • تخفيف التوقعات: الشكوى تجعل الآخرين لا يطلبون منك المساعدة أو الدعم، مما يحمي مواردك الشخصية من الاستنزاف.

هل هذا اضطراب نفسي؟

في أغلب الحالات، لا. الأمر لا يُصنَّف كاضطراب، بل كنمط معرفي اجتماعي «Cognitive-Social Pattern».

لكن إن تحوَّل إلى شكوى مزمنة بلا وعي، وشعور دائم بالحرمان رغم الوفرة، وعدم قدرة على الإحساس بالرضا؛ فقد يرتبط بسمات شخصية قلِقة أو نمط تفكير تشاؤمي مزمن.

كيف نتصالح مع الرضا في عالم متسارع؟

ليست المشكلة في قلة المال دائمًا، بل في ندرة الشعور بالكفاية. المجتمع الذي يخجل أفراده من قول «نحن بخير» هو مجتمع لم يتصالح بعد مع مفهوم الرضا. وربما تكون أول خطوة للعلاج أن نتعلم قولها بثقة وطمأنينة: «الحمد لله… نحن بخير!».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.