تحليل رواية فرانكشتاين في بغداد: صرخة الفانتازيا في وجه وحشية الواقع

تتحدث رواية فرانكشتاين في بغداد عن مأساة الواقع العراقي إبان الاحتلال الأمريكي بقالب يمزج بين الفانتازيا والواقعية السحرية، وتدور الأحداث عن هادي العتاك الذي يجمع أشلاء ضحايا التفجيرات ليخلق كائنًا بشريًّا جديدًا يُدعى الشسمة. تدب الحياة في هذا الكائن ليقوم بمهمة الانتقام من القتلة، لكنه يتحول تدريجيًّا إلى وحش يظهر فوضى المجتمع.

في هذا المقال، نقدم لكم تحليل رواية فرانكشتاين في بغداد للكاتب أحمد سعداوي مع تسليط الضوء على شخصيات رواية فرانكشتاين في بغداد ودلالات الفكرة، وأهم الإسقاطات الفنية التي جعلت منها عملًا أدبيًّا استثنائيًّا.

رواية فرانكشتاين في بغداد من تأليف الكاتب العراقي أحمد سعداوي، وتُعد من أهم روايات الخيال العلمي العربية، وقد توجت بـ(جائزة البوكر العربية 2014) نظرًا لجرأتها وعمق إسقاطاتها السياسية والاجتماعية.

تدخل الرواية في إطار الفانتازيا، وهي من الروايات ذات الأفكار الجريئة التي تتحدث عن الواقع العربي على نحو مختلف، وربما كان هذا سبب فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية، وكذلك حصدت جائزة (GPI) الفرنسية في الرواية المترجمة إلى الفرنسية.

عن الكاتب أحمد سعداوي

يعد أحمد سعداوي من كتاب الرواية والسيناريو أصحاب البصمات الواضحة في المشهد العراقي والمشهد العربي أيضًا، وهو من مواليد بغداد عام 1973، وربما كان عمله في الصحافة مدة طويلة جزءًا من تكوين خبرته الروائية، إضافة إلى ممارسته كتابة الأفلام الوثائقية والسيناريو.

وحصل على جوائز في أثناء عمله صحفيًا، إضافة إلى فوزه بجائزة البوكر العربية عام 2014، ووصول روايته التي نتحدث عنها (فرانكشتاين في بغداد) إلى القائمة القصيرة بجائزة (مان بوكر) الإنجليزية.

يعد الكاتب أحمد سعداوي خامس روائي عربي يرشح إلى نيل الجائزة بعد كلٍ من نجيب محفوظ وأمين معلوف وهدى بركات وإبراهيم الكوني، وهو ما أدى إلى ترجمة روايته إلى 32 لغة منها الفرنسية والإنجليزية والكورية والصينية والإسبانية.

يذكر أيضًا أن الكاتب أحمد سعداوي له عدد من دواوين الشعر التي بدأ بإصدارها عام 1997، وكان آخرها عام 2002، إضافة إلى مشاركته في عدد من الكتب المشتركة، لكن شهرته الكبيرة تحققت بعد كتابته رواية (فرانكشتاين في بغداد) التي حصل بها على جوائز عربية وعالمية عدة.

تحليل رواية فرانكشتاين في بغداد (الفكرة والرمزية)

يتساءل كثيرون من المهتمون بقراءة الروايات: عن ماذا تتحدث رواية فرانكشتاين؟ وكيف ترتبط بالأسطورة الغربية؟

تتكئ الرواية بذكاء على أسطورة فرانكشتاين للكاتبة ماري شيلي (الكائن المصنوع من جثث الموتى)، لكن سعداوي يزرع هذا الكائن في تربة بغداد المشتعلة إبان الاحتلال الأمريكي.

تعد فكرة رواية (فرانكشتاين في بغداد) غريبة وجريئة على الواقع العربي، لكن بوابة الفانتازيا أو الخيال العلمي تجعلنا نتعامل مع الفكرة بمنطق فني يختلف تمامًا عن المنطق الواقعي، فالرواية تتحدث عن مخلوق جُمع من أعضاء أشخاص ميتين مختلفين، وبعد محاولات عدة من صنعه دبت الحياة في الكائن الذي أطلق عليه (فرانكشتاين) لتنتهي القصة بقتله صاحبه، لكن (فرانكشتاين) الذي صنعه أحمد سعداوي يختلف قليلًا.

تعتمد رواية فرانكشتاين على فكرة من عالم الخيال، لكنها تجسد الواقع العراقي في مرحلة الاحتلال الأميركي على نحو ما، فالفضاء العدواني الذي تغيب فيه الطمأنينة، وتحضر فيه المطاردات وحالات القتل وسفك الدماء، وتتطاير الأشلاء والتفجيرات الإرهابية هو الفضاء المتوحش الذي تعامل معه الكاتب أحمد السعداوي في فكرته الخيالية بخلق كائن متوحش لمقاومة هذه الوحشية.

الكائن الجديد الذي لجأ إليه سعداوي هو (فرانكشتاين) المكون من أجساد الشهداء والضحايا، وهو لا يحتاج إلى تجربة علمية لبعثه، بل تدب فيه الحياة ليقوم دون أن يكون له هوية أو أيديولوجية، وإنما يبحث عن الانتقام من قتلة الأشخاص الذين يتكون منهم.

وهو ما يشير إلى الحال العراقي الذي يسعى إلى الانتقام من قوى الشر المتعددة، وقد تحمل الرواية عبر هذه الفكرة دعوة للعراقيين للتصدي جسدًا واحدًا للأعداء المتمثلين بالاستعمار والإرهاب والمتآمرين ضد مصلحة البلاد.

تعد الرواية رؤية جديدة وحساسة ومختلفة في التعامل مع الواقع العربي، فقد استطاعت الرواية الاستفادة من الموروثات الأدبية العالمية بجدارة وشجاعة يُحسد عليها الكاتب أحمد سعداوي الذي استطاع مزج الحقيقة بالخيال في عمل أبعد ما يكون عن أغراض التسلية الأحادية، بل عمل نقدي وثوري مملوء بالأفكار العميقة التي تحتاج إلى متلقٍ مبدع ليتعامل مع الرواية ذات الأبعاد الخيالية والواقع الفانتازي والإسقاطات الواقعية المؤلمة.

عنوان الرواية

جاء العنوان سلسًا ومعقدًا في الوقت نفسه، فهو يستدعي بالنصف الأول منه (فرانكشتاين) القصة العالمية المعروفة عن الكائن المكون من أجساد آخرين، ويبحث عن وجوده.

ثم النصف الثاني وهو (بغداد) المكان والحدث الذي يُخرج فرانكشتاين من وجوده الغربي إلى حضوره العربي، ويخلق حالة من التساؤل عن علاقة فرانكشتاين ببغداد، وهو ما نكتشفه في الرواية، ولا نعتقد أن أحدًامن القراء بعد الانتهاء من الرواية قد يجد عنوانًا أفضل من (فرانكشتاين في بغداد).

المكان في الرواية

تجري أحداث رواية (فرانكشتاين في بغداد) في العاصمة العراقية وداخل أحيائها المختلفة، لكن (حي البتاوين) يحظى بالنصيب الأكبر من الأحداث، إضافة إلى بعض الفنادق والأمكنة التي تنتقل بينها الشخصيات، لكن الأمر لا يخرج عن مدينة بغداد التي تمثل في الرواية الحضور الكامل للعراق بأحداثه في أثناء الغزو الأمريكي.

الشخصيات الرئيسة في رواية (فرانكشتاين في بغداد)

  1. هادي العتاك: الشخصية الرئيسة التي تعتمد عليها الرواية، وهو رجل في الخمسينيات من عمره، غريب الأطوار، يتمتع بكثير من الغموض، ويعمل في جمع الأشياء القديمة، ولا يثق به الناس كثيرًا نظرًا لأنهم يعتقدون أنه يكذب باستمرار.
  2. الشسمة: اسم غريب لشخصية غريبة، وهي شخصية الكائن الغامض الذي يتكون من أجساد القتلى والشهداء، وهذه الشخصية لا نعرف عنها كثيرًا من الصفات.
  3. أم دانيال: شخصية امرأة عجوز تعيش في الحي الذي تجري فيه أحداث الرواية حي البتاوين.
  4. العميد سرور مجيد: يمثل رجل الأمن الذي يبحث عن شخصية الشسمة، ويرأس وحدة المتابعة والتعقيب في البلاد، إضافة إلى أنه يتحالف مع الاحتلال، ويتخلى عن المبادئ.
  5. ناهم عبدكي: الصديق الأقرب لبطل الرواية هادي العتاك، ويعمل معه على عربة يجرها حصان، إضافة إلى كونه أحد سكان الحي، وكان قد أصلح الخرابة اليهودية، وأقام فيها.
  6. عزيز المصري: يعد عزيز المصري شخصية ثانوية في الرواية، لكنه يمثل نقطة التقاء للشخصيات، فهو يمتلك مقهًى شهيرًا يتجمع فيه عامة الناس إضافة إلى الصحفيين والمثقفين.

ملخص رواية (فرانكشتاين في بغداد)

تحكي أحداث رواية (فرانكشتاين في بغداد) حكاية بطل الرواية هادي العتاك الذي يعمل في جمع الأشياء القديمة، وبطريقة ما يجمع أشلاء الضحايا والجثث المتناثرة، ثم يعمل على لصقها ببعضها محاولًا تكوين كائن بشري غريب أطلق عليه اسم الشسمة.

ومع غرابة الفكرة يقوم هذا الكائن، وتدب فيه الروح، فيبدأ بالتجول في شوارع بغداد في محاولة للانتقام والثأر من الأشخاص الذين قتلوا أصحاب أجزائه التي يتشكل منها، وهو ما يؤدي إلى إثارة الرعب والخوف بين الناس في المدينة، إضافة إلى أن كثيرًا من الناس يلتفون حول هذا الكائن، ويؤيدونه في أفعاله، ويعتقدون أنه المنقذ والمخلص لهم من الأعداء كافة.

مع توالي الأحداث يسرد هادي العتاك حكاية هذا الكائن على رواد المقهى الذي يجلس فيه دائمًا، لكن رواد المقهى لا يصدقون فكرته، ويسخرون منه، وهو ما يثير اهتمام العقيد سرور مجيد الذي يبحث عن الكائن بعده مسؤولًا عن المتابعة والتعقيب في البلاد، ويبدأ شكه يزداد في كون كلام هادي العتاك قد يكون صحيحًا.

يبدأ العميد سرور مجيد في تكوين فريق سري لملاحقة الشسمة بسبب الخطر الذي يمثله، وهو ما يدفع الشخصيات الموجودة في الرواية إلى التداخل مع بعضها بعضًا مع حدوث عدد من المطاردات المثيرة في أمكنة مختلفة في شوارع بغداد، وهو ما يجعل الجميع يشعرون أنهم متورطون في هذا الأمر، وأنهم جزء من هذا الكائن، أو أنه يتشكل من أجزائهم.

ومع توالي الأحداث تذهب الأمور إلى نهاية محزنة وواقع سوداوي، فيرى الناس بطل الرواية هادي العتاك شخصًا فاسدًا ومسؤولًا عن كل ما حدث من دمار في مدينة بغداد، إضافة إلى عدد من التطورات التي نتركها للقارئ ليستمتع بها في تجربة القراءة الكاملة.

اقتباسات من رواية (فرانكشتاين في بغداد)

  • «لا أطلب في واقع الحال أن يحمل أحد السلاح معي، أو أن يقتص من المجرمين بالنيابة عني، لا أريد غير أن تفتحوا الطريق، ولا تفزعوا حين تروني، أقول هذا لأولئك الطيبين المسالمين، وأطلب أن تدعوا لي، وتعقدوا الأماني في قلوبكم على انتصاري وإكمالي مهمتي قبل فوات الأوان وقبل ضياع كل شيء من يدي».
  • «هو يؤمن أن العاطفة تغير في الذاكرة، وحين تفقد انفعالًا يرافق حدثًا معينًا، فإنك تفقد جزءًا مهمًا من هذا الحدث».
  • «سأقتص بعون الله والسماء من كل المجرمين، سأنجز العدالة على الأرض أخيرًا، ولن يكون هناك من حاجة إلى انتظار ممض ومؤلم لعدالة تأتي لاحقًا في السماء أو بعد الموت».
  • «نسير في واقع الحال داخل شبكة معقدة من الطرق، وكأنها متاهة نهارية تزداد تعقيدًا في الليل، نتحاشى فيها قدر الإمكان الالتقاء بالآخر رغم أننا نتحرك بحثًا عن هذا الآخر».
  • «يجب ألا تثير الكآبة في نفوس من ينظرون إليك، وأن تكون إيجابيًا دائمًا، كن طاقة إيجابية تنجو، احلق لحيتك، وبدل قميصك، وسرح شعرك جيدًا، انتهز الفرص كلها لتنظر إلى نفسك في المرآة أي مرآة كانت، حتى لو في نوافذ سيارة واقفة».

بصفتي باحثًا في الأدب العربي وبفضل قراءاتي وتحليلي للمشهد السردي العربي المعاصر، أرى أن فرانكشتاين في بغداد نجحت في كسر التابوهات النمطية لأدب الحرب.

نحن هنا لا نقرأ بكائيات على دمار المدينة، بل نشاهد الفانتازيا السوداء وهي تشرح جثثنا المجتمعية لتسألنا: من الوحش الحقيقي؟ هل الكائن المُخاط من جثث الأبرياء؟ أم هؤلاء الذين فجروا أجسادهم في المقام الأول؟ إنها رواية تتطلب قارئاً متيقظاً يدرك أن الوحش قد يكون أي فكرة متطرفة نغذيها بصمتنا.

عن ماذا تتحدث رواية فرانكشتاين في بغداد؟

تتحدث عن الأوضاع المأساوية في العراق مدة الاحتلال الأمريكي، بقصة رجل يجمع أشلاء ضحايا التفجيرات لتكوين جسد واحد، وتدب الروح في هذا الجسد لينتقم من المجرمين، ليظهر الكاتب بواسطته فوضى العنف والعدالة المفقودة.

هل رواية فرانكشتاين في بغداد رواية رعب؟

لا تُصنف فرانكشتاين رواية رعب كلاسيكية (Horror)، بل هي رواية واقعية سحرية وخيال علمي/فانتازيا، تستخدم العناصر الغرائبية والمروعة كإسقاط سياسي واجتماعي لنقد العنف، وليس بهدف إخافة القارئ.

هل رواية فرانكشتاين حقيقية؟

الرواية خيالية بالكامل، تعتمد على استدعاء الفكرة الأسطورية الغربية للكاتبة ماري شيلي، ولكن الإطار المكاني (بغداد وحي البتاوين) والظروف السياسية وحالة التفجيرات العشوائية هي وقائع حقيقية ومؤلمة حدثت في العراق.

من مؤلف فرانكشتاين في بغداد؟

هو الروائي الشاعر وكاتب السيناريو العراقي أحمد سعداوي.

ماذا يمثل كائن الشسمة في الرواية؟

يمثل الضحية والجلاد في آن واحد، يبدأ أنه ممثل لأشلاء الضحايا الذين لم ينالوا العدالة، ثم يتحول إلى أداة قتل عمياء تضطر لقتل الأبرياء لإصلاح الأجزاء المتساقطة من جسده، رامزًا لدورة العنف الدموي التي لا تتوقف.

ما الجوائز التي حصلت عليها الرواية؟

توّجت بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) عام 2014، وحصلت على الجائزة الكبرى للخيال (GPI) في فرنسا عن فئة الرواية المترجمة، ووصلت للقائمة القصيرة لجائزة مان بوكر الدولية.

إن الغوص في تحليل رواية فرانكشتاين في بغداد يضعنا أمام لوحة سردية مذهلة وقاسية في الوقت ذاته. لقد استطاع أحمد سعداوي ببراعة أن يخلق من شخصية الشسمة وهادي العتاك أيقونات خالدة في روايات الخيال العلمي العربية.

 بعد قراءة ملخص فرانكشتاين في بغداد، وبعد أن تعرفت على دلالات اقتباسات فرانكشتاين في بغداد، هل ترى أن العدالة الانتقامية العمياء قادرة فعلًا على إصلاح الخراب؟

شاركونا آراءكم في التعليقات عن هذه الرواية التي استحقت جائزة البوكر العربية 2014 عن جدارة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة