تُعد لوحة «غرنيكا» (Guernica) للفنان الإسباني العبقري بابلو بيكاسو ليست لوحة عادية، بل هي صرخة مدوية وتجسيد خالد لمأساة الحرب. إنها المثال الأبرز على قوة الفن ضد الحرب، فتحولت من رد فعل على حدث مأساوي إلى بيان إنساني عالمي يتجاوز الزمان والمكان.
في هذا المقال، نغوص في قصة هذه التحفة الفنية، ونقدم تحليل لوحة غرنيكا من حيث الأسلوب والرموز، ونروي رحلتها المذهلة عبر القارات.
القصة لوحة غرنيكا المأساوية: قصف غرنيكا عام 1937
في ليلة من ليالي شهر أبريل لعام 1937م، خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قُصِفت مدينة غرنيكا في إقليم الباسك بشمال إسبانيا على يد طائرات حربية ألمانية وإيطالية مساندة للقوات القومية في تلك الحرب، ومن دون أي رحمة سقطت مئات الأرواح بين قتيل وجريح. جعلت قراءة بيكاسو في أثناء إقامته في فرنسا لهذا القصف اللوحةَ ردَّ فعلٍ عليه، وكانت اللوحة جزءًا من الجناح الإسباني في المعرض الدولي للفنون في باريس عام 1937م، وأكملها بيكاسو في يونيو من العام نفسه. خرجت اللوحة صدمة للعالم، فهي تدل على أن الفنان يمكنه أن يعبر عن هول الحدث وعن المشاعر الإنسانية أثناءه بين حزن وخوف وهلع وحسرة، واللوحة دليل واضح على أن الأعمال تتحدث عن نفسها.

أسلوب بيكاسو في غرنيكا بين التكعيبية والسريالية
تتميز لوحة غرنيكا بأسلوب فريد، كما تحدثنا سابقًا، فإن بيكاسو يُعَدُّ مؤسس الحركة التكعيبية، وأسلوب بيكاسو في غرنيكا تكعيبي سريالي، الأسلوب التكعيبي هو اعتماد اللوحة على التكوينات الهندسية المركبة والمجزأة، وهناك أجسام وزوايا متعددة ومختلفة هندسيًا في الوقت نفسه لتعبر عن الاضطراب والحزن النفسي. اختار بيكاسو ألوانًا محدودة محصورة في الأبيض والأسود بدرجات الرمادي، وهو ما يعزز الشعور بالكآبة والقسوة، ويشبه الصور الفوتوغرافية القديمة أو نشرات الأخبار المصورة، ليعطي اللوحة طابع التوثيق الصحفي للمأساة، عمومًا اللوحة تحمل تجربة سياسية وإنسانية قاسية وفريدة من نوعها بتجربة بصرية مكثفة.

فك شفرة الرموز: رمزيات لوحة غرنيكا
وراء لوحة غرنيكا كثير وكثير من الأسرار، وتبدأ هذه الألغاز من الألوان، إذ إنه عند النظر إلى اللوحة يُعتقد أنها مكوَّنة من لونين فقط: الأبيض والأسود، ولكن هناك درجات من اللون الرمادي، والأكثر إدهاشًا أن هناك درجات من الأزرق الداكن والأزرق السماوي، ما يضفي على اللوحة بُعدًا دقيقًا ومعانيَ عميقة، مثل لون «ضربة سكين» تعبيرًا عن العنف.
اللوحة مملوءة بالرموز الدالة على الألم وفجائع الحروب، وتشمل أبرز رمزيات لوحة غرنيكا ما يلي:
-
المرأة التي تحمل طفلها الميت: تمثل الحزن والمعاناة البشرية وفقدان البراءة.
-
الحصان المنكوب: يرمز إلى الألم ومعاناة الشعب الأبرياء.
-
المصباح الذي تحمله امرأة: يدل على ضوء الأمل أو الحقيقة وسط الظلام والدمار.
-
الثور: يقف شامخًا على اليسار، ويُفسر بتفسيرات متعددة؛ إما رمزًا للوحشية والظلام، أو رمزًا للثبات الإسباني.
-
المصباح الكهربائي: في أعلى اللوحة، يرمز إلى عين التكنولوجيا الحديثة القاسية التي تراقب المذبحة دون رحمة، أو "العين الشريرة" للحرب.
كل هذا هو رأي النقاد، فحتى بيكاسو لم يوضح المعاني الحقيقية وراء هذه الرموز، مفضلًا أن يتركها مفتوحة للتأويل.
كيف فسّر بيكاسو رسائل الحرب في عناصر اللوحة؟
ألوان اللوحة وعناصرها تحمل رسائل الحرب، وحاول بيكاسو توصيل هذه الرسائل، اللون الأبيض يرمز إلى الضحايا والبراءة، ويظهر الضوء وسط الظلام، ويبرز ملامح الألم والمعاناة للناس والحيوانات، اللون الأسود يشير إلى الدمار والخراب والظلام الروحي الذي تفرضه الحرب، ويعزز الشعور بالكآبة واليأس. اللون الأزرق الداكن يعبر عن الحزن العميق والصمت المرير لما خلّفته الحرب من أهوال. واستعمل بيكاسو هذه الألوان بأسلوب معقد ومدروس لتوصيل رسائله بأفضل طريقة، وهو ما يثبت أنه فنان فريد من نوعه، ويدل على أن الفن يصل من القلب إلى القلب دون مجهود.

رحلة اللوحة من باريس إلى نيويورك ثم مدريد
لم تكن قصة غرنيكا مجرد لوحة عُرضت وانتهى الأمر، بل بدأت رحلة طويلة بعد المعرض. أصبحت اللوحة أداة دعائية متنقلة مناهضة للفاشية، حيث جالت في أوروبا وأمريكا لجمع الأموال لمصلحة اللاجئين الإسبان. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وسقوط فرنسا، أودع بيكاسو اللوحة كأمانة في متحف الفن الحديث (MoMA) في نيويورك، واشترط صراحةً ألا تعود إلى إسبانيا إلا بعد استعادة الحريات الديمقراطية.

قضت اللوحة أكثر من 40 عامًا في منفاها الأمريكي، لتصبح رمزًا للمقاومة ضد دكتاتورية فرانكو. وأخيرًا، في عام 1981، بعد وفاة فرانكو وعودة الديمقراطية، عادت اللوحة إلى إسبانيا في احتفال تاريخي مهيب، وفقًا لسجلات متحف الملكة صوفيا الوطني للفنون (Museo Reina Sofía).
لوحة «غرنيكا» شهادة خالدة ضد الوحشية
لوحة «غرنيكا» لبيكاسو معروضة حاليًا في متحف مركز الملكة صوفيا الوطني للفنون في مدريد. إلى يومنا هذا تُعد هذه الجدارية من أكثر الجداريات المؤثرة في تاريخ الفن، وبلا شك من اللوحات الأكثر زيارة وشعبية في التاريخ. إنها شهادة خالدة على أن الفن ضد الحرب يمكن أن يكون أقوى من أي سلاح، وأن صرخة مرسومة بالأسود والأبيض يمكن أن يتردد صداها عبر الأجيال لتذكرنا دائمًا بوحشية العنف وقيمة الإنسانية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.