يشهد المجال الرمزي في الزمن المعاصر، ولا سيما في السياقات العربية، تحوّلًا بنيويًّا عميقًا طال موقع المثقف ووظيفته الرمزية في المجتمع. فبعد أن كان يُنظر إلى المثقف، تقليديًّا، بوصفه فاعلًا مركزيًّا في تكوين الوعي الجمعي، ومرجعًا أخلاقيًّا ومعرفيًّا يُسائل السلطة، ويُعيد مساءلة الثوابت، لم يعد اليوم يحتل ذلك الموقع الحصين.
لقد تراجع دوره أمام صعود فئة جديدة من الفاعلين الرمزيين، يُعرفون بلقب المؤثرين الذين لا يملكون بالضرورة مشروعًا فكريًّا أو مرجعية معرفية راسخة، لكنهم تمكَّنوا من احتلال موقع الصدارة في تكوين الذوق العام وتوجيه الرأي، بفضل استثمارهم الذكي في أدوات المنصات الرقمية، وآليات الترويج اللحظي، واشتراطات اقتصاد الانتباه.
في ظل هذا التحوّل، لا يبدو الحديث عن موت المثقف مجازًا أو صيغة ميلودرامية، بل يتحوّل إلى ضرورة تحليلية ملحَّة، تفرض مساءلة عميقة لراهنية المفهوم ذاته: من المثقف؟ ما شروط حضوره؟ ومن يملك اليوم سلطة إنتاج المعنى؟
إنها لحظة حرجة تُجبرنا على تفكيك صورة المثقف كما ورثناها، وعلى مساءلة موقعه الجديد في مجتمع انتقلت فيه السلطة الرمزية من العمق المعرفي إلى التأثير البصري، ومن الحجاج العقلاني إلى العاطفة الرقمية الفورية.
المثقف العضوي: من الالتزام إلى التهميش
مثل مفهوم المثقف العضوي لدى أنطونيو غرامشي نقطة تحوّل في فهم المثقف، بوصفه حاملًا للمعرفة وفاعلًا منخرطًا في الصراع الاجتماعي. فالمثقف الغرامشي يشتغل ضمن بنيات السلطة، إما مقاومًا لها وإما مشاركًا في إدامتها.
«الحجة الرئيسة التي طرحها جرامشي في مقاله عن المثقفين حجة بسيطة: إن تصور «المثقفين» كفئة اجتماعية مستقلة عن الطبقة، ليس إلا خرافة، فكل الناس يمكنهم أن يكونوا مثقفين، بمعنى أن لديهم ذكاء، وأنهم يستخدمونه. ولكنهم ليسوا جميعًا مثقفين من ناحية الوظيفة الاجتماعية. وينقسم المثقفون من الناحية الوظيفية إلى جماعتين:

- الأولى هي المثقفون «المحترفون التقليديون traditional intellectuals» كالأدباء، والعلماء وغيرهم الذين يحيط بهم هالة من الحياد عن الطبقات تخفي وضعهم الطبقي الناتج في النهاية عن علاقاتهم الطبقية السابقة والراهـنة، كما تخفي تعلقهم بالتكوينات الطبقية التاريخية المختلفة.
- والثانية هي المثقفون «العضويون organic intellectuals»، ذلك العنصر المفكر والمنظم في طبقة اجتماعية أساسية معينة. ولا يتميز هؤلاء المثقفون العضويون بمهنهم، التي قد تكون أية وظيفة تتميز بها الطبقة التي ينتمون إليها، بقدر ما يتميزون بوظيفتهم في توجيه أفكار وتطلعات الطبقة التي ينتمون إليها عضويًّا».
لكن هذا المثقف، الذي كان حاضرًا بقوة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بدأ يفقد بريقه منذ نهاية القرن العشرين، لا سيما مع التحولات النيوليبرالية التي أفرغت المعرفة من بعدها التحويلي، وحوّلتها إلى معلومات سريعة، أو حقيقة في دقيقة قابلة للاستهلاك السريع.
«وكم نجح المثقف في بناء مشهد الوعي على مستويات كثيرة. وكم كان فاعلًا في بناء هرم الوعي، إما بالكتابة أو بالرسم أو بالموسيقى وسواها من الأعمال الإبداعية. أما اليوم، ونحن نمرّ بمرحلة يغلب عليها طابع التحوّل أو التراجع أو الانحدار، فإن صورة المثقف بدت خارج سياقها المعهود، ويمكن القول إنها صورة خارج إطارها».
وهذا الاضطراب في موقع المثقف يظهر أزمة أعمق تتجاوز تبدّل الأدوار إلى تحدٍّ جذري في العلاقة بين الفكر والمجتمع، فالحدود باتت بين المثقف والجمهور ضبابية، وتداخلت الأدوار بين الناقد والفاعل، بين المبدع والمتلقي.
في ظل هذا الواقع المتغير، يواجه المثقف أزمة في تحديد هويته ومكانته، ما خلَّف انزياح صورته من موقع الفاعل المؤثر إلى موقع هامشي.
فـ«الفكر العربي المعاصر لم يرتقِ بعد إلى مستوى إنتاج علم سياسي قائم بذاته، نظرًا للأزمة البنيوية التي يعاني منها الفكر العربي ذاته على صعيد البنيتين العقلية والإيديولوجية، فإن المعضلة النظرية الأساسية تكمن في إنتاج المعرفة النظرية العلمية لتطور الواقع الاجتماعي والتاريخي العربي».
لذلك، أصبح من الضروري إعادة قراءة مفهوم المثقّف، وتكوين دور جديد له يستند إلى وعي نقدي متجدّد، يُمكنه أن يتفاعل بفعالية مع تعقيدات العصر، ويعيد بناء جسور التواصل بين الفكر والواقع الاجتماعي، بما يعيد للمثقف موقعه الفاعل كحامل لوعي متقدّم ورافد للإبداع والتغيير الفعّال في المجتمعات.
المؤثر كفاعل رمزي بديل: وهم الثقافة الرقمية
في زمن منصات التواصل الاجتماعي، تغيّر مفهوم السلطة الرمزية، فبفضل خوارزميات تُكافئ ما هو مرئي وسريع وسهل الهضم، وبفضل محسنات محركات البحث، صعد المؤثر كمثقف بديل، متعمّدًا على قدرته على صناعة محتوى يتلاءم مع إيقاع العصر، ولا يهمه إن كان هذا المحتوى سطحيًّا.
يبدو هذا التحول وكأنه ديمقراطية جديدة في إنتاج الخطاب، لكنّه يُخفي سطوة تكنولوجية تسطّح المجال التداولي وتحاصر الفكر النقدي، عبر ما يمكن تسميته «رأسمالية التفاعل»، ففيه القيمة تُقاس بعدد النقرات والتعليقات المنسوخة.
من خطاب الوعي إلى خطاب الاستهلاك
لم يعد الهدف من التحدث هو التفكير، ولكن التأثير هو المطلب الأول. وأمام هذا الشرط الجديد، سقط كثير من المثقفين في العزلة، أو أسوأ من ذلك: تقمّصوا قناع المؤثر ليظلوا مرئيين.
هكذا مات المثقف مرتين: مرة حين تجاهله الجمهور، ومرة حين تنكّر هو لذاته.
الخطورة هنا تكمن في كون المؤثر يملأ فراغًا تركه انسحاب النخب الفكرية من الفضاء العمومي، واكتفاؤها بالكتابة لنفسها أو لحلقات ضيقة من النخبة، في عالم لم يعد يعترف بما لا يُتَداوَل.

وكما يقول توفيق المديني في سياق نقده لبنية الفكر العربي المعاصر: «إن هيمنة المسألة السياسية على الفكر العربي، بادعائها أنها تحتكر الحقيقة العلمية للتاريخ الاجتماعي، وباستمالتها الفكر، جعلت الفكر العربي متناقضًا ولا يسوده الانسجام والوحدة.. ويظل عاجزًا عن إنتاج معرفة نظرية إبداعية ومتحررة».
ماذا بعد؟ نحو فاعل ثقافي جديد
لا يمكن أن يكون الردّ عودة إلى النموذج القديم للمثقف، بل المطلوب اليوم هو تخليق نموذج ثالث: فاعل رقمي يمتلك الحس النقدي، يُوظِّف الوسائط الحديثة دون أن يسقط في التفاهة، ويُعيد ربط الخطاب بالفعل المجتمعي.
إنها لحظة تستدعي من المثقف أن يغادر برجه العاجي، ويستعيد صوته داخل الحلبة، عبر مساءلة الشروط التي أنتجت هذا الصمت الجماعي تجاه الفكر. ويؤكد توفيق المديني في موضع آخر على ضرورة استحضار فكر نقدي عضوي قادر على تفكيك البنى المعيقة ومواكبة التحولات الكبرى: «إن وحدة المنطقي والتاريخي هي نواة الجدل المادي الثوري، وهي دعامة ثابتة رئيسة في بنية المجتمع العربي من أجل كشف وفهم جوهر القوانين النوعية الخاصة التي تحكم ضرورة التحولات التاريخية».
نهاية أولى لا تُغلق الباب
إن موت المثقف ليس حدثًا عرضيًّا، ولكنه نتيجة مسار طويل من التفكيك الجذري لأدواره، وهذا المسار تُوّج بصعود المؤثر كمُنتِج للخطاب الزائف.
لكن الفضاء لم يُغلق بعد، وما يزال السؤال الجوهري قائمًا: هل يستطيع المثقف أن يعيد تشكيل حضوره داخل زمن لا يعترف إلا بما يلمع؟
إن حديثنا عن موت المثقف فيما سبق، ليس صرخة نوستالجية نستدعي بها صورًا بطولية من زمن غابر، ولكنه وصف نقدي لتحوّل عميق في بنية إنتاج المعنى داخل المجتمعات الحديثة، لا سيما في السياقات التي لم تكتمل فيها سيرورة التحديث الثقافي.
فوجب أن نستجيب لكل ما قلناه حدّ سرعة هذا الزمن الذي تُهيمن فيه ثقافة الصورة على ثقافة النص، والشفاهية المشوّهة على التدوين الحق، وبذلك تراجع دور المثقف كمصدر للمعرفة والتأويل، وبرزت نماذج جديدة من الفاعلين الرمزيين الذين لا يستندون إلى عمق معرفي أو مشروع نقدي، وإنما تحايلوا علينا وارتكزوا على قدرتهم على إثارة التفاعل اللحظي وتوليد الانطباع السريع.
لكن هذا الموت ليس نهائيًّا، بقدر ما هو موت لصورة نمطية عن المثقف التقليدي: ذاك الذي يتكلم من برج عاجي، لا يراه الناس إلا في خطاباته الثقيلة في المنابر الجامعية ونصوصه المُحنّطة التي تتحدث من منطلق يوتوبي محض.

إن الرهان اليوم هو في التفكير في شروط إمكان بعث المثقف بصيغة جديدة؛ صيغة تتجاوز الثنائية المدمّرة: إما الانعزال الأكاديمي أو السقوط في التفاهة الرقمية.
لقد آن الأوان لاستدعاء نموذج جديد من الفاعلين الثقافيين: أولئك الذين يجمعون بين التكوين المعرفي الصارم والقدرة على توصيله بما يتطلب العصر.
نحن بحاجة إلى مثقف رقمي عضوي، إن صحّ التعبير، يُحاور الزمن بلغته، مثقفٌ يتورط في الواقع، يُربك السائد، ويزرع أسئلة تُقلق.
إن مسؤولية هذا التحول تقع على عاتق الجميع: على الجامعة أن تُعيد النظر في علاقتها بالواقع، وعلى الإعلام أن يتوقف عن مكافأة الرداءة، وعلى المثقفين أن يخرجوا من خنادقهم النظرية لمواجهة الواقع بلغة الناس، دون أن يُفرّطوا في حمولتهم المعرفية.
ولن أخاطب أي جهة أخرى، لأن حضور الطبقة المثقفة هو تقويض لكل مركزياتهم، فالمثقف الحقيقي، لا يطلب الإذن ليفكر، ولا يستجدي الإصغاء من الذين يصمّون آذانهم عن صوت العقل والحق.
إن الصمت في حضرة الظلم خيانة، ومن يُسميه حيادًا هو بذرة خائن. والمثقف، إن لم يكن على الجبهة، فهو في الخلف يخذل الذين وثقوا بالكلمة كونها أملًا أخير.
أما الجمهور، فهو مدعوّ بدوره إلى إعادة تقييم ذائقته المعرفية، وأن يُعيد طرح سؤال صغير لكنه جوهري: لماذا نتابع؟ وماذا نُريد أن نعرف؟
إننا، في النهاية، أمام موت المؤلف، موت القارئ، موت الناقد، وموت المثقف، وأمام موت جماعي لرغبتنا في التفكير. وما لم نُحرّك هذه الرغبة من جديد، فإن الفراغ سيظل يُملأ بما هو أكثر جاذبية من الفكر، لكنه أقل بكثير من أن يصنع وعيًا أو يغيّر واقعًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.