رواية عزازيل للكاتب والمؤرخ المصري د. يوسف زيدان هي عمل روائي تاريخي وفلسفي فائز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009. تعتمد الحبكة على تقنية المخطوط المكتشف للراهب الطبيب هيبا في القرن الخامس الميلادي، لتسلط الضوء على الصراعات اللاهوتية الكنسية في مصر والشام ومقتل الفيلسوفة هيباتيا. تجسد الرواية صراع النفس البشرية بين الإيمان والشك عبر صوت عزازيل (الشيطان) كرمز للنوازع الداخلية المقترنة بمفهوم الشر.
تُعد رواية عزازيل ليوسف زيدان واحدة من أبرز الأعمال في أدب الرواية التاريخية المعاصر، فتأخذ القارئ في رحلة سردية وفلسفية ملحمية تعود به إلى القرن الخامس الميلادي. وتعتمد الرواية على تقنية المخطوط المكتشف عبر ثلاثين رِقّّا سريانيًّا، لتغوص في أسرار النفس البشرية وصراعاتها الأزلية بين الإيمان والشك، متتبعةً سيرة الراهب والطبيب هيبا وحواره الممتد مع صوته الداخلي عزازيل، وسط أجواء اضطراب مذهبي شهدت أحداثًا فارقة كمقتل الفيلسوفة هيباتيا.
يقدم هذا المقال تحليلاً شاملاً لبنية الرواية الفنية وأبعادها النفسية، مستعرضًا الجدل الأدبي واللاهوتي الواسع الذي صاحب فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية، فضلًا على تفنيد اتهامات السرقة الأدبية واستعراض الردود الكنسية والتاريخية التي جعلت منها نصًا إشكاليًّا يثير التفكر حتى اليوم.
فعل الكتابة يخضع لسلطة تفرض نفسها على فاعله، وتعد هذه السلطة دافعًا محركًا يتيح للاثنين معًا أن يكونا تجليًا كاشفًا عن حضور هذه السلطة التي تتخذ مظاهر متنوعة؛ إنها كيان يسكن في خلفية عملية التأليف، يقيم معها الكاتب ما يشبه العملية الحوارية، ينصت إلى رسائلها الواردة ليتولى تشكيلها بقلمه.
وقديمًا كان يطلق على هذه السلطة مسمى «شيطان الشاعر»؛ فكان لكل شاعر شيطانه الذي يتنحى بعيدًا عن جماعته، يلتقي به في فضاء فردي ليتلقى من وحيه كلمات قصائده، ولعل وادي عبقر في الجاهلية شاهد على رؤية العربي القديم لهذه السلطة. وما من شك أن الوحي أو الإلهام يعد وعاءً إطاريًّا حاضنًا لمنجز الفنان على اختلاف القوالب المجسدة له.
تشكلات القبيح في الثقافة: من إبليس إلى مأساة فاوست
والحديث عن الشيطان يأخذنا إلى نظرة الجماعة الإنسانية إلى ما هو كامن وغير مرئي، يتخذ من القبح أداة دالة لحضوره الذهني لدى أفراد هذه الجماعة.
وفي رحلة ثقافية بين ما هو وضعي تاريخي وما هو ديني ذو طابع سماوي، نجد لهذا القبيح تشكلات ثقافية عدة تظهر حالة التنوع التي عليها عناصر الجماعة البشرية، مع اتفاق في جوهر دلالي واحد؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجده في ثقافتنا العربية ومرجعيتها الإسلامية: الشيطان/ إبليس، وفي العبرية: عزازيل.
وهذه الأسماء تجتمع على دلالة تبدو واحدة، وتشير إلى هذا الكائن المختبئ عن الأبصار الذي تتحرك نوازعه بالشر؛ فهو روح شريرة، وهي المسؤولة عن كل الأفعال المذمومة التي ينتج عنها وجع وضرر وألم بسكان الأرض.
وفي الثقافة الغربية منذ القرن التاسع عشر وما سبقه، يطلقون على هذا الاتصال بين الإنسان وكل فعل سيئ يصدر عنه «مأساة فاوست»؛ بوصفها رمزًا معبرًا يتلخص في هذا المعنى: عقد صفقة مع الشيطان.
يوسف زيدان: الفيلسوف والمؤرخ في عالم الإبداع
من هذا المنطلق، يأتي الحديث عن أحد المفكرين المصريين الذي اتخذ من فن الرواية رافدًا إبداعيًا لكتاباته ذات الصبغة التاريخية، ألا وهو الدكتور يوسف زيدان:
من هو يوسف زيدان؟
المولد والنشأة: وُلد يوسف محمد أحمد طه زيدان في مدينة سوهاج بصعيد مصر في العام 1958م.
التعليم والدراسة: انتقل إلى الإسكندرية منذ صغره برفقة جده، والتحق بمدارسها، وحصل في جامعتها على ليسانس الفلسفة في العام 1980م، وكانت دراساته العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراة مركِّزة على الفلسفة الإسلامية في الشق الخاص بالتصوف.
الهيمنة التراثية: بقي هذا الحقل المعرفي مهيمنًا عليه في جل كتاباته بعد ذلك التي تركزت في معظمها على ما هو تراثي.
أشهر كتاباته الفكرية: «شعراء الصوفية المجهولون»، «المتواليات: دراسات في التصوف»، و«تاريخ العلوم عند العرب» وبخاصة تاريخ الطب العربي، ومن مؤلفاته في هذا الشأن: «شرح فصول أبقراط».
الخبرة بالمخطوطات: لا شك في أن ولعه بما هو تاريخي، يضاف إليه عمله في قسم المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، قد أتاح له إسهامًا فيما يتعلق بالتأليف وبعملية الفهرسة؛ إذ قام بفهرسة ما يربو على 18000 مخطوطة من المخطوطات المصرية، ومن نتاج جهده هذا:
- فهرس مخطوطات جامعة الإسكندرية (جزءان).
- نوادر المخطوطات بمكتبة بلدية الإسكندرية.
- فهرس مخطوطات مكتبة رفاعة الطهطاوي (ثلاثة أجزاء).
الإبداع الروائي عند يوسف زيدان
يبدو أن الحقل الفكري الذي أسكن زيدان نفسه فيه قد ترك ظلالًا له في مجال الإبداع، فكان فعل الكتابة الروائية تجليًا كاشفًا عن ذلك؛ حيث أنجز يوسف زيدان ثلاث روايات بارزة:
- «ظل الأفعى» المنشورة في سلسلة روايات الهلال.
- «عزازيل» الصادرة عن دار الشروق المصرية، وقد فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية للعام 2009م، وطُبعت طبعات عدّة.
- «النبطي».
إسهامات يوسف زيدان في حقل النقد
له مؤلف يحمل عنوان «ملتقى البحرين» يتضمن رؤيته النقدية لأعمال معاصريه، أمثال: جمال الغيطاني.
أعمال يوسف زيدان في مجال العقيدة
«اللاهوت العربي وأصول العنف الديني».

تحليل رواية عزازيل: البناء الفني وتقنية المخطوطات
بالنظر إلى روايته «عزازيل»، نجد أن زيدان يرتدي فيها -وفقًا لمنطوقه في مقدمتها- ثوب المترجم الذي وصل إلى مجموعة من الرقائق التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي، وقد عُثر عليها في حلب بسوريا لراهب يدعى «هيبا». وقد حرص بقلم المترجم على أن ينقل هذه الرقائق كما هي من لغتها السريانية إلى العربية وعددها ثلاثون رقًا.
وقد حرص الكاتب على إجراءات تنظيمية، منها أنه أعطى للرقائق المترجمة عناوين من عنده تسهيلًا على القارئ، ثم إنه استعمل في الترجمة الأسماء المعاصرة للمدن التي ذكرها هيبا في روايته، ووضع بعد الشهور والسنوات القبطية التي ذكرها المؤلف ما يقابلها من الشهور والسنوات الميلادية المعروفة، وأورد بعض الملاحظات والإشارات الموجزة، وألحق بالرواية بعض الصور المرتبطة بأحداثها.
عن ماذا تتحدث رواية عزازيل؟
إذا أردنا وضع ملخص رواية عزازيل وما هو القالب السردي الذي اختاره الكاتب للتعبير عن أفكاره؟ نجد أن الرواية تدور حول رحلة الراهب «هيبا» في القرن الخامس الميلادي، لتتناول الصراعات الدينية واللاهوتية العنيفة في مصر والشام، وتبرز صوت «عزازيل» (الشيطان/ الشك) المرافق له، الذي يدفعه للتساؤل حول طبيعة الإيمان، والخير والشر، وسط أحداث تاريخية مضطربة مثل مقتل الفيلسوفة هيباتيا.
وتتجلى التفاصيل البارزة في حبكة الرواية في النقاط التالية:
- الإطار السردي: تبدأ الرواية باكتشاف لفائف ومخطوطات سريانية قديمة، ترجمها الراوي المعاصر وتروي سيرة الراهب والطبيب المصري «هيبا».
- الصراع الداخلي والخارجي: هربًا من صدمة مقتل والده الوثني على يد متعصبين، يلجأ هيبا للرهبنة؛ لكنه يواجه صراعًا فكريًا ومذهبيًا حادًا حول طبيعة المسيح، وصراعًا داخليًا يمثله صوت «عزازيل» الذي يزرع في داخله الشك.
- الرحلة واللقاءات: ينتقل الراهب من صعيد مصر إلى الإسكندرية، حيث يشهد مقتل الفيلسوفة الوثنية هيباتيا، ثم يغادر إلى القدس وشمال سوريا، وهناك يلتقي بشخصيات تؤثر في مسيرته مثل «مروتا» و«نسطور».
- النهاية: تنتهي المخطوطات بقرار هيبا خلع ثوب الرهبنة بعد أن تصالح مع نفسه ومع أفكاره وشكوكه، محاولًا كتابة اعترافاته وتاريخه الحقيقي ليعثر عليه شخص آخر في المستقبل.
نالت الرواية شهرة واسعة وفازت بجائزة البوكر العربية عام 2009، على الرغم من أنها أثارت جدلًا واسعًا حول الأفكار التاريخية والعقائدية المطروحة فيها.
هل شخصيات رواية عزازيل حقيقية؟
إن أحداث وشخصيات رواية عزازيل للكاتب يوسف زيدان هي من وحي الخيال، باستثناء بعض الشخصيات والوقائع التاريخية. استخدم الكاتب إطارًا أدبيًا عرف بـ «المخطوطات المكتشفة» لإعطاء طابع حقيقي للقصة، حيث تدور الحبكة حول رقوق جلدية عُثر عليها في سوريا، كتبها راهب مصري يُدعى «هيبا».
تمزج الرواية بين الخيال الروائي والأحداث التاريخية الحقيقية كالتالي:
- الأحداث الحقيقية: تشمل الصراعات المذهبية داخل الكنيسة في القرن الخامس الميلادي، والمواجهات بين الوثنية والمسيحية، وقصة مقتل الفيلسوفة هيباتيا في الإسكندرية.
- الأحداث الخيالية: السيرة الذاتية للراهب «هيبا» وعلاقته بالشيطان (عزازيل) هي من تأليف وخيال المؤلف بالكامل.
عزازيل في الرواية هو الجزء المظلم من الذات الإنسانية، الجزء المطمور المخفي الذي لا يموت ما دام الإنسان حيًّا، فهو الذي يحركه ويربطه بالحياة، الذي يشجعه على تحقيق إرادته ثم ينتظر اللوم ويتحمله ويهنأ به، فيتحقق الطرفان: الذي فعل والذي كان مشجبًا علقت عليه الخطايا.
البُعد الفلسفي والنفسي في رواية عزازيل
تتجلى فلسفة العمل في الصراع الممتد داخل النفس البشرية؛ ففي عزازيل نجد:
حديثًا عن انحراف الراهب هيبا عما هو مقدس، وابتعادًا عن قانون هذه الحياة القائمة على التقشف والزهد القريب من الزهد الصوفي في الإسلام، واتصالًا بمنطقة الشهوات والملذات والرغبة الجنسية.
ومن هذا الغلاف الدلالي الظاهر ننتقل إلى الأعماق عبر آلية العرض السردي المعتمدة على الحوار بين هيبا وعزازيل، أي إلى هذه الحالة الإنسانية: انحراف الإنسان عن النظام المعد سلفًا في داخل سياقه وانتهاج ممارسات سلوكية تضعه موضع الإدانة والتجريم؛ لذا فنحن بصدد ذات فاعلة، وسلطة أملت عليها الفعل وكلاهما في موقع يستوجب اللوم والعقاب.
ولأن هذا الفاعل الإنساني يسعى إلى عملية هروب من تحمل تبعات ممارسة الفعل الآثم وفقًا لرؤية جمعية محيطة، فإنها تتجرد وتنتزع نفسها من المسؤولية المباشرة عن ذلك ليلصقها بقوى غيبية ينعتها بالشر، هي: الشيطان، عزازيل، بعلزبوب (التي تعني في العبرية سيد الزبالة).
الشيطان الداخلي والتوظيف التراثي في عزازيل
في الفضاء الدلالي لعزازيل: الشيطان الحقيقي القوي يكمن في هذه الأنا الداخلية للإنسان المعبرة عن رغباته وأفكاره التي تضعه في موقع خصومة مع ما هو سماوي يرتبط بالعقيدة في المقام الأول، ثم مع ما هو أرضي يرى في القبيح من أفعال البشر -التي يترتب عليها عواقب وخيمة تلحق به وببني جنسه- ما يستوجب الذم.
وفي عزازيل: فعل الترجمة يبدو في جوهره سلوكًا مراوغًا يخفي حقيقة مفادها انفتاح الذات المؤلفة على ميراث طويل ممتد في عمر الإنسانية يتناص مع اهتمامات هذه الذات في نشاطها الفكري، ألا وهو نشاط التاريخ والمخطوطات والتراث، الذي سعت إلى توظيفه في تأصيل هذه النظرة للقبيح/ الشيطان.
وليس أدل على ذلك من صفحة المفتتح التي أورد فيها المترجم ظاهره المبدع باطنه حديثًا نبويًا شريفًا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «لكل امرئ شيطانه حتى أنا، غير أن الله أعانني عليه فأسلم».
إن منطقة الشر المستورة عن الحواس التي تسعى كل ذات إلى إخفائها -كما تكشف عن ذلك شخصية البطل الراهب هيبا في عزازيل- تلتقي بلا شك مع مستهل تاريخ بني آدم على الأرض؛ فها هو ذا آدم الذي حاول مع زوجه حواء تغطية السوءة بعد الانحراف بالمعصية والانكشاف: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 22]، وها هو ذا قابيل وجريمة قتله لأخيه هابيل ومحاولة إخفاء السوءة: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31].
ويبدو أن فن يوسف زيدان يتقاطع من هذه الناحية مع أعمال إبداعية قريبة؛ فمحمد مستجاب في مجموعته القصصية «نبش الغراب» يحاول كشف المستور عن المخبوء/ المسكوت عنه في منطقة المأساة/ الشر بالنسبة إلى الإنسان في هذه المجموعة التي صدرت طبعتها الأولى في العام 2000م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
اقتباسات من رواية عزازيل
«اكتب يا هيبا، فمن يكتب لن يموت أبدًا».
«النوم هبة إلهية، لولاها لاجتاح العالم الجنون. كل ما في الكون ينام، ويصحو وينام، إلا آثامنا وذكرياتنا التي لم تنم قط، ولن تهدأ أبدًا».
«أيّ ذكرى مؤلمة بالضرورة. حتى لو كانت من ذكريات اللحظات الهانئة، فتلك أيضًا مؤلمة لفواتها».
«لا يحب أن نخجل من أمر فُرض علينا، مهما كان، ما دمنا لم نقترفه».
«أحزني قليلًا يا ابنتي.. فالحزن شأن إنساني».
«لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام عن إنسان لا يستطيع التعبير عن ألمه».
«هي مغامرة خطيرة أن نأمن، مثلما هي مغامرة كبرى أن نؤمن».
السجال الأدبي: هل رواية عزازيل مسروقة؟
مع الشهرة العريضة للرواية، ثار سؤال نقدي وأدبي حاد: هل رواية عزازيل مسروقة؟
لا، ليست رواية «عزازيل» للكاتب يوسف زيدان مسروقة. فازت الرواية بجائزة البوكر العربية عام 2009، وعلى الرغم من إثارتها للجدل واتهام بعض النقاد لها بالتشابه مع الرواية الإنجليزية «هيباتيا» (Hypatia) للكاتب تشارلز كينغسلي المنشورة عام 1853، فإن العملين يختلفان في البناء الفني، والفلسفة، وتقنية المخطوط السرياني، وتظل التيمات التاريخية المشتركة متاحة لكل الكتاب.
الاتهامات والتشابهات المزعومة لرواية عزازيل
أشار بعض النقاد، مثل التونسي كمال العيادي، إلى وجود تقاطع في الإطار الزمني (القرن الخامس الميلادي) وقصة الفيلسوفة هيباتيا.
وقيل إن تشابهًا بين الرواية وفكرة تدوين المذكرات أو رصد الصراعات الدينية المسيحية القديمة.
موقف يوسف زيدان من هذه الاتهامات والدفاع عنها
نفى يوسف زيدان هذه الاتهامات تمامًا، مؤكدًا أن أحداث روايته وشخصياتها المركزية وقالب المخطوطات السريانية تختلف جذريًا. ثم إن الاعتماد على الحقبة التاريخية نفسها (صراع الكنيسة والوثنية في الإسكندرية) لا يُعد سرقة أدبية، بل هو تناول لأحداث وشخصيات تاريخية حقيقية مثل هيباتيا كتب فيها عديد المؤرخين والأدباء.
المواجهة الفكرية: الرد على رواية عزازيل
لم يقف الجدل عند حدود النقد الأدبي بل تجاوزها إلى الصدام العقائدي، فكان الرد حادًّا ومباشرًا على رواية عزازيل.
واجهت رواية «عزازيل» للكاتب يوسف زيدان (الصادرة عام 2008) موجة عارمة من الردود والنقد التاريخي واللاهوتي، لا سيما من المؤسسة الدينية المسيحية والباحثين، لكونها مزجت بين الخيال الأدبي وعرض وقائع تاريخية وعقائدية تخص القرن الخامس الميلادي.
الردود النقدية والتاريخية على رواية عزازيل
صدرت كتب ومقالات عدة تفكك الرواية، أبرزها كتاب «عزازيل: الرد على البهتان في رواية يوسف زيدان» للأنبا بيشوي، إضافة إلى ملاحظات نقدية لكُتاب ومفكرين آخرين. وتدور أبرز الردود في النقاط التالية:
الأخطاء الزمنية والتاريخية: أشار الرد الكنسي إلى وجود مغالطات تاريخية واضحة في الرواية؛ مثل نسب مقتل القس أريوس بالسم إلى البابا ألكسندروس في القسطنطينية، في حين تؤكد المراجع التاريخية الموثقة أن وفاة البابا ألكسندروس سبقت وفاة أريوس بنحو ثمان سنوات.
تشويه العقيدة والصراعات الكنسية: اعتبر النقاد أن الرواية قدمت صورة مشوهة للصراعات اللاهوتية المبكرة (مثل مجمع نيقية وصراع الطبيعة المسيحية)، وظهرت فيها الشخصيات الدينية التاريخية بطريقة لا تتوافق مع الأمانة التاريخية والمخطوطات المعتمدة.
الخلط بين الفن والتاريخ: دافع الكاتب بأن العمل روائي وفلسفي يعيد بناء الشخصيات سياقيًا، في حين تمسك المعترضون بأن الرواية استغلت قالب «المخطوطات التاريخية» لتوحي للقارئ بصحة وقائع وهمية أو محرفة، مشابهة لأسلوب روايات «شيفرة دافنشي».
من واقع خبرتي وتجربتي الشخصية في مجال النقد الأدبي وتحليل النصوص التراثية، أرى أن قوة رواية عزازيل تتجاوز سرد السيرة الذاتية لراهب مضطرب في القرن الخامس الميلادي؛ إنها تكمن في قدرة يوسف زيدان الفائقة على استغلال خبرته العميقة بالمخطوطات وتاريخ التصوف ليعيد إنتاج مأساة الإلهام والشك بأسلوب لغوي صوفي رفيع.
لقد نجح زيدان في تحويل عزازيل من رمز للشر الغيبي إلى مرآة سيكولوجية تسقط عليها الذات البشرية صراعاتها وهفواتها. وعلى الرغم من الجدل اللاهوتي والتاريخي المشروع عن العمل، يظل النص نموذجًا استثنائيًّا في الأدب العربي المعاصر لكيفية تطويع التراث وصياغة المخطوط المفترض لبناء تجربة أدبية متعددة الطبقات.
تجسد رواية عزازيل محطة فارقة في مسيرة يوسف زيدان وفي مدونة الرواية التاريخية العربية؛ إذ نجحت في تحريك المياه الركود عن أسئلة الذات، والإيمان، والشك، وسلطة النص الأدبي. إن الحوار المستمر بين الراهب هيبا وسلطة عزازيل يظل تعبيرًا أدبيًّا بليغًا عن الصراع الإنساني الأزلي بين النوازع الفردية والضوابط الجمعية.
وسواء نظرنا إلى الرواية بوصفها عملًا فلسفيًّا يُغوص في أعماق النفس البشرية، أو وثيقة متخيلة أثارت سجالات تاريخية ودينية واسعة، فإن نجاحها يكمن في قدرتها المستمرة على إثارة التفكير وطرح الأسئلة: هل كان عزازيل في النهاية سوى الصوت الدفين في عقل هيبا، وشيطانه الأدبي الذي أتاح له خوض تجربة الكتابة دون خوف؟
في خاتمة هذا العرض، يبقى سؤال مفتوح يتردد في أروقة القراءة والفكر: هل عزازيل هو يوسف زيدان نفسه، أو الأنا الداخلي وعقله الباطن، وأن ما كتبه في هذه الرواية وما وضعه على لسان بطله هيبا كتبه بوحي من شيطانه هذا أو عزازيله؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.