عزيزي القارئ، من خلال هذا المقال أنسج قصة من رموز لوحة من لوحات الفن التجريدي للفنان فريد خطاب، فعندما نظرت إلى اللوحة بتأمل استشعرت عدة معانٍ بارزة ومنسجمة مع بعضها بعضًا، فقررت أن أتحسس بعضًا من نثرات الإبداع وأنسج قصة رائعة بتفاصيل ممتعة وأكتبها لك حتى يتسلل هذا الشعور الدافئ إليك مثلما تسلل إلى قلبي من النظرة الأولى للوحة.
فقد كان أول شعور تسلل إلى قلبي شعورًا مُفعمًا بالرخاء والفخامة والرفاهية، كأني قد رجعت بآلة الزمن إلى الوراء مئات السنين وشهدت عصرًا يُمثل الرخاء والنعيم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أتعرف يا عزيزي تلك الحكمة التي تقول "ليس كل ما يلمع ذهبًا"؟ قد كانت الرموز والمعاني التي تحملها اللوحة كافية لأن تنفي هذه المقولة، بل ربما قادرة على سحقها من الجذور! فكل ما في هذه اللوحة يلمع ويُضيء كالذهب والمجوهرات النفيسة دون مبالغة.
وبعد ذلك الشعور الرائع بدأت بكل شغف تفسيرَ قصة المشهد الذي يدور، فكان أول ما التقطته عيني تلك البقعة الذهبية المنيرة الموجودة بمنتصف اللوحة، كانت فتاة واقفة وترتدي فستانًا حريريًّا أنيقًا باللون الأصفر الذهبي وأطرافه تخلفها بأمتار زاحفة على الأرض، ودون شك فإن تلك الفتاة بالتأكيد كانت من صفوة المجتمع في ذلك الوقت، ربما هي ابنة أحد كبار المجتمع حينها، فقد أعجبتني شخصية تلك الفتاة وشعرت بأنها تقف بثقة وشموخ وتُطل من شرفتها في الهواء الطلق والنسيم العابر الذي يُلامس وجهها ويُداعب خصلات شعرها المنسدل على كتفيها، إنها فتاة طموحة على علمٍ تامٍّ بقيمتها وقدرها واستحقاقها العالي وحبها لذاتها.
شعرت أيضًا بأنها فتاة ذات بصيرة متفردة، فكانت تتأمل السماء وحركة السحاب والطيور التي تُغرد من حولها، أعجبني هذا حقًّا وقلت في نفسي إن تلك الفتاة قد نكون سمعنا أو قرأنا عنها في الروايات والقصص التاريخية، ولربما ورد شيء عنها عرفناه جميعًا، لكني لم أستطع التعرف على هُويتها من اللوحة، ولما نظرت خلف تلك الفتاة وجدتُ مشهدًا آخر مبهجًا وسمعتُ أصوات الطرب والموسيقى تفوح من ذلك المكان، فقد كانت بعض الفتيات في مقتبل عمر الشباب يلهون ويرقصون على أصوات الغناء والطرب، وبإضافة اللون الوردي إلى ثيابهم تشكَّل رونق من البهجة والسعادة على المشهد وخُيل لي مما رأيت أن واحدة منهن قد استضافت في بيتها بعضًا من صديقاتها لحفل شاي وغناء لقضاء وقت ممتع في الظهيرة. فإذا وجدت الشمس والنسيم العليل والرفاهية مجتمعين فما الذي يمنع السعادة والمتعة يا عزيزي!
ثم بالالتفات خلف هذا المشهد في اتجاه يسار اللوحة، وجدت سوق المدينة يتزاحم بداخله عدد من النساء ذوات الرداء الذهبي، قاصدات شراء السلع والأغراض التجميلية والحرير والأقمشة من أجل الزينة، فما عرفناه على مر العصور أن النساء دائمًا يبحثن عن كل ما يُزيدهن تالقًا وجمالًا، فهذا شيء فطري في كل امرأة.
ثم بالنظر أسفل يسار اللوحة وجدت عددًا من النساء، ولكن يختلفن تمامًا عمن تحدثت عنهن سابقًا، لقد رأيت نساء ثيابهن بيضاء وأُخَر بنفسجية، واستشعرت نورًا محاطًا بطاقة من النبل والنقاء تخرج من بين صفوفهن. فحسب ما فسرت هذا المشهد أنه كان تجمع يضم عددًا من النساء اللاتي يقمن بالأعمال الخيرية والنورانية، مجتمعين من أجل التأمل في الطبيعة والكون والاتصال بالروح والسمو بها عن مشتتات الحياة الدنيا، وقد وصلتني طاقتهن النورانية، وبالفعل هذا يحدث دومًا في كل زمان ومكان، فنجد فئات من البشر دائمة السعي إلى التأمل في الكون من منظور جوهري وروحي معًا، وهذا ما أشعرني بالألفة والسلام حيال هذا المشهد.
ولكنني سرعان ما ارتطمت بطاقة سوداء ظلامية عندما التفتُّ بعيني إلى جهة اليمين فوجدت عددًا من الأشخاص تُخيم عليهم طاقة الظلام والشر يقفون أمام قائدهم. فترجمت هذا المشهد على الفور بأنهم يُمثلون فئة الأشرار والظلاميين التي توجد في كل زمان ومكان منذ بدء الخليقة! إنهم الأشرار وناشروا الفساد في كل مكان يطؤوه بأرجلهم، الذين نشاهدهم نحن على وجه الخصوص في رحلة حياتنا، فلم أندهش قط مما رأيت، فهذا متوقع فالحياة هي الشيء ونقيضه، حين يوجد الخير يتزامن معه الشر، والنور بلا شك يصحبه الظلام، فهي معادلة كونية بحتة.
عزيزي القارئ، إلى هنا تنتهي قصة اليوم من سلسلة "قصة من لوحة من لوحات الفن التجريدي للفنان فريد خطاب".
https://www.instagram.com/p/CLtMRLcHIJw/?igshid=NmE0MzVhZDY=
لينك لوحة "نساء و حرير" 👆
جميل
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.