تحليل قصيدة الدهشة الكبرى: سياج التساؤل واليمن السعيد

تعد قصيدة الدهشة الكبرى للشاعر الحارث الفرح أنموذجًا شعريًّا فريدًا يمزج بين الفلسفة الوجودية والنزعة الوطنية، فيقف القارئ أمام نص محكم البناء يتخذ من الدهشة محركًا أساسيًّا للإبداع.

يعالج هذا المقال التحليلي البنية العميقة للقصيدة، بدءًا من عتبة العنوان ومرورًا بالدلالات اللغوية والتركيبية، وصولًا إلى التناص مع النص القرآني والتاريخ اليماني العريق.

سنستعرض كيف استطاع الشاعر توظيف تكرار الضمائر والأساليب الإنشائية لرسم لوحة تشكيلية لوطن يمتزج فيه النور السماوي بالتراب الطاهر، وكيف تحولت الأزمة الواقعية إلى دافع لاستنهاض الأمجاد والتحذير من نار التمزق، في قراءة نقدية تكشف أسرار التفرد في هذا النص.

قبل الدخول إلى عالم القصيدة التي بين أيدينا، لا بد من الوقوف على العنوان بوصفه بوابة العبور إلى عالم النص. والصلة القائمة بينه وفكرة النص ومضمونه تكشف عن حرص الشاعر عند العنونة، وبراعته في اختيار العنوان، وموقفه من فكرة النص، في حين يغدو العنوان حاملًا لجوهر المضمون، أو كاشفًا لفكرة النص، أو مختزلًا أو متسمًا بالإثارة والغرائبية.

وبالنظر إلى عنوان القصيدة (الدهشة الكبرى) نلاحظ أنه يتكون من لفظين: الأول على وزن (فعلة) الذي يدل على حدث من الزمان والمكان. والثاني على وزن (فعلى) مؤنث (أفعل) الذي يدل على التفضيل والمبالغة.

وعلى مستوى التركيب، قد يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير (هذه هي الدهشة الكبرى)، أو يكون مبتدأ خبره القصيدة. والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتجدد. ويأتي لفظ (دهشة) في المعجمات العربية بمعنى: المفاجأة، الإعجاب، الاستغراب، الحيرة، الفزع، الذهول... إلخ.

والدهشة في الفلسفة تعني: (الانفعال أو العاطفة)، ومنها بدأت الفلسفة؛ فـ«هي التي دفعت الناس إلى التفلسف» كما يرى أرسطو.

وبما تحمله الدهشة من المعاني نستطيع القول إن كل الحالات الانفعالية المختلفة التي تفاجئ المشاعر والأحاسيس لوقوع حدث مفاجئ غير متوقع تندرج في إطار الدهشة، كحالة الفزع والذهول التي تؤدي إلى ذهاب العقل، وحالة النشوة والخفة والسفر إلى اللذة عبر مساحات الجمال، وحالة التنبه الذهني اليقظ التي يتكثف فيها التأمل ويثير التساؤل، الذي افتتح فيه الحارث الفرح القصيدة:

«من أي نورٍ سماويٍ خلقت لنا؟
 حتى وجدناك عشقا يغمرُ الزمنا»

وفيه اختتمها:

«حتى لنسأل دومًا كل خاطرةٍ
 من أي نورٍ سماويٍ خلقتِ لنا»

جاعلًا من الشطر الأول في البيت الأول والشطر الثاني من البيت الأخير، إطارًا داخليًا للقصيدة، لتبدو كلوحة تشكيلية في إطارين: داخلي يتمثل بالتساؤل الذي يُعد نتاج الدهشة بوصفها حالة تأمل، وخارجي يتمثل بالعنوان الذي ورد لفظه الأول (الدهشة) في البيت الرابع، بصيغة الماضي الرباعي (أدهش).

ثم جاء في البيت الخامس عشر بلفظيه (الدهشة الكبرى)، ليبدو أنه خرج من أحشاء القصيدة كمولود خرج من أحشاء أمه، فأخذته بين أحضانها ثم رفعته فوق رأسها ليكون عنوانها؛ بمعنى أن العنوان -لفظيًا- يُعد ولدًا للقصيدة.

سيكلوجية التساؤل وجدلية الانتماء

وبتكرار التساؤلات الناتجة عن الدهشة، تبدو القصيدة نتاج العنوان، ومفسرةً لمعناه، ويغدو العنوان حاملًا للقصيدة ومختزلًا لمضمونها، وهذه العلاقة تكشف عن حرص الشاعر واحترافه، وبراعته في العنونة واختيار العنوان، وأنه كان موفقًا.

فضلًا على أن تكرار التساؤلات الذي يشير إلى عظمة الدهشة معززًا لوصف الشاعر لها بلفظ (الكبرى) الذي من معانيه: العظمى، الضخامة، ويأتي مع الحسي والمعنوي.

فما المفاجأة، الإعجاب، الحالة التي وصفها الشاعر بالعظمى، الفخمة...؟ أي ما الدهشة الكبرى التي عاشها الشاعر في القصيدة؟ وما سبب هذه الدهشة؟ وكيف عبَّر عنها الشاعر؟ وهل استطاع نقلها للقارئ؟

وغيرها من التساؤلات التي تواجهنا في قراءة هذه القصيدة التي تبدو -بالنظر إلى التشاكل القائم بجميع مستوياته بين: (صدر المطلع = عجز الخاتمة)، وتخالفهما في الموقع (الشطر الأول × الشطر الثاني)- كأنها محاطة بسياج من الدهشة، المتصلة بالتساؤل، أو بسياج التساؤل، الناتج عن الدهشة التي عاشها الشاعر في أجواء القصيدة، ولم يستطع الانفكاك أو الخلاص منها.

دلالات الضمائر والتناص التاريخي والديني

عبر تكرار التساؤل داخل القصيدة؛ تبدو الدهشة كمركب انطلاق، امتطاه الشاعر، ومضى بالقصيدة ليعود بها إلى نقطة الانطلاق، كأنه يمضي على نحو دائري في مركب من الدهشة، داخل دائرة من الدهشة، محاطة بسياج من الدهشة؛ ما يجعل الدهشة التي يعيشها تبدو بالعِظم والفخامة، بما يدل على عظمة وفخامة المثير لها، أو المدهشة التي توجه إليها الشاعر بالخطاب من البداية إلى النهاية؛ فاحتلت بحضورها الطاغي كل مساحة القصيدة، كما احتلت بأمجادها الخالدة صفحات التاريخ؛ فضلًا على حضورها البهيِّ ومكانته العظيمة في الكتب السماوية، كما في القرآن الكريم.

وقد عمل الشاعر على تكرار النداء بـ (يا)، الذي يُستخدم للقريب والبعيد، بما يدل على قربها منه، وعلوِّ مكانتها وشموخها، كما في قوله:

«يا من إذا ما سئلنا أين مولدُها؟
 يشير ضوءٌ إلى برج السماء هنا»

ويأتي تكرار الضمير(هي) ليؤكد على أنها هي الدهشة، وهي الوجود، وهي الحياة، وكون الجملة الاسمية تدل على الثبوت والتجدد؛ فهي الدهشة الثابتة المتجددة.

في تكرار ضمير المتكلمين (نا) يتجلى امتزاج الذات الشاعرة بالآخرين، في إطار الدهشة الكبرى، التي هي (بلادهم)، التي امتزجت في أرواحهم ومشاعرهم.؛ فهي الحياة والوجود، والماضي والحاضر، وهي المجد والشموخ والحضارة والتاريخ.

وقد عبَّر الشاعر عن ذلك، بما ينم عن رصيد ثقافي واسع أدبيًا، ولغويًا، ودينيًا، وتاريخيًا، وموهبة براعة في توظيف الأساليب، ومتمكنة من تطويع اللغة، وشحنها بالدلالات التي تخدم الموضوع، وتعزز الفكرة، ومن ذلك، على سبيل المثال، كما البيت العاشر، نجد التركيب (أستار كعبتنا) الذي يشير إلى (كساء الكعبة)؛ يحيلنا إلى قصة (الملك تبع)، كونه أول من كسا الكعبة وجعلها سنة بين العرب؛ أي أن هذا التركيب يتضمن دلالة تاريخية تشير إلى:

حضارة خلد التاريخ قصتها
 قل لي بربك هل غير البلاد أنا؟!

تدل -بعظمة أمجادها- على عظمة الإنسان الذي صنعها الذي هو أنا؛ أي إنسان هذه البلاد التي استخدم الشاعر للتأكيد عليها ثلاثة أسماء (السعيدة، صنعاء، عدن)، بما لها من دلالات تاريخية، وحضارية، فضلًا على أنها تمثل جزءًا من خريطة اليمن الكبير الذي تضم خارطته الحقيقية كل مساحة الجزيرة.

يقول الشاعر عن اليمن: حضارة خلَّد التاريخ قصتها  قل لي بربك هل غير البلاد أنا؟

التناص مع سورة سبأ واستشراف الواقع

عمل الشاعر على توظيف التناص، ومن ذلك، كما في قوله:

«في بلدة طيب الرحمن معدنها
 رب غفور فمن ذا سوف ينكرنا؟»

الذي يتجلى فيه التناص، مع قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} (15- سورة سبأ)، فاقتبس الجزء الأخير من الآية، وعمل على توزيعه في الشطرين، فضلًا على استخدام الفعل (طيب) بديلًا عن الاسم (طيبة).

وهذا التناص يستدعي قصة قوم سبأ أو قبيلة سبأ التي سكنت اليمن وسيل العرم، كما في السورة. وسبأ هو عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود، وقد اختلف المفسرون في اسمه، فقيل: (عامر)، وقيل: (عبد شمس)، وإنما سُمي (سبأ)؛ لأنه أول من سبى السبايا، كما أوردوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن سبأ ولد عشرة، ستة سكنوا اليمن، وأربعة سكنوا الشام. لمعرفة المزيد (ينظر: تفسير سورة سبأ).

على أن السياق الزمني للقصيدة يكشف عن نظرة الشاعر لما يدور على أرض الواقع؛ فعمل على توظيف التناص للتنبيه والتحذير من عواقبه الوخيمة التي أصابت قوم سبأ، كما أشار إليها بقوله: (نار التمزق) في البيت الثلاثين، كاشفًا عن رفض الجميع لها، بما يزيد من مستوى التنبيه والتحذير، ويؤكد أن العواقب مدمرة، وكأن الشاعر أخذ، عند كتابة القصيدة، يقرأ المستقبل، من صفحات الواقع.

وبما أنه كان يعيش الدهشة التي سافرت به إلى الماضي الأكثر إشراقًا، ليحمل إلى الحاضر الذي يمضي نحو الأسوأ شيئًا من ذلك الإشراق لعله يصحو، وقصةً ليعتبر. على أن الدهشة التي عاشها الشاعر هي حالة من التأمل الحافل بالتساؤلات، التي عملت على إثارة القارئ، ودفعته للولوج إلى عالم القصيدة.

وأخيرًا، لا بد من القول إن القصيدة تتضمن دلالات كثيرة، غير أن هذه القراءة السريعة لم تتطرق إلَّا إلى القليل منها، دون الخوض في كافة التفاصيل.

نص قصيدة الدهشة الكبرى

من أي نورٍ سماويٍ خلقت لنا؟    حتى وجدناك عشقا يغمرُ الزمنا
من أين أقبلتِ كالتاريخ معجزةً؟   والمجد يفتر عن ثغر المدى مدنا
يا من إذا ما سألنا أين مولدُها؟    يشير ضوءٌ إلى برج السماء هنا
هناك في قاب قوسٍ كان يحملها   عرشٌ تدلى من الأحلام ثم دنا
اختطها اللهُ في الأرواح فاتنة    فلا تلومن من في حبها فُتِنا
نُحبها فهي أدنى من ضمائرنا    منا إلينا وفينا دائمًا معنا
حضورها بحر حبٍ في شواطئه   قلبٌ تحول في طيف الهوى سفنا
هي البهاءُ تجلى في مشاعرنا    فصار كل محبٍ فيه مرتهنا
يا من يغمر روحي دفءُ دهشتها   عطرًا يفيض علينا روعةً وسنا
يا أنتِ معنى إلهيًا نهيمُ به    عشقًا تعلَّق في أستار كعبتنا
مقامُ حبك في الأرواح فاتحةٌ    تنداح صوتًا بهيًا في تبتلنا
لما تنزَّلت أسفارًا منزهة    على القلوب قرأناها وتقرؤنا
يا نفحةً في كتاب الذات عابقةً   إلى مدار اصطفاء الكون تأخذنا
من هذه إل... أدهشتنا في تربُّعها   عرش القلوب فكانت للهوى سكنا
مهلًا.. هي الدهشة الكبرى كما وردت   عن السماء وقد أضحت لنا وطنا
هي الوجودُ الذي لولاه ما وطأت   أحلامُنا الأرض أو سار المدارُ بنا
هي ارتحالٌ إلى ما ليس ندركه    من اليقين إلى ما ليس يدركنا
هي الحياةُ التي من أجلها خلقت   أرواحُنا بل جرى من أجلها دمنا
هي الحروفُ التي ما زال مبدعُها   بريشةٍ في فضاء الحب يرسمنا
في كل شبرٍ لنا في عشقها لغةٌ   قدسيةٌ حيث ما سرنا تحدثُنا
نصغي إليها فتستلقي مشاعرُنا   على أثير هواها إذ تكلمنا
نرتاد آفاقها في كل أغنيةً   يسمو بنا لحنها طيفًا ويطربنا
حضارة خلَّد التاريخ قصتها   قل لي بربك هل غير البلاد أنا؟!
ماذا وتصطف في الآفاق جمهرة   من الحتوف رأيناها تحيط بنا
أينكر الوقت وجها جاء يحملها؟   حبًا وتذوي به في لحظةٍ شجنا
ما لي أرى قبعات الليل حاملة   طيف التفرق؛ حاشا أن تفرقنا
ومن يريد انكسار الغصن في وطنٍ   به ملائكة الرحمن تحرسنا
في بلدة طيب الرحمن معدنها   رب غفور فمن ذا سوف ينكرنا؟
هنا تلوح لنا صنعاء فاردةً   لتوأم المجد صدرًا حاضنا عدنا
معاذُ طهرك لن نلقاك مسبلةً   نار التمزق حتى نرتدي الكفنا
وللسعيدة أرواح تطوف بها   في سدة المجد مجدٌ يغمر الزمنا
نحبها إذ حباها الله في دمنا   هل ثم قلب هنا لا يعشق اليمنا؟!
وكيف لا وبلادي عطر أفئدة   تهفو إليها ربيعًا غامرًا لدنا
كل القوافي لديها جد قاصرةٍ   عن الوفاء بما تمليه أحرفُنا
لكن سنهرق أرواحًا بحضرتها   كيما نراها هوى يجري به دمُنا
بلادنا في شرايين الوجود لها   بيتٌ وفي كل قلبٍ حبها سكنا
الله من عشقها كيف استوى صورًا   نوريةً تحتوينا من هنا وهنا
حتى لنسأل دومًا كل خاطرةٍ   من أي نورٍ سماويٍ خلقتِ لنا

ختامًا، تمثل قصيدة الدهشة الكبرى رحلة دائرية تبدأ من التساؤل الوجودي وتنتهي به، مؤكدة أن اليمن ليس جغرافيا فقط، بل هو حالة من الدهشة المتجددة والارتباط الروحي العميق. إن نجاح الشاعر في توظيف أدواته الفنية من تناص وتشاكل وبناء هيكلي متين، جعل من النص وثيقة أدبية ووطنية تتجاوز حدود الزمن، لتبقى صرخة في وجه التمزق واستعادة لمجد البلدة الطيبة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة