تحليل قصيدة الفردوس المفقود للشاعر "إدريس الجاي"


تحليل قصيدة الفردوس المفقود...

في هذا المقال تحليل نقدي لقصيدة شعرية بعنوان "الفردوس المفقود" للشاعر الرومانتيكي الكبير "إدريس الجاي"، وهو تحليل يهتم به المتعلمون الذيم يدرسون بالباكالوريا بالمغرب، وكل من يهتم بالنقد وتحليل النصوص، وهو تحليل لساني لغوي وبلاغي. وهذه القصيدة من القصائد الرومانتيكية الرومانسية، أي قصيدة تحترم مبادئ التيار الرومانسي.

لم تقف حركية تطور الشعر العربي عند تيار البعث والإحياء، بل استمرت لتنتج لنا تجربة شعرية جديدة، قامت كرد فعل على القصيدة الإحيائية، فحاولت رد الاعتبار إلى "الذات الشاعرة"، وهي تجربة "سؤال الذات"، فبدل أن ترفع شعر العودة إلى الماضي رفعت شعار العودة إلى الذات.

وقد ساهمت عدة عوامل في ظهور هذه المدرسة الشعرية، من أهمها: الاحتكاك الثقافي، وتطور الكتابة والصحافة، والترجمة، والطباعة، كما ظهرت الرومانسية العربية في أوائل القرن العشرين استجابة لمجموعة من المتغيرات التاريخية، والسياسية، والاقتصادية.

وتميز هذا التيار الشعري بعدة خصائص، سواء على مستوى المضمون الذي اعتبر أن "الشعر وجدان"، وأن الذات هي مصدر الإبداع، أو من حيث الشكل، بالاعتماد على لغة رومانسية سهلة واضحة، مبتعدة عن اللغة الفخمة القوية، وصور فنية تأملية عميقة من صميم التجربة الشعرية، مع إيقاع موسيقي يتميز بنظام الشطرين، والقافية والروي الموحدين، تارة، والمتنوعين تارة أخرى، وحضور لنظام المقاطع الشعرية.

ومن أبرز رواد هذا الاتجاه نذكر: إيليا أبو ماضي، جبران خليل جبران، علي محمود طه... ويعد إدريس الجاي من أبرز شعراء هذا التيار، بحيث عكست دواوينه الشعرية مجمل الخصائص الرومانسية التي طبعت الشعر العربي، ومن أشهر هذه الدواوين نذكر السوانح الذي اقتطف منه هذا النص.

فإلى أي حد مثلت القصيدة التجربة الرومانسية؟

ومن خلال العتبات النصية كبداية النص وتحليل العنوان باعتباره جملة اسمية، تدل على شيء مفقود هو الفردوس الذي يدل على النعيم، والشكل الطباعي للنص يمكن افتراض أن النص قد يتناول معاناة الشاعر النفسية، وحسرته على فقد الغاب، ومخاطبته لعناصر الطبيعة معبرا عن حيرته، وسؤاله عن حبيبته الغائبة. وهذه مؤشرات قوية تجعلنا نفترض بأن القصيدة تنتمي إلى "تيار سؤال الذات".

فإلى أي حد تصح هذه الفرضية؟ وما هي حقوله الدلالية، والمعجم المرتبط بها؟ وما خصائصه الفنية؟

تدور القصيدة حول فكرة محورية هي عن حنينه لفترة التصابي في الغاب وحسرته على ضياعها، مخاطبا عناصرها، والتي يمكن تفريعها إلى الوحدات التالية:

  •    الوحدة الأولى: من البيت الأول إلى البيت الثاني: وفيها يخبر الشاعر عن مكان قضاء فترة التصابي وربيع العمر.
  •    الوحدة الثانية: من البيت الثالث إلى البيت السادس: وفيها خاطب الشاعر وساءل عناصر الطبيعة عن حبيبته الغائبة واقفا حيران.
  •   الوحدة الثالثة: من البيت السابع إلى البيت الثاني عشر: وفيها أبرز الشاعر انقضاء عهود هواه وزوال ذكرياته وتحسره على الحال التي أصبح عليها الغاب.

ونلاحظ في هذا المضمون الشعري تناوله لموضوع واحد حقق به الوحدة العضوية والموضوعية للقصيدة الشعرية، المرتبط بهموم الشاعر وذاتيته، اللصيق بمعاناة تجربته الشخصية، مبتعدا بذلك عن الأغراض الشعرية الإحيائية.

وقد تميزت لغة القصيدة بالسهولة والوضوح، فهي شفافة رقيقة، تجاوزت المعجم اللغوي القديم، إذ يمكن التمييز فيها بين حقلين دلاليين مهيمنين هما:

  •    حقل دال على الذات، وتدل عليه الألفاظ والعبارات التالية: هوانا / قضينا / وقفت / أشكو / ما بي / سألت / قلت.
  •    حقل دال على الطبيعة، وتدل عليه الألفاظ والعبارات التالية: جنادل/ الغاب / الصخور / الوادي / الأعشاب / الرياح....

وتربط بين الحقلين علاقة ترابط وانسجام إذ جعل الشاعر من عناصر الطبيعة وسيلة للتعبير عن آلامه وهمومه وحسرته.

وإذا انتقلنا إلى إيقاع القصيدة الخارجي، نجد الشاعر نظم قصيدته على إيقاع بحر المجثث، وجاءت قافيتها موحدة ومطلقة، وكذلك حرف الروي الموحد "الباء". وأما من ناحية الإيقاع الداخلي، فإنه اعتمد على أسلوبي التكرار والتوازي. إذ نجد تكرار بعض الأصوات مثل الباء والسين والشين... والكلمات مثل الغاب/ هنا/ الجنادل..، والجمل مثل: وقفت حيران أشكو. أما ظاهرة التوازي فتظهر في قول الشاعر: سألت عنك صخور الوادي / سألت عنك بقايا الجذوع.

وقد ساهم كل من الإيقاع الخارجي والداخلي في خلق جو موسيقي، جميل داخل النص الشعري، وتنويعا بهيا في إيقاعه، يتناغم وحالة الشاعر النفسية، كما أدى وظيفة تزيينية، وجمالية، وإقناعية، وإمتاعية، رامت أحوال المتلقي والتأثير فيه.

والملاحظ في هذا الإيقاع، محافظة صاحب القصيدة على بعض خصائص الإيقاع الشعري القديم، وأسسه الموسيقية، المتمثلة في نظام الشطرين، والبحر الشعري الخليلي.

وأما بخصوص العالم الجمالي لهذا النص الشعري، فإن إدريس الجاي قد أثث فضاء قصيدته بمجموعة من الصور الفنية والشعرية، والتي لها دور مهم في الرفع من جماليته ورونقه، وهكذا نجد التشبيه في البيت الثاني عند قوله "ربيع الشباب"، حيث شبه الربيع بالشباب وحذف الأداة ووجه الشبه على سبيل التشبيه البليغ، أما الاستعارة ففي البيت الرابع، عندما قال: سألت عنك صخور الوادي، إذ شبه الصخور بإنسان يجيب عندما يُسأل، فحذف الشاعر المستعار منه وترك شيئا من لوازمه "سألت"، وذكر المستعار له "الصخور" على سبيل الاستعارة المكنية. والغالب على كل هذه الصور طابعها التأملي العميق، والنابعة من التجربة الذاتية، على عكس صور الإحيائيين، كما تتميز بالجدة والعمق الإبداعي المواكب للتطور الشعري.  وقد أدت كل هذه الصور وظيفتها التزيينية الجمالية الإمتاعية، وكذا وظيفتها التعبيرية التأثيرية الإقناعية، إذ عبر من خلالها على كل المعاني التي تحركت داخله.

وبالنظر إلى أساليب القصيدة، فقد هيمن على النص الأسلوب الخبري، وذلك تماشيا مع رغبة الشاعر في الإفصاح عن حالته النفسية، ووصف مشاعره الداخلية، مع حضور للأسلوب الإنشائي بصيغة النداء مثل قوله: يا نفس دون أن ننسى ضمير المتكلم الذي يدل على المفرد والجمع مثل: قلتُ، وأشكو وهوانا...

بناء على التحليل السابق، يتبين أن فرضية النص صحيحة وأن هذا النص قد استطاع أن يعكس لنا أهم الخصائص التي انبنى عليها الشعر الذاتي الرومانسي، حيث وجدنا الشاعر يعبر عن أحاسيسه وانفعالاته الذاتية داعيا إلى الاندماج في عالم الغاب أو عالم الطبيعة، وقد اتضح لنا من خلال دراسة معجم القصيدة، بالإضافة إلى الصور الشعرية التي جاءت مغرقة في التخييل مقارنة مع التيار التقليدي الذي مثله البارودي وشوقي وأتباعهما. وإذا كان الشاعر قد حافظ على البنية الإيقاعية للقصيدة التقليدية حيث اعتمد النظام العمودي، فإن هذا لم يمنعه من تلوين إيقاع قصيدته بمشاعره وأحاسيسه خاصة على مستوى الإيقاع الداخلي، الذي أدى كما سبق وظيفة تعبيرية، منسجما بهذا مع المذهب الرومانسي الذي كان همه الأول التعبير عن الذات وانشغالاتها، ونفس الوظيفة أدتها الصورة الشعرية التي تلونت فيها صور الطبيعة بتأملات الذات. وقد ساهمت الأساليب البلاغية كذلك كالنداء رغم ندرتها في نقل تجربة الشاعر بكل ما يختلج فيها من مشاعر الصراع والرفض والحب.

وعلى العموم، يمكن اعتبار هذه القصيدة من النماذج المعبرة بعمق عن مضامين التيار الذاتي الرومانسي، وعن خصائصه الفنية التي عكستها الحقول الدلالية، والصور البيانية، والإيقاعات الموسيقية، مما يؤكد ريادة الشاعر إدريس الجاي في ترسيخ الاتجاه الرومانسي في الشعر العربي الحديث.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

كلام في الصميم .. لكن حبذا لو كنت ادرجت القصيدة مع الدراسة حتي يطلع عليها من يقرأ المقال و يقارن بينها و بين
الدرسة و شكراً

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب