قليلون هم من يفطنون إلى تحمُّل المَسْؤولِيَّة منذ الصِّغر، منهم من تُغرس فيهم، ومنهم من هي في صِبْغتهم. ويوجد من لا يفطن لها أبدًا حتى وإن غُرِس داخل مُسْتَقَرِّ المَسْؤولِيَّة.
قد يعجبك أيضًا الاختلاف شرط النجاح وليس المقارنة
مفهوم تحمل المسؤولية
المَسْؤولِيَّة عند البعض فِطرة، شعور، فالشخص المسؤول بطبيعته حَاضِر عند الشدائد، قائِم عند المصائب، نافع عند الحاجة.
هو من تلقاء نفسه عادة ما يتخذ موقعه من كل حدث، فهو دائِمًا فاعِل ولا يأتي مطلقًا في موقع المفعول به، لا يُملي عليه أحد أفعالًا ولا أقوالًا ولا موقعًا، هو يعلم موقعه جيدًا، ويدرك رتبته، ولديه القدرة على المكافأة بين حجم الحدث ومدى وجوب تواجده فيه.
وعلى صعيد آخر، يقوم البعض بالمسؤوليات التي فُرضت عليهم فَحسْب بشكل اعتِيَادِي مُمِل، وهذا الفَرِيق لا تجده أبدًا خارج دائرة هذه المسؤوليات التي أَغَلَّت عنقه، وكَبَّلت يديه، فهو مُكرَه، الأمر ليس عن طيب خاطر وإنما هو إلزام.
وصحيح أن هؤلاء قد يتثاقلون ويتقاعسون أحيانًا، إلا إنهم - وللحق - لا يتخلَّون عن إِتْمام ما ارتضوه واجبًا.
ويوجد الفريق المتنحِّي، هذا الذي لا يُلزِم نفسه بالعناية والاهتمام تجاه أي شيء أو أي أحد، فضلًا عن تفريطه في التعهد بالمسؤوليات التي يعود نفعها عليه شخصيًّا.
تَفْرِيط، وتَقْصِير، وتَهاوُن ذاك الفريق هي الدافع الأساسي والوحيد لظهور هذا الأخير، أي الفريق المضطر.. وهو الفريق الذي أرغمه تواطؤ المتنحِّي إلى تسلُّم زمام أمور ليست من واجباته، وتَعَهُّد ضَرُورِيَّات تُنتسب لغيره، والارْتبَاط بسلوكيات ليست منه وليست له!
تتضارب العلوم في تفسير كُنْه المسؤولية ومَاهِيَة المسؤول، فما بين علم النفس والعلوم الإنسانية وعلم اللغة.. يلْتبِس المعنى وتختلط المفاهيم.
وهنا يجب الرجوع إلى المَرْجِع المَوْثُوق، والذي هو عِمَاد كل اضْطِراب، ومُبَدِّد كل اخْتِلاَط، فيأتي التنبيه الجَلِيُّ:"كُلُّكُمْ رَاعٍ..".
ولأن الآراء تتضارب، والعلوم تتباين، تجد من يشكك في كونه مُطالَبًا، فهو خارج دائرة المُلزَمين، وهنا يأتي التنبيه مكررًا ولكنه مُحرر من الأصناف المُعَيَّنة في أول الحديث:"أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ..".
والراعي هو السَائِس، والمُدَبِّر، والمَسْؤُول، أي من يتَوَلَّى تَدْبِير الأمور وَتصْرِيفَهَا، والقَائِم عَلَى شُؤُون من هم تحت رعايته، وهو مَنْ يُسَوِّي الضَّرُورِيَّات والمُحَتَّمات وَيُعَالِجُهَا.
فلا شك أن لكل منا واجبات والتزامات وُكِّلَت إليه، ما من أحد خُلق ليعيش دون فروض أو مُحتَّمات، صحيح أن المسؤوليات تتفاوت في شدتها وفي مجهود إيفائها وفي عدد الأشخاص المردودة عليهم، إلا إننا كلنا مُلزَمون وكلنا مَسْؤُولون.
قد يعجبك أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.