هل يمكن أن يكون كتاب كوميديًا وسيرة اجتماعية في آن واحد؟ تلك هي عبقرية أبي عثمان الجاحظ في تحفته الخالدة، كتاب البخلاء. فبسرد القصص والنوادر المضحكة، يغوص الجاحظ في أعماق النفس البشرية، ليقدم لنا تحليلًا عميقًا لشخصية البخيل وسلوكياته. هذا الكتاب ليس مجموعة من الحكايات الطريفة فحسب، بل هو مرآة ثقافية تظهر ببراعة طبائع المجتمع العباسي، وتجمع بين الفكاهة والسخرية والتحليل النفسي.
من السخرية إلى التحليل النفسي: فلسفة الجاحظ في البخلاء
يُعد كتاب «البخلاء» لأبي عثمان الجاحظ خلاصة نفسية الجاحظ المرِحة، وصفوة تجاربه ومعارفه، ومرآة ثقافته الاعتزالية المنطقية الأخّاذة، فضلًا عن كونه دائرة معارفٍ من نوعٍ خاص، تقتصر معلوماتها على طرائف البخلاء، ونوادر الأشحاء، وفلسفة المُقترين، وموقف ذوي الجود والمروءة منهم، وأخبار الأدباء والشعراء، من عرب وعجم، ممن عُرفوا بشحّ الطبع، وبُخل النفس، وانقباض اليد عن كل مكرمة.

ولقد تقرأ «البخلاء» قراءة عابرة، وأنت في عجلة من أمرك، فلا تمتلك نفسك من الإغراق في الضحك، إزاء المضحكات المبكيات من روايات أبي عثمان الجاحظ التي يسردها عن بُخلائه، أو على ألسنتهم. على أنك لو تأنيت في تلاوة هذا الكتاب الثمين، لأدركت أن وراء كل ضحكة من ضحكاتك العاجلة التفاتة إشفاقٍ لا تقوى على كتمانها، وأنت تتأمل تهاوي النبل في نفوس طائفةٍ من أفراد المجتمع، أصبحت هدفها العظيم تجميع المال، واكتناز الكنوز، وامتلاك الأرزاق، حتى ولو كان ذلك كله على حساب الكرامة الإنسانية التي بها يجاوز الإنسان حيوانيته، وشهوانيته، أيا كان لونها، ومهما كانت تسميتها.
والحقيقة أن الجاحظ درس نفسية البخلاء، وراقب تصرفاتهم، وأحصى عليهم سكناتهم، وجمع ما تعللوا به من أعذار في التمسك بنقيصة البُخل، واطّلع على ما كتبه سواه في موضوع البخل والبخلاء، ثم مازج بين كل ذلك، وطلع علينا بهذا الكتاب التوجيهي القصصي الاجتماعي الاقتصادي الذي يُبيّن، بأسلوبه المؤثر، معايب البخلاء، فيَحملنا حملًا على تفاديها، ويوضّح لنا أن الاقتصاد مزية ممدوحة، ولكن البُخل نقيصة مذمومة.
إن البخيل يعتقد، بتصرفاته، أن الناس أغبياء لا يدركون مغزى هذه التصرفات؛ وفوق ذلك، فهو يعمى عن أن يرى حقيقة نقيصته، فإذا هو مريضٌ مزمنٌ، وإذا الدواء لا ينجع في شفائه من مرضه. هذا، إلى أن القرش يُذلّه، والدرهم يُميت مروءته، والفلس يُحطم ما تبقى له من كبرياء نفسه.
وما أروع الجاحظ يُدير على فم بُخلائه علم المنطق والحساب، ويجعلهم من المتفقّهين الذين يتقنون تأويل الأحاديث، بل والأسماء أيضًا، فلا يزيدهم ذلك، في نظرك، إلا تهاويًا. كأن الجاحظ يدفعك دفعًا إلى احتقارهم وازدراء أخلاقهم.
البخل ظاهرة اجتماعية: مرآة العصر العباسي
إذ يصف الجاحظ البخلاء جامعًا بين التفاصيل الحسيّة والدقائق النفسية، فهو ينقل إليك صورة أمينة لما كان عليه المجتمع العباسي، أيامذاك، ولا سيما فيما شاع وذاع من الأحاديث عن البُخل والبخلاء، ومن تنابذٍ بين العرب والأعاجم في هذا الموضوع، ما جعل العرب يعدون من عداهم من الشعوب بعيدين عن مكارم الجود، في حين راح الشعوبيون يرون العرب مبالغين جدًّا في ادّعائهم الجود والمروءة.

وقد أوضح طه الحاجري هذه الحقيقة التي برزت في ذلك العهد، إذ أشار إلى أن أحاديث البخل وأخبار البخلاء كانت «تسير في طريقين، وتتجه إلى غايتين: وفي أحد الطريقين، يقوم دعاة الشعوبية، فيردّون على العرب فخرهم التقليدي بالكرم، ويقولون إن أكثر هذا الفخر كلام لا يفي به الفعل، ونوع من النفج لا حقيقة له في الواقع... وفي الطريق الأخرى يقوم دعاة الدولة القائمة... وليست الدعوة للدولة ببعيدة عن الدعوة للشعوبية، فبينهما وشائج واصلة، وإن كانت قد اتخذت لونًا خاصًّا بها... وحسبنا ما تدل عليه هذه المعركة القلمية التي كانت مظهرًا من مظاهر الخصومة بين العباسيين والأمويين، والتي استخدم لها العلماء والكتّاب من هؤلاء وأولئك، يتبادلون الشنع، ويتقاذفون بالمثالب. ولعل من أقرب الشنع تأثيرًا في نفوس الجماهير، ما يتعلق منها بالمطاعِم بين الشره الذي تتقزز منه الحضارة، والبخل الذي تنفر منه الإنسانية».
ويوضح عباس محمود العقاد تلك الطريقة الكاريكاتورية الفنية في رسم الشخصيات المختلفة المنازع، المتباينة الأخلاق والأفكار، وذلك بروح عبقرية مرحة عُرفت عن الجاحظ، وإذا «كل قطعة من قطعه، وكل صفحة من صفحاته، تكاد تجلو لنا صورة كاريكاتورية رائعة لا نقضي منها عجبًا، وتبيّن لنا إلى أيّ حدّ كانت هذه الروح عنده، وإلى أيّ مدى اجتمعت أدواتها لديه، وبأيّ براعة ومقدرةٍ امتلك ناصية هذا النوع من التصوير الذي ينقدُ ويُضحك في وقتٍ معًا».
دفاعات البخلاء: بين الفلسفة الزائفة والمنطق الأعوج
ثم إن شخصيات «البخلاء» أدعياء فلسفة وفقه «لغوي» مثير لكل سخرية. اسمع هذه الوصية من أبي عبد الرحمن إلى ولده:
«أي بني! إن إنفاق القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق، وإنفاق الدوانيق يفتح عليك أبواب الدراهم، وإنفاق الدراهم يفتح عليك أبواب الدنانير. والعشرات تفتح عليك أبواب المئين، والمئون تفتح عليك أبواب الألوف، حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل، ويطمس على العين والأثر، ويحتمل القليل والكثير».
«أي بني! إنما صار تأويل الدرهم "دار الهم"، وتأويل الدينار "يُدني إلى النار". إن الدرهم إذا خرج إلى غير خلف، وإلى غير بدل، دار الهم على دانقٍ مخرجه. وقيل: إن الدينار يُدني إلى النار لأنه إذا أنفقه في غير خلف، وأُخرج إلى غير بدل، بقي مخفقًا معدمًا، وفقيرًا مبلطًا لا يزال متحرج المخارج. وتدعوه الضرورة إلى المكاسب الرديئة، والطُّعْم الخبيث. والخبيث من الكسب يُسقط العدالة، ويذهب بالمروءة، ويوجب الحد، ويُدخل النار».
الكرم والجود: الجانب الآخر من كتاب البخلاء
ما أروع الجاحظ، بعد ذلك، وهو لا يكتفي بذمّ البُخل وحسب، فيعمد إلى امتداح الكرم، وتبيان فضائل الكرماء، يقول على لسان أبي العاص في رسالته إلى الثقفي…
«إن الله جوادٌ لا يبخل، وصدوقٌ لا يكذب، ووفيٌّ لا يغدر، وحليمٌ لا يعجل، وعدل لا يظلم، وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البُخل... فلم يأمرنا إلا بما اختاره لنفسه، ولم يزجرنا إلا عما لم يرضه لنفسه».
وفي الرسالة ذاتها، يُبدي الجاحظ رأيه في «البخيل»، فيقول عنه: «قد رأيناه يُنفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كل يوم؛ وعنده في كل يومٍ عُرس؛ ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن في الرغيف الثاني، ولا شَقُّ عصا الدين أشد عليه من شَقِّ رغيف. لا يعدّ الثلمة في عرضه ثُلمةً، ويعدّها في ثريدته من أعظم الثُّلَم».

وإنه ليطول بنا البحث، لو حاولنا استعراض صور «البخلاء» جميعًا، وحسبُنا أن تكون الدوافعُ التي حدت بالجاحظ إلى تصنيف كتابٍ كهذا، هي غير الدوافع السياسية التي لعبت دورها بين الأمويين والعباسيين، أو بين العرب والشعوبيين، وإنما كان الدافع هو إحساس مرهف بضرورة إصلاح المجتمع الذي تبرز فيه نقيصة كنقيصة البخل، وهكذا مضى كاتبنا مشجعًا على الكرم، مُقَرِّعًا الشحَّ، مدافعًا عن الاقتصاد الصحيح، لا سيّما بعضُ المؤرخين يذهبون إلى أن الجاحظ كان «اقتصاديًا» معروفًا، لكيلا يقولوا إنه كان «بخيلًا» ساعده طبعه على التغلغل إلى نفسيات أشخاص كُتّابه.
ولعلّ ميزات كتاب «البخلاء» هي التي ذكرها الجاحظ نفسه في كتابه، إذ يقول: «ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبيُّن حُجّة طريفة، أو تعرُّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرةٍ عجيبة؛ وأنت في ضحكٍ منه إذا شئت، وفي لهوٍ إذا مللت الجدّ».
شذرات من كتاب البخلاء.. نوادر لا تُنسى
إليك مجموعة من أشهر القصص والنوادر التي وردت في الكتاب، والتي تعكس بأسلوب ساخر عمق شخصية البخيل ومنطقه الفريد.
معاذة العنبرية وفلسفة البخل
ثم اندفع شيخ منهم فقال: «لم أرَ في وضع الأمور مواضعها، وفي توفيتها غاية حقوقها، كمعاذة العنبرية». قالوا: «وما شأن معاذة هذه؟».
قال: «أُهدي إليها، العام، ابن عم لها، أضحية؛ فرأيتها كئيبةً حزينةً مفكرةً مُطرقةً، فقلت لها: "مالكِ، يا معاذة؟" قالت: "أنا امرأة أرملةٌ، وليس لي قيّم، ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي. وقد ذهب الذين كانوا يدبّرونه، ويقومون بحقه.
وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة، ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها. وقد علمت أن الله لم يخلقْ فيها ولا في غيرها شيئًا لا منفعة فيه. ولكن المرء يعجز لا محالة. ولست أخاف من تضييع القليل، إلا أنه يجرّ تضييع الكثير.
أما القرن، فالوجه فيه معروف، وهو أن يجعل منه كالخطّاف، ويُسمر في جذع من جذوع السقف، فيُعلّق عليه الزبل والكيران، وكل ما خيف عليه من الفأر، والنمل، والسنانير، وبنات وردان، والحيات، وغير ذلك. وأما المصران، فإنه لأوتار المندقة، وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة. وأما قحف الرأس، واللحيان، وسائر العظام، فسبيله أن يُكسر بعد أن يُعرق، ثم تُؤخذ تلك العظام فيوقد بها، فلم يرَ الناس وقودًا قط أصفى ولا أحسن لهبًا منه؛ وإذا كانت كذلك، فهي أسرع في القِدْر، لقلة ما يخالطها من الدخان. وأما الإهاب، فالجلد نفسه جراب، وللصوف وجوه لا تُعد؛ وأما الفرث والبعر، فحطب، إذا جُفّف، عجيب».
ثم قالت: «بقي الآن علينا الانتفاع بالدم. وقد علمت أن الله عز وجل لم يُحرِّم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه، وأن له مواضع يجوز فيها، ولا يُمنع منها؛ وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يُوضع موضع الانتفاع به، صار كيّةً في قلبي، وقذى في عيني، وهما لا يزالان يعوداني».
قال: فلم ألبث أن رأيتها قد طلقت وابتسمت، فقلت: «ينبغي أن يكون قد انفتح لكِ باب الرأي في الدم». قالت: «أجل، ذكرتُ أن عندي قدورًا شامية جُدُدًا. وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ، ولا أزيد في قوتها، من التلطيخ بالدم الحار الدسم. وقد استرحت الآن، إذا وقع كل شيء موقعه».
قال: ثم لقيتها بعد ستة أشهر، فقلت لها: «كيف كان قديدُ تلك الشاة؟». قالت: «بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد. لنا في الشحم، والإلية، والجنوب، والعظم المُعرّق، وفي غير ذلك معاش. ولكل شيء إبان».
دفاع عن البُخل
تسمّون من منع المال من وجوه الخطأ، وحصنه خوفًا من الغِيلة، وحفظه إشفاقًا من الذِّلة، بخيلًا، تريدون بذلك ذمّه وشينه. وتسمّون من جهل فضل الغنى، ولم يعرف ذلة الفقر، وأعطى في السرف، وتهاون بالخطأ، وابتذل النعمة، وأهان نفسه بإكرام غيره جوادًا، تريدون بذلك حمده ومدحه. فاتهموا على أنفسكم من قدّمكم على نفسه. فإن من أخطأ على نفسه، فهو أجدر أن يخطئ على غيره، ومن أخطأ في ظاهر دنياه، وفيما يُوجد في العين، كان أجدر أن يخطئ في باطن دينه، وفيما يُوجد بالعقل. فمدحتم من مدح صنوف الخطأ، وذممتم من جمع صنوف الصواب. فاحذروهم كل الحذر، ولا تأمنوهم على حال...
إنما المال لمن حفظ، وإنما الغنى لمن تمسك به، ولحفظ المال بُنيت الحيطان، وعُلِّقت الأبواب، واتُّخذت الصناديق، وعُملت الأقفال، ونُقشت الرسوم والخواتيم، ويُتعلّم الحساب والكتاب...
وزعمتم: إنما سمّينا البخل إصلاحًا، والشح اقتصادًا، كما سمّى قوم الهزيمة انحيازًا، والبذاء عارضةً، والعزل عن الولاية صرفًا، والجائر على أهل الخراج مستقصيًا، بل أنتم الذين سميتم السرف جودًا، والنفج أريحية، وسوء نظر المرء لنفسه ولعقبه كرمًا.
دفاع عن الجود
إن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفيٌّ لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدلٌ لا يظلم، وقد أمرنا بالجود ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم ونهانا عن العجلة.
ولم نرَ الأمةَ أبغضت جوادًا قط ولا حقرته، بل أحبته وأعظمته، بل أحبّت عقبه، وأعظمت من أجله رهطه. ولا وجدناهم أبغضوا جوادًا، لمجاوزته حد الجود إلى السرف، ولا حقرته، بل وجدناهم يتعلّمون مناقبه، ويدارسون محاسنه، وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله، ونحلوه من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه...
من أعاجيب أهل مرو
ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشيختنا على وجه الدهر، وذلك أن رجلًا من أهل مرو كان لا يزال يحجّ ويتّجر، وينزل على رجل من أهل العراق، فيكرمه ويكفيه مؤونته. ثم كان كثيرًا ما يقول لذلك العراقي: «ليت أني قد رأيتك بمرو حتى أكافئك لقديم إحسانك، وما تجدد لي من البر في كل مرة. فأما ههنا، فقد أغناك الله عني».
قال: فعرضت لذلك العراقي، بعد دهر طويل، حاجة في تلك الناحية، فكان مما هوّن عليه مكابدة السفر، ووحشة الاغتراب، مكانُ المروزي هناك.
فلما قدم، مضى نحوه في ثياب سفره، وفي عمامته وقلنسوته وكسائه، ليحطّ رحله عنده، كما يصنع الرجل بثقته، وموضع أنسه.
فلما وجده قاعدًا في أصحابه، أكبّ عليه وعانقه؛ فلم يره، ولم يثبته، ولا سأل عنه سؤالًا من رآه قط.
قال العراقي في نفسه: «لعل إنكاره إياي لمكان القناع»، فرمى بقناعه، وابتدأ مساءلته، فكان له أشدَّ إنكارًا. فقال: «لعله أن يكون إنما أُتي من قبل العمامة»، فنزعها، ثم انتسب، وجدّد مساءلته، فوجده أشدّ ما كان له إنكارًا. قال: «فلعله إنما أُتي من قبل القلنسوة»؛ وعلم المروزي أنه لم يبقَ شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل، فقال: «لو خرجتَ من جلدك، لم أعرفك».
ثم قالت: «بقي الآن علينا الانتفاع بالدم. وقد علمت أن الله عز وجل لم يُحرِّم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه، وأن له مواضع يجوز فيها، ولا يُمنع منها؛ وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يُوضع موضع الانتفاع به، صار كيّةً في قلبي، وقذى في عيني، وهما لا يزالان يعودانني».
قال: فلم ألبث أن رأيتها قد طلقت وابتسمت، فقلت: «ينبغي أن يكون قد انفتح لكِ باب الرأي في الدم». قالت: «أجل، ذكرتُ أن عندي قدورًا شامية جُدُدًا. وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ، ولا أزيد في قوتها، من التلطيخ بالدم الحار الدسم. وقد استرحت الآن، إذا وقع كل شيء موقعه».
قال: ثم لقيتها بعد ستة أشهر، فقلت لها: «كيف كان قديدُ تلك الشاة؟». قالت: «بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد. لنا في الشحم، والإلية، والجنوب، والعظم المُعرّق، وفي غير ذلك معاش. ولكل شيء إبان».
لماذا يُعد كتاب البخلاء تحفة أدبية خالدة؟
قد يذهب بعض المؤرخين إلى أن دافع الجاحظ لتصنيف كتاب البخلاء كان سياسيًا، لكن الدافع الحقيقي هو إحساسه المرهف بضرورة إصلاح المجتمع الذي تبرز فيه نقيصة كالبخل. وهكذا مضى الجاحظ مُشجِّعًا على الكرم، ومُقرِّعًا الشحَّ، ومدافعًا عن الاقتصاد الصحيح.
يُعدّ هذا الكتاب تحفة أدبية خالدة لأنه يمزج بين التسلية والفائدة، فكما قال الجاحظ نفسه: «ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبيُّن حُجّة طريفة، أو تعرُّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرةٍ عجيبة؛ وأنت في ضحكٍ منه إذا شئت، وفي لهوٍ إذا مللت الجدّ».
هل ترغب في معرفة مزيد عن الجاحظ أو أعماله الأدبية الأخرى؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.