تحليل شخصية المجرم السايكوباثي في علم الجريمة

سأخص بالشرح الشخصية السايكوباثية إجرامية الميول.

كلمة سايكو تأتي من كلمة سايكولوجي؛ أي دراسة النفس.

كلمة باثي تأتي من كلمة باثولوجي؛ أي دراسة المرض.

الشخص السايكوباثي على نحو عام هو شخص يعاني اضطرابات نفسية عصبية حادة، ويُقال عنه الشخص السايكو اختصارًا.

قد يهمك أيضًا علاقة السيكوباتية بالجرائم وصفات الشخص السيكوباتي

الشخص السايكو في نظر المجتمع

إنه لمن الشائع على مستوى العوام عدّ الشخص الذي يعاني الاضطرابات النفسية أو العصبية الحادة على أنه "سايكو" Psycho؛ أي غريب أو مُختل عقليًّا.

لكن هذا الوصف مُعمّم وغير دقيق أبدًا، فتختلط المفاهيم عن الشخص (السايكو) في أذهان العوام على نحو عشوائي، لا يستند على أي معطيات أو دراسات علمية طبية حقيقية أجريت على أرض الواقع، فتحديد من هو فعلًا من فئة مرضى السايكو، يجب أن يُترَك لأهل الاختصاص من أطباء وعلماء نفس.

فصورة الشخص (السايكو) المزروعة في أذهان العامة من الناس متأثرة إلى تأثرًا كبيرًا بالطريقة التي يُروَّج لها من عالم الفن والترفيه من روايات ومسرحيات وسينما، أو حتى عن طريق المنصات الإعلامية من صحافة أو برامج تلفزيونية.

فالشخص (السايكو) في أذهان العوام هو ذاك المجنون، منكوش الشعر، والملفوف برداء أبيض يُقيّد ذراعيه، فتراه جالسًا في الزاوية، ويحدق في الحائط.

دعوني أقول إن هذه الصورة عن الشخصية السايكوباثية أقرب ما يمكن إلى الهزلية الكرتونية أو الكوميدية الرمزية، فصورة الشخصية السايكوباثية على أرض الواقع ليست كذلك أبدًا.

قد يهمك أيضًا المال الحرام والنزاهة "لقد حاول المجرم القاتل رشوتي"

شرح أعمق عن مصطلح "سايكو"

مصطلح "سايكو" في الحقيقة، وقبل أن يُشار إليه على أنه مصطلح يُطلق على الشخص المريض نفسيًّا، لا بد من الإشارة إليه على أنه مصطلح يطلق أيضًا على شخص يعلم ويفهم أعماق النفس البشرية، ما لا يعلمه ويفهمه غيره من العوام.

وتعد النفس البشرية أعقد آلة على الإطلاق من ناحية إدارتها والتعامل معها أو التلاعب بها، فذلك يضع الشخص (السايكو) في مستوى أعلى في قدرته على فهم النفس البشرية ومكنوناتها.

فالشخصية السايكوباثية على اطلاع وخبرة واسعة وعميقة في فنون التعامل مع هذه الآلة المعقدة، التي تدعى بالنفس البشرية، فالتلاعب بها على مستويات وأعماق متفاوتة الأبعاد من اختصاص الشخصية السايكوباثية. 

يقول عالم النفس (سيغموند فرويد) في النفس البشرية:

تمرض وتتعب النفس البشرية بعد مرورها بتجارب قاسية وصدمات تفوق قدرتها على التحمل، تجارب تضرب وتمزق في أعماق هذه النفس البشرية، تاركةً ندوبًا وجروحًا قد لا تلتئم أبدًا.

وعند الوصول إلى هذه النقطة تتسامى بعض هذه النفوس البشرية، التي عانت ما لم يعانيه غيرها، وتَترفَّع عن الشكوى من ألمها وماضيها إلى عوالم الفن والإبداع من كتابة وشعر وموسيقى ورسم ورقص، كملجأ ومثوى أخير يحتويها ويشغلها ويُفرِّغ طاقاتها المكبوتة.

فمن وصل إلى هذه المرحلة يكون قد وصل في فهمه للنفس البشرية على نحو أوسع وأعمق بكثير من فهم الشخص العادي.

قد يهمك أيضًا بعد انتشار جرائم مروعة في الفترة الأخيرة..هل تؤيد إلغاء عقوبة الاعدام أم إذاعة الحكم؟

كيف ينطبق ما قاله فرويد على الشخصية السايكو؟

وينطبق ما قاله سيغموند فرويد على الشخصية السايكوباثية، فقبل أن تصبح سايكوباثية تدريجيًّا تكون قد عاشت هذه الشخصية قصة طويلة من تجارب كثيرة جارحة ودامية، وتعرضت لصدمات نفسية عصيبة، لا يستطيع الإنسان العادي احتمالها أو اختبارها من غير أن تُسبّب له تغيُّرًا وتحوُّلًا كبيرًا في جوانب كثيرة من شخصيته.

فالشخص السايكوباثي كما ذكر عالم النفس فرويد، بعد أن مرّ بتجارب قاسية جدًّا أصبح مريضًا نفسيًّا، لكن بدلًا من أن تتسامى نفسه وتتَرفع عن الشكوى من الألم والمعاناة إلى عوالم الفن والإبداع والفلسفة، تسقط نفسه إلى عالم المادة الثقيل من رغبات مكبوتة وغرائز تحمل في طياتها ميولًا عدوانية وانتقامية دفينة.

فبعد أن يدخل الشخص السايكو دوامة عالم الإجرام تكون قد تبلورت مبادئه على هيئة ايديولوجيات أخلاقية أو فلسفية خاصة وغريبة ومُتطرِّفة، تجعله يسعى إلى تحقيقها، وجعلها تتجلّى على أرض الواقع، حتى ولو كان ذلك مُنافيًا للمنطق أو القانون.

لكن لكل قاعدة استثناء، فليس بالضرورة أن تتحول كل شخصية سايكوباثية إلى إجرامية، فلا يمكن التعميم هنا أو عد الأمر نمطيًّا متكررًا.

قد يهمك أيضًا السيكوباتي.. يجد المتعة في أذى الآخرين.. قصة أخطر الأمراض النفسية

سِمات يشترك بها البشر أصحاب الشخصية السايكوباثية

  • الشخصية السايكوباثية أعلى وأرفع في مستوى وحدة ذكائها المنطقي والعاطفي مقارنة بالشخص العادي.
  • الشخصية السايكوباثية صاحبة طقوس، فتراها تخطط وتنظم بإحكام وعلى نحو استباقي، فهي ذات عقلية رتيبة وسواسية تسعى إلى الكمال، وذات نظرة شمولية وقدرة على احتواء الأمور الخارجة عن سيطرة الشخص العادي.
  • الشخصية السايكوباثية غريبة عند مقارنتها بشخص من العوام، ولديها مبادئ وأيديولوجيات أخلاقية متطرفة.
  • الشخصية السايكوباثية مُعادية لمعايير المجتمع عامة، وتعمل على نحو انفرادي بعد دخولها عالم الإجرام، فلكل مجرم سايكوباثي بصمته الخاصة في مسرح الجريمة.

قد يهمك أيضًا نهاية عصابة المجرم (ع. رامبو)

لعبة القط والفأر بين المجرم السايكو والمحقق الجنائي

بعد أن يدخل الشخص السايكوباثي عالم الإجرام فمن الصعب الإمساك به، فهذا الشخص يعلم جيدًا كيف يدير لعبة القط والفأر لصالحه، فهو شخص عليم بأعماق النفس البشرية وأساليب التلاعب بها.

للمجرم السايكوباثي أسبابه الخاصة لارتكاب الجرائم، فعادة ما تكون دوافعه لارتكاب هذه الجرائم متعلقة بمبادئ وأيديولوجيات أخلاقية أو فلسفية خاصة به، ومتطرفة تميل إلى المرضية، كما ذكرنا سابقًا.

عادة ما تلجأ أجهزة الأمن إلى المُحقق الجنائي المختص كورقة أخيرة تلعبها، وذلك بعد أن تَنفَذ حِيَلها في محاولة إلقاء القبض على المجرم السايكو.

فالسبل التقليدية في التحقيق الجنائي تعتمد على الأدلة المادية، وتقَفّي الآثار كوسائل اعتيادية وروتينية، تتبع للإمساك بالمجرمين، لكن هذا لا ينطبق على المجرم السايكو، فهو وحش من نوع آخر.

يلعب كُل من المحقق والمجرم السايكوباثي لعبة ماكرة في فضاء عَقلهِما وحَدسِهِما، فالمحقق يعمل جاهدًا على إيجاد الحلقة الأضعف في سلسلة الأحداث المتمحورة حول الجريمة، التي يمكن لها أن تُمسِّكهُ طرف الخيط، في حين يعمل المجرم السايكو بصورة استباقية على كسر وتفكيك هذه الحلقة، ويعمل على خلط الأوراق وذر الرماد في العيون في أوقات حساسة للتمويه.

يستخدم كُل من المحقق والمجرم محيطهما من مجتمع وإعلام كأدوات مُساعِدة لكُل منهما للوصول إلى مبتغاه، فكلاهما يتبعان أساليب ملتوية تارة ومباشرة تارة أخرى في محاولة منهما لإقفال الحلقة بأسلوبه الخاص.

في أغلب الأحيان، يعلم المحقق أن المجرم قد يكون قريبًا أو بعيدًا، وهل سيكون بين الحشود أم لا، فهو يحوم حولهُ، ويختبئ في الضباب، مُشوشًا على دماغه ومُضللًا إياه والمجتمع والإعلام على نحو مستمر، فالسايكو فنان رفيع المستوى في التضليل والتلاعب والتربّص.

فالمجرم العادي غالبًا يهرب إلى أبعد المسافات أو يحاول الاختباء مباشرة بعد ارتكابه جريمة، راميًا خلفه فُتات الخبز، التي سَتُمكِّن الأمن من تتبُّعه وإلقاء القبض عليه، فالمجرم العادي أو العشوائي لا يمتلك ما يمتلكه المجرم السايكوباثي من حدة ذكاء، ومهارة في المناورة، ومكر كافٍ في التمويه والتضليل والتخفي.

قد يهمك أيضًا جرائم تحدث بحق المرأة لاقانون لها

ماذا يقول علم الجريمة عمومًا؟

علم الجريمة يقول ويدَّعي أن لا وجود لجريمة كاملة، وأن المجرم سيصطاد عاجلًا أم آجلًا في نهاية المطاف، لكن هذا الكلام غير دقيق، ولا سيما عند التعامل مع فئات معينة من المجرمين كمجرم السايكو، فتوجد كثير من الحالات عبر العصور، وإلى الآن، لم يلقَ القبض فيها على المجرم من الفئة السايكوباثية، فكانت تُغلق الملفات وتُسَجَّل ضد مجهول.

الدراسات الإحصائية تُصرِّح بعد معطيات وتجارب كثيرة على أرض الواقع بأن المجرم السايكوباثي غالبًا ما يسبق المحقق بخطوة في مستوى الذكاء والمكر والقدرة على احتواء جرائمه، مع العلم أن المحقق الجنائي المختص في الجريمة يُمثّل السلطة الأعلى والأقدر على استدراج المجرمين والإمساك بهم.

قد يهمك أيضًا تعرف على أخطر 10 نساء فى العالم

أمثلة كلاسيكية عن مجرمين سايكوباثيين

جاك السفّاح 

هو مثال كلاسيكي عن المجرم السايكوباثي الذي كان يقتل ويُشرِّح بائعات الهوى بأساليب تهينها في أزِقّة بريطانيا، فقد كانت أيديولوجيته تدور حول تنظيف المجتمع من الدعارة، لكن بأسلوبه الخاص العنيف، ولم يستطع أشهر المحققين في تلك المدة من إلقاء القبض عليه أو معرفة هويته الحقيقية.

الطبيب النفسي الشهير هانيبال لكتر

هو مثال كلاسيكي آخر لمجرم سايكوباثي مشهور وحاد الذكاء، كان هانيبعل يأكل لحوم ضحاياه بعد أن تعقَّد نفسيًّا في صغره عندما كانت توجد مجاعة، وأكلوا لحم أخته أمام عينيه.

كان هانيبال يُمَثِّل بجثث ضحاياه بأساليب تجعل من مسرح الجريمة صورًا فنية مُستوحاة من الأساطير وعوالم الفن القديم والعريق، قد ألقي القبض عليه بالصدفة، وليس بدهاء من الأجهزة الأمنية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة