تظل شخصية البطل هي العمود الفقري للعمل الأدبي والفني، لا سيما في المسرح الذي يختلف عن غيره من الفنون في كونه يستهدف الجمهور الشعبي ويحاول قيادته واستفزازه ودفعه إلى التغيير، وهو ما يجعل شخصية البطل تحظى بأهمية قصوى في الأعمال المسرحية.
وقد تطورت صورة البطل المسرحي من النبيل التراجيدي الذي تحكمه الأقدار ويتميز بالكبرياء والثبات، إلى شخصيات أكثر واقعية وتمردًا تعكس تحولات المجتمع وهموم طبقاته المختلفة، وصولًا إلى المسرح المعاصر الذي تراجعت فيه مركزية البطل الفرد لصالح البطولة الجماعية وطرح القضايا الإنسانية المشتركة.
وفي هذا المقال نصحبك في جولة فنية أدبية لنتعرف على مراحل تطور شخصية البطل المسرحي ونفهم ما هي التراجيديا ومن هو البطل التراجيدي، بالإضافة إلى تحليل شخصية البطل التراجيدي في المسرح وكيف تأثرت شخصية البطل بالتطورات الاجتماعية والسياسية.
تعريف البطل في المسرح
يمكن تعريف البطل بأنه الشخصية الرئيسية التي تعطي للأحداث انطلاقتها وديناميكيتها في العمل المسرحي، وهو الشخص الذي يحظى بمعظم الاهتمام ويتحدث عنه الجميع، ويتم رواية قصته، وبالتالي فهو يتحكم في الشخصيات الأخرى ويمارس دوره كمركز للأحداث ونقل الموضوعات. وبالتالي، فإن البطل المسرحي هو الشخصية المحورية التي يقوم عليها العمل بالكامل.
تطور شخصية البطل في المسرح
كحال جميع الآداب والفنون التي تطورت مع الزمن بسبب تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لم يتوقف المسرح عن التغير والتطور على مستوى أدوات الكتابة وتقنيات العرض لكي يتواءم ويتجاوب مع الحقب التاريخية المختلفة. ومنذ البداية، كان البطل المسرحي هو العمود الفقري الذي تقوم عليه الأعمال المسرحية في فترة، وكان يمثل قيم المجتمع الأخلاقية والاجتماعية ويعظم من علاقة الدم والقرابة، إلا أنه كان يعاني من مصائب كبيرة لم يرتكبها ويواجه الآلام والشدائد ليس له ذنب فيها.
ومع تطور المجتمع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، بدأت صورة البطل تتغير في الوعي الأوروبي وفي الأعمال التي عكست هذا الوعي. فبدأت تظهر صور الأبطال المنقسمين على أنفسهم والذين يبحثون عن القيم المفقودة، والذين يواجهون مشكلات جديدة يفرضها عليهم العصر الجديد. وبالتالي، ظهر البطل الذي يتأرجح بين النظام والحرية، وبين الجديد والقديم.
في القرن الثامن عشر بدأت الطبقة البرجوازية تظهر كطبقة رئيسية في المجتمع، وهو ما شهد التحولات الكبيرة في الثقافة والفكر والثوابت الأخلاقية، مما أدى إلى ظهور الدراما البرجوازية وتراجع التراجيديا الكلاسيكية، بالإضافة إلى تطور الكوميديا، وهو ما أظهر البطل بشكل جديد حيث صار يظهر من الطبقات المتوسطة التي تعاني من مشاكل الحياة الواقعية.
وبعد الثورة الفرنسية، ظهرت مجموعة من الأشكال الأدبية والتيارات الجديدة التي كانت رد فعل لخيبة أمل الناس في الثورة الفرنسية، لذلك ظهر جيل من المبدعين الذين يقدسون الحرية الشخصية ويبالغون كثيرًا في الشعور بالآلام والتعبير عنها، وبالتالي كان البطل أكثر انفعالًا وأكثر عاطفية في هذه الفترة.
أما الثورة الصناعية، فأفرزت أدبًا جديدًا ومسرحًا جديدًا يهتم بالطبقة الشعبية، وبالتالي جاء البطل في هذه المرحلة من الفقراء والمهمشين، وكانت أزماته ومشكلاته تنبع من قلب المجتمع، وكان يمثل كثيرًا من البسطاء ويحمل همومهم، بعكس البطل القديم في التراجيديا الكلاسيكية.
وبعد الحرب العالمية الأولى ظهرت تيارات عدة أنكرت القيم التي رسخها المجتمع البرجوازي، وبدأ الأدب يكسر كثيرًا من القواعد الفنية المتعارف عليها. فظهر عدد من المدارس مثل الرمزية والسريالية والتعبيرية، وهي مدارس متمردة بطبعها. وبالتالي كان البطل المسرحي في تلك الفترة أكثر تمردًا وأكثر تشتتًا، بالإضافة إلى حالته النفسية المضطربة نتيجة الواقع المتأزم.
على مستوى المسرح المعاصر، فإن التطور التكنولوجي الكبير والانفتاح الهائل والتواصل بين أرجاء المعمورة أدّى إلى تطور كبير في مفهوم البطل الواحد وسيطرته على الأحداث، حيث بدأ المسرح يتخلص من هذه الفكرة إلى البطولة الجماعية والسلوك الجماعي والمشكلة الجماعية. وبالتالي تعنى المسرحيات كثيرًا بطرح الأسئلة الاجتماعية وتنحاز إلى الأبطال الذين يرفضون الهروب والانعزال ويتحلون بالشجاعة في مواجهة المواقف.

مفهوم التراجيديا في المسرح
بعد أن ألقينا نظرة على تطور البطل في المسرح وكيف انتقلت الكتابات المسرحية من الكلاسيكية التراجيدية إلى المسرح المعاصر، نحاول أن نفهم سويًا ما هي التراجيديا والتي تعد لفظًا يونانيًا قديمًا يعني (الماعز) أو (أغنية الماعز)، وذلك بسبب أنهم كانوا قديمًا يرتدون جلد الماعز عندما كانوا يقومون بأداء الأناشيد والتراتيل في بلاد اليونان.
ويقول أرسطو عن التراجيديا إنها (محاكاة لها طول معين، وتتم بلغة ممتعة. ويتم الاستعانة فيها بجميع الأشكال الفنية التي تضمن جمال هذه المحاكاة، التي تتم بشكل درامي يتضمن الأحداث التي تظهر المشاعر)، وهو ما تم ترجمته في الأعمال المسرحية التي تتناول حكايات جادة يخوضها أبطال من النبلاء، ويخوضون صراعات قوية تتطور وتصل إلى ذروتها. وتستخدم لغة قوية تميزها عن غيرها من الأشكال الأدبية الأخرى.
صفات البطل التراجيدي في المسرح
في التراجيديا الكلاسيكية، كان هناك صفات وسمات للبطل المسرحي والتي كانت غالبًا شبه ثابتة في معظم الأعمال المسرحية، حيث كانت تجذب الجمهور وتعطي قيمة كبيرة للعمل المسرحي. كان البطل جادًا ومأساويًا وبعيدًا عن الكوميديا ويمتلك 4 سمات أساسية كالتالي:
- البطل التراجيدي في المسرح يجب أن يكون شخصية مؤثرة من خلال الأفعال والأقوال، ولا يصح أن يكون شخصية عادية حتى يكون مركزًا لأحداث القصة المسرحية.
- يجب أن يتمتع البطل التراجيدي بالصفات الرجولية المطلوبة مثل الشجاعة والإقدام والصدق حتى يتعاطف معه الجمهور ويصدقونه ويقتنعون بموقفه ويخوضون معه رحلة الصراع.
- البطل التراجيدي في المسرح لا بد أن يكون بطلًا واقعيًا يشبه الشخصيات التي تعيش في الواقع من حيث الصفات الإنسانية حتى يرتبط به الناس عاطفيًا ونفسيًا، وبالتالي يجب تصويره في أحسن صورة من الشهامة والرقة والإحسان وغيرها من الصفات الرائعة.
- الأمر الأخير هو مسألة الانسجام مع الذات، حيث يجب أن يكون البطل التراجيدي متسقًا مع ذاته طوال القصة، ولا يطرأ عليه أي تغيير حتى نهاية المسرحية، وهو الأمر الذي اختلف كثيرًا بعد تطور شخصية البطل في المسرح، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية ومرحلة المسرح الحديث.
خصائص البطل التراجيدي في المسرح
توجد مجموعة من الخصائص التي يتحلى بها البطل التراجيدي، والتي اتفق عليها كثير من الكتاب المسرحيين، وظهرت في معظم الأعمال المسرحية الكلاسيكية، وهي كالتالي:
- الكبرياء: يجب أن يتمتع البطل التراجيدي بالكبرياء بحسب نظرية أرسطو، حتى إن الأمر يصل أحيانًا إلى الغطرسة والفخر الأعمى. ويقول أرسطو إن هذه الصفات تميزهم عن غيرهم، وتجعلهم يستحقون أن يكونوا أبطالًا لهذه القصص والأعمال.
- الوقوع في الخطيئة: معظم الأبطال التراجيديين في الأعمال المسرحية القديمة وقعوا في الخطيئة، سواء بسبب أخطائهم أو بسبب أخطاء غيرهم، وبالتالي تكون المأساة هي مركز العمل المسرحي الذي تقوم عليه باقي الأحداث التي يخوضها البطل التراجيدي.
- التغير من النعيم إلى المأساة: غالبًا ما كان البطل التراجيدي في الأعمال الكلاسيكية يخوض رحلة الأحداث والصراع نتيجة تغير مفاجئ يجعله ينتقل من النعيم إلى المأساة، وهو ما يكسبه تعاطف الجمهور ويجعل القصة مشوقة ومؤثرة بشكل كبير.
- الأعداء والخصوم: لا يوجد بطل تراجيدي في المسرح الكلاسيكي القديم إلا مع وجود الخصوم والأعداء الذين يشكلون معًا الصراع والمأساة والأحداث التي تجعل المشاهدين يشعرون بالتوتر والاستمتاع بمواجهة البطل التراجيدي لأعدائه وخصومه والانتصار عليهم في معظم الأعمال.

في ختام هذه الرحلة المعمقة في أروقة المسرح، نكون قد استعرضنا كيف تشكلت ملامح البطل التراجيدي وتطورت عبر العصور، من أساطير اليونان وصولاً إلى تعقيدات المسرح المعاصر. ويمنحنا فهم هذه الشخصية مفاتيح لقراءة الصراع الإنساني في أسمى صوره الفنية.
نرجو أن يكون هذا التحليل قد أضاف إلى ذائقتكم الفنية، ويسعدنا جدًا أن تشاركونا آراءكم في التعليقات حول أكثر الشخصيات التراجيدية التي تركت أثرًا في وجدانكم، كما ندعوكم لنشر هذه المقالة لتعم الفائدة لعشاق المسرح والأدب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.