تُعد قصة كم حاجة الإنسان من الأرض؟ للكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي واحدة من أقوى الحكايات الرمزية في الأدب العالمي. في هذا المقال، نقدم تحليلًا أدبيًّا لهذه القصة الخالدة، ونغوص في تحليل قصة باخوم، الشخصية المحورية التي تجسد مأساة الطمع والجشع في الأدب. وسنتناول الرمزية في الأدب الروسي كما تجلت في هذه القصة، ونكشف كيف قدم تولستوي درسًا بليغًا عن الفرق بين الحاجة الحقيقية والجشع المدمر.
نبذة عن الكاتب ليو تولستوي
ليو تولستوي (1828-1910) هو أحد عمالقة الأدب الروسي والعالمي. اشتهر برواياته الضخمة مثل (الحرب والسلام) و(آنا كارنينا)، لكنه برع أيضًا في كتابة القصص القصيرة ذات الطابع الفلسفي والأخلاقي.

وتُعد قصة ليو تولستوي (كم يحتاج الإنسان من الأرض) مثالًا ساطعًا على قدرته على تكثيف أفكار كبرى حول الحياة والسعادة في حكاية صغيرة وعميقة.
ملخص قصة «كم يحتاج الإنسان من الأرض؟»
تدور القصة عن فلاح يدعى باخوم، يسمع حوارًا بين زوجته وأختها يدفعه إلى التفكير في امتلاك الأرض. يبدأ برغبة صغيرة في امتلاك قطعة أرض ليعيش في أمان، لكن هذه الرغبة سرعان ما تتحول إلى هوس لا ينتهي بالطمع وامتلاك مزيد ومزيد من الأراضي. تقوده رحلة الجشع هذه إلى صفقة غريبة مع قوم البشكير، فيمكنه امتلاك كل الأرض التي يستطيع أن يدور حولها سيرًا على الأقدام في يوم واحد مقابل مبلغ زهيد، بشرط أن يعود إلى نقطة البداية قبل غروب الشمس.

نص قصة «كم يحتاج الإنسان من الأرض؟»
توجهت الأخت الكبرى إلى الريف لزيارة شقيقتها الصغرى، حيث استقرت الأخيرة هناك بعد زواجها من مزارع، أما الأخت الكبرى فقد تزوجت من أحد تجار المدينة واستقرت بها. تحدثت الأخت الكبرى مع شقيقتها عن مزايا العيش في المدينة، وعن الملابس الأنيقة التي ترتديها… إلخ، فأثار ما سمعته الأخت الصغرى استياءها، فأخذت تحطُّ من شأن الحياة بالمدينة وتجارها، ورفعت من شأن الريف وزوجها، فعلى الرغم من أن الحياة في الريف قاسية، فإن الحياة في المدينة يشوبها مشاعر القلق والتوتر، وعلى الرغم من أن أهل المدينة يجنون أكثر مما يحتاجون إليه، فإنهم ينفقون أكثر مما يجنون، أما أهل الريف فلن يصبحوا أثرياء في ليلة وضحاها، لكنهم مع ذلك دائمًا ما يجدون قوت يومهم.
فسخرت منها أختها الكبرى وقالت لها متهكمة: إنكم إذا شئتم ستأكلون مما تأكله الدواب، وفي نهاية المطاف ستموتين أنت وأبناؤك على التراب، طالما ظل زوجك يعمل كالعبيد.
فقالت لها الأخت الصغرى: ما من مشكلة في ذلك، ففي الأقل لن نضطر لأن نحني رؤوسنا ونمد أيدينا لنسأل الناس.
في تلك الأثناء، استيقظ (باخوم) من نومه وسمع ما يدور بين زوجته وشقيقتها، فشعر بالفخر والاعتزاز نحوها، وتمنى لو أنه يمتلك أرضًا أكبر من الأرض التي بحوزته.
بالقرب من القرية التي يقطن بها (باخوم) وزوجته كانت هناك سيدة من صغار الملاك تمتلك قرية مكونة من ثلاثمائة فدان، وكانت تلك السيدة على علاقةٍ طيبة بالمزارعين، لكن الأمور انقلبت رأسًا على عقب حين وكَّلت أحدهم عنها لجباية الغرامات من أهل القرية، وبلا شك كان (باخوم) واحدًا من دافعي تلك الغرامات، فدائمًا ما كانت تنزل دوابه إلى حقولها، وتأكل من خيراتها.
وفجأة، قررت تلك السيدة أن تبيع أراضيها، فقرر (باخوم) أن يشتري منها قطعة مكونة من عشرين فدانًا، على الرغم من أنه لا يملك ثمنهم، لذلك باع حصانه، إضافة لنصف خلايا النحل، وأرسل أحد أبنائه للعمل، وأخذ راتبه مُقدمًا، وفي النهاية اقترض بعض الأموال من صهره، وبذلك تحصَّل على نصف ثمن قطعة الأرض، فذهب لصاحبة الأرض يعرض عليها شراء قطعة أرض ضعف ما كان يرغب في شرائها، على أن يدفع لها الآن نصف ثمنها، ويسدد الباقي فيما بعد، وبعد أن باع المحصول في العام التالي تمكَّن من دفع المبلغ المتبقي.
وهكذا غمرت السعادة قلبه، فقد ازدادت أرضه اتساعًا بعد أن سدَّد ديونه واشترى أراضي أخرى. لكن ما حدث بعد ذلك قد عكَّر صفوه، فقد تَعمَّدَ جيرانه إِرسال دوابهم لأرضه، لتأكل منها ما تشاء، فتوسل (باخوم) إلى جيرانه مرارًا وتكرارًا، لكنهم لم يستمعوا إليه، فاضطر بنهاية المطاف إلى أن يلجأ للقضاء، ولقَّنهم بذلك درسًا قاسيًا بعد أن دفعوا له غرامات، وبلا شك مقتوه داخل قلوبهم أكثر وأكثر، وإذا بـ(باخوم) يذهب إلى أرضه فيجد أن أحدهم قد اقتلع منها بعض أشجارها، ببادئ الأمر ظنَّ أن جاره (سيمون) هو من تعمد فعل ذلك، فذهب إلى القضاء شاكيًا، لكن القضاة لم يجدوا دليل إدانة (سيمون)، فأطلقوا سراحه، فأخذ (باخوم) يصب ويلاته ولعناته على القضاة، ظنًا منه أنهم مرتشون، وبذلك خَسِرَ جيرانه والقضاة.

بعدها ترك كثير من سكان القرية أرضهم وذهبوا لقرية أخرى، فغمرت السعادة قلبه مُجددًا، فاشترى مزيدًا من أراضي جيرانه، ثم عَلِمَ من أحدهم بعد ذلك أن سكان القرية قد ذهبوا لضفاف نهر (الفولجا)، فقد منحتهم السلطات هناك خمسة وعشرين فدانًا لكل واحد منهم، لأن التربة هناك شديدة الخصوبة، فقرر (باخوم) أن يبيع أرضه وبيته ودوابه وجميع ممتلكاته، ويذهب للعيش هناك.
فمُنِحَ (باخوم) هو وأبناؤه مئة وخمسة وعشرين فدانًا هناك، فشيَّد بها بيتًا فسيحًا، واشترى من الدواب والماشية أكثر مما كان يملك في السابق، لكنه كان لا يزال يشعر أنه لم يملك بعد كل حاجته من الأرض، لذلك استأجر بعض الأراضي الأخرى ليزرعها، لكنه سئم بعد سنوات عدة من كونها ليست بحوزته، لذا قرر شراء ألف وثلاثمائة فدان إضافية مقابل ألف وخمسمائة روبل، لكنه عَدِلَ عن قراره بعد أن عَلِمَ بعد ذلك من أحد التجار أن هناك أراضي في منطقة (البشكير/ باشكورستان) يبلغ ثمن الفدان الواحد بها أقل من نصف قرش، أي دون مقابل تقريبًا، وذلك إذا أعطى أهلها بعض الهدايا أو الرشى -إن جاز التعبير- كالشاي والخمور وبعض الملابس الحريرية والسجاجيد، فقرر (باخوم) أن يذهب إلى هناك.
فتوجه (باخوم) إليهم، وذلك بعد أن اصطحب خادمه معه، وعَمِلَ بنصيحة التاجر له، فتوقف في طريقه إليهم لابتياع الشاي والخمور، ثم واصل سيره حتى وصل إليهم، وهناك اندهش (باخوم) من مدى بساطة حياتهم، فقد رآهم يعيشون بخيامٍ، ولم يكن الناس هناك يزرعون الأرض، ولا حتى يتناولون الخبز، فكانوا يطلقون دوابهم لتتغذى على الحشائش، ومن ثم يصنعون من حليبها شرابًا مخمرًا، إضافة إلى الجبن، وكل شغلهم الشاغل هو تناول الشاي ولحم الضأن، وهم إلى ذلك كانوا أميين لا يعرفون شيئًا عن لغتهم الروسية.
وهناك أحسن الناس استقباله، وذلك بعد أن أغدق عليهم الهدايا، ثم أفصح لهم عن رغبته بابتياع أرضهم، فقالوا له خذ من الأرض ما شئت، فكل ما تستطيع أن تخطوه بقدميك هو لك، وذلك مقابل ألف روبل فحسب، شارطة أن تعود من حيث بدأت خطوتك الأولى قبل غروب الشمس.
فانطلق (باخوم) رفقة خادمه بصباح اليوم التالي، وبعد مئات الأمتار توقف وطلب من خادمه أن يحفر حفرة ويضع فوقها كومة من القش ليسهل تمييزها بعد ذلك، ففعل خادمه ما طُلِبَ منه عدة مرات، ثم واصل (باخوم) سيره، وكان كلما أنهكه التعب يقول لنفسه «ساعة من التعب ستعقبها راحة العمر كله»، وقبل أن تغرب الشمس قرر (باخوم) أن يعاود أدراجه، لكنه كان يسير بصعوبة، فقد أنهكه التعب على نحو لا يحتمل، ومع ذلك تحامل على نفسه، وأخذ يعدو ويهرول، واستولى عليه الرعب والفزع خشية أن يصل بعد مغيب الشمس، فيضيع مجهوده ويذهب سدى، لكنه مع ذلك وصل إلى حيث انطلق قبل أن تغرب الشمس، وانطرح على وجهه، فتدفق الدم من فمه، ولقي حتفه على الفور، فحفر خادمه حفرة تتسع لدفن سيدهِ بها، فكانت هي حاجة (باخوم) من الأرض.
تحليل شخصية باخوم: رحلة الطمع من الحلم إلى الدمار
يمثل باخوم ليو تولستوي نموذجًا مثاليًا لدراسة الشخصيات في القصة الواقعية التي تقودها أهواؤها نحو مصيرها المحتوم. يبدأ باخوم شخصية عفوية يمكن التعاطف معها؛ حلمه الأول مشروع ومنطقي. لكن مع كل قطعة أرض يمتلكها، لا يزداد رضًا بل يزداد جشعًا. تحليل قصة باخوم يكشف عن تدرج الطمع كهوة لا قرار لها؛ كلما شرب منها ازداد عطشًا. إنه يمثل الإنسان الذي ينسى جوهر السعادة (القناعة والرضا) في رحلة بحثه اللانهائية عن الأمان المادي الزائف.
الثيمات الرئيسية: الطمع، السعادة، والعلاقة بالأرض
يطرح تولستوي في هذه القصة مجموعة من الثيمات الفلسفية العميقة:
-
الطمع والجشع في الأدب: القصة هي دراسة حالة كلاسيكية عن الطبيعة المدمرة للجشع. يوضح تولستوي أن الطمع ليس مجرد رغبة في المزيد، بل هو مرض روحي يفقد الإنسان القدرة على الاستمتاع بما يملك. وهذا الموضوع من الثيمات المتكررة في الأدب الروسي والجشع الذي ينتقد المادية.
-
السعادة والقناعة: في المقابل، تقدم القصة بأسلوب غير مباشر ثيمة القناعة والرضا كطريق للسعادة الحقيقية. حياة الفلاحين البسيطة في البداية، على الرغم من فقرها، كانت أكثر استقرارًا وسعادة من حياة باخوم المليئة بالقلق بعد أن أصبح ثريًا.
-
النهاية المأساوية في الأدب: تنتهي القصة بواحدة من أقوى النهايات المأساوية وأكثرها سخرية. الإجابة الصادمة على سؤال العنوان (كم يحتاج الإنسان من الأرض؟) هي (متران من الأرض لدفنه). هذه النهاية تجسد ذروة التراجيديا، فكل ما سعى إليه باخوم طول حياته هو ما قتله في النهاية.
درس تولستوي الخالد
في النهاية، يظل تحليل قصة كم يحتاج الإنسان من الأرض لتولستوي درسًا خالدًا عن الجشع في الطبيعة البشرية. باستخدام أسلوب النقد البنيوي، نرى كيف بنى تولستوي قصته ببراعة عن سؤال واحد، ليقدم إجابة فلسفية عميقة. (كم يحتاج الإنسان من الأرض؟) ليست قصة عن فلاح روسي، بل هي حكاية رمزية عن كل إنسان يضيع حياته في مطاردة سراب الامتلاك، لينسى في النهاية أن السعادة الحقيقية تكمن في الرضا بما هو كافٍ، وليس في السعي وراء ما لا نهاية له.
تنويه: إن ما قرأتموه لا يغني إطلاقًا عن قراءة القصة، وإذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.